«كنا كما لم نكن الآن، نجتمع في مجرى الحطام مرة كل دقيقة. الأملُ عندنا فاكهةٌ صغيرةُ السنِّ، وليس من خوف علينا، فنحن بئرٌ، وأمامنا بواخرٌ لا تُفوَّت.
تجري في النفسِ عميقاً دون سردٍ أو مصابيح وزعانف أو هوائيات.. بواخرٌ من جنسِ الدوّاب..»..‏

إنها الحقيقة.. تلك التي واجهنا الأديب والشاعر العراقي «أسعد الجبوري» ببشاعتها.. بشاعة الحياة التي بمقدارِ ما اتَّسع ظلامها، اتَّسع ظلامُ المعتقد لدى إنسانها.. المُعتقد، الذي هيمنَ على كلّ من هبَّ بجهله فأخمدَ عقله.. كلِّ من فقدَ بشريتهُ، فأنشب فينا شهوته وحيوانيته..‏

بالتأكيد، هي «حيوانات لافتراس النعاس». هكذا بدأ بتوصيفها، وبحكمةٍ تمرَّس في جعلها تردّ عن نصوصه مااحتشدَ من ضوضاءِ قطعانها. نصوص «الفراش المغناطيسي».. الكتاب، الذي أبى إلا أن ينخلع عنه، رافضاً رفضاً عاقلاً، أن تكون أوراقه منازلَ لتلك الكائنات التي طردها بحرفته..‏

هي بالتأكيد، حرفة شاعرٍ، سعى لتخليصِ حياته – لغته، من الوحشة والجليد والأناشيد السوداء.. من رماد العظامِ والموت، وكلِّ ماجعلها أسيرة زمنٍ دفعه جفافهُ لسؤاله، عما سيؤول إليه حالنا بعد كل هذا العماء: «هل سنسعى في إثر تلك البواخر أشبهُ بأفاعٍ/ تراودُ عن سمّها بالماء القديم/ أم أننا هي/؟.. أي نحن مراعي السفن تلك/ ونتليلُ في سراديبها كما الثعالب بين شقوق الحبّ/ نقيمُ احتفالاتنا صامتين مع شعوب آلامنا/ ومنتشٍين بخمر من خلفتهم الزلازلُ عراةً بين حطام الكلمات».‏

يسأل، مدركاً عن سابقِ صواب، بأنَّ لا جواب.. يُستفَّزُ لكن، لابدَّ من حيلة. يحمل استنكاره ويلقيهِ كـ «مناطيد نارٍ في المخيلة».. يعود ليخاطب العموم، وهو مستلقٍ على سريرِ أفكاره المحموم:‏

«ذاك السرير المختوم بأسمائنا، منجمٌ لأشباحٍ يكثِّفونَ فينا الهجرات/ أو إنه كما نراهُ محطةً لوقودٍ/ يتجرعُ منها الهائمون النيرانَ لنصوص ما وراء النوم..»..‏

هذا ما أرَّقه وهو في «فراش أعمى» تحيطهُ حيواناتٌ، سعى للهروب من تخيّلها بقصصِ الحب و «الصبِّ» التي ما إن ألحَّت عليه، حتى داهمتهُ أرواح عصابات الغرام ووحوش الكلام.. فتاوى ممنوعاتها والأحزمة الناسفة لحميميَّتها، وكلِّ ما جعل القصيدة-الحبيبة «زهرة الشاعر الذبيحة» وهو: «طلقةٌ يبتعدُ عن لحمهِ ويضحكُ في مرآة الأبد..».‏

هو أيضاً، الحالمُ الأشبه بـ «غابة في الفراغ» والخواء.. يدور في لا جدواه إلى أن يغادر نفسه بحدسه، معلناً: مملٌّ البقاء.‏

نعم، هذا ما أعلنه شعراً، استشعرَ كم «مفجعٌ الظَهرُ جسراً».. «وليس بين هضاب الأرواح المتلاطمة غير الموتِ بأوراقهِ الجُمرُكية/ المتطايرة فوق طرقٍ موشَّاةٍ بحيوانات من رماد/ وبما لدينا من صورٍ لمصارعين أشداء/ يهدمون في اللغةِ القباب/ من أجل أن يحرروا ترابها العالي من النوم..»..‏

لاشكَّ أنه «الكائن اللغوي» الذي أوقد مفرداته ليخرج من عتمة القبيلة التي منها الجاهل ومنها الغازي، ومنها أولئك القطعان الذين جعلونا نتأمّل في ذات الإنسان بائسين وهائمين «ومستشعرين طروادةَ أماً للحصانِ المريع/ وجلجامشَ أباً للجنازة العائمةِ/ في منافي الخلود/..‏

جعلونا، نتتبّع صحو الشعر لنصحو على نارهِ المتأجِّجة بالوعود: «سننالُ يوماً من صُناعِ الخرافات/ ونرمي جثثهم كالقشعِ من القصبات..»..‏

بيدَ أنها أمان، أو ربما «أغان» ساخرة تخيَّلتنا أجسادا «تملؤها الحشرجات» وفضول الذات لمعرفة من الجاني.‏

«أكنا نتخيلُ أرواحَنا مناطقَ منكوبة/ أم نحن كما يرغبنا آباؤنا نسخاً عن معادن من تاريخٍ قديم؟!».. تاريخٌ رآه ينتزعُ النفس من جدرانها، ويدعها تهيم.‏

لكن، لا.. هو يرفضُ وأمام هذه الحيرة، أن يكون «الذخيرة».. يرفض ذلك، مكتفياً بمتابعته اللاذعة والمُردية لـ فوضى العبثِ الكوني-الديني-الفكري معلناً: «فيما يخصني أنا/ تقريباً بالتمام/ أريدُ التمتعَ باستعراضات الشعوب بعيداً عن الفراديس النائمة في السلاطين والكلاب والكتب والحمى/ أريد الذهاب بتكلفةٍ أو دونها/ مستغنياً عن ببغاءِ اللاهوتي في المئذنة والأبرشية وكل منازل الغيب».‏

اكتفى بذلك، بعد أن سلك طريقَ الغناء، فربَّما: «هو عِبارةٌ تُفِيدُ بالصعود إلى آخر ما في الحُلم من بشرٍ يملؤهم الموتُ بحشراته الميتافيزيقية، خلاصاً من الإصابات بالزهايمر…»..‏

يغني ويغني، فيشعر وكأن الصوت يخرج من آلة.. مع ذلك، لايتوقف عن الجلوس مع صغار أزمنته، باحثاً عن نهرٍ أو بئرٍ يرمي فيهما شيخوخة «نجومه الضآلة»..‏

يفعل ذلك، يأساً من واقعنا، وألماً من كوننا: «حفلةُ آلهةٍ في حفنة مكان، حولنا متطوعون بجماجمٍ لا يتكاثرَ فيها نومٌ ولا عشبٌ ولا شِعر ملتهب.. أمكنةٌ من زمن سحيق، أو ربما أمكنةٌ لأوكسجينٍ قادمٍ من وراء تلك التلال، حيث تسترخي عضلاتُ الحيواناتِ مع قيلولة الغابة..»..‏

حتماً هي نصوصه، التي تعرّي الواقع ببشاعته وهرطقته. هي «القربان» المزوّد بدمهِ لافتداءِ روح الإنسان.‏

نصٌ تلو آخر، ولاأحد يتجرأ على مباغتة قربانه لأن كل نصٍّ من نصونه، يلفظُ الأغراب.. تماماً كما يلفظهم «التراب».. التراب الذي جعل منه شاعراً، يهوى «الإقامة على السطور» حيث نراه: «نراهُ شاعراً استوائياً، لا يعاني من ندمٍ أو من تصلُّب شرايين. شخوصهُ ليسوا قرشيين من ألفية الجاهلية الأولى في القول أو في خراب المعنى، وأقوامهُ خلف أقوامٍ يتسيَّفون بحديدٍ ويطبخون بعرقِ الخيل قصائدهم، متناسين ابتسامات الرمال اليابسة على سطوح الأفلام..»..‏

هكذا نراه، وقد رأى نفسه «أسعد الأوقات في عيادة اللغة». تلك التي دخلها لصيدِ الصعبِ والمُحال، ولترويضِ الغضب وناره بالخيال.. أيضاً، رأى القراء «زواحف» تنبش في تراب كلماته بحثاً عما ينقذها من عدمها.. بخارٌ، لا يليق به أن يتصاعد إلا مع اشتعالاته التي تحرق كآبتها..‏

بيد أنه بخار نصوصهِ الحارقة لمن لايعيّ كيف يبرّدُ عقله بـ «ماءِ القصيدة».. بخارُ «ماء الذاكرة» الذي نحترق فيه جميعاً «محتفظين بصورِ ما نملك من لحومٍ وآلاتٍ وحواس ومؤنٍ، وأمتار من رسائل صوتية تأتينا من الأعماق..»: «ساعةٌ متوحشةٌ/ كلما اكتملَ نبضها الشريرُ/ صار الليلُ ضريحاً في الجسد المومى إليه في سجلات الغيب»..‏

تتوالى النصوص أو «الأغاني» التي سعى «الجبوري» لجعلها، تصرفُ الطنين عن و «من أبناء الريح».. أولئك الذين أراد فكِّ طلاسم اللغة عنهم، وجعل وسائدهم، زهور بيضٌ ولو على أسطح مستنقعات النوم..‏

سعى إلى ذلك، عبر «أرواح القصائد» لطالما: «القلبُ هاربٌ، والصدرُ لم يعد قفصاً لقبائلِ الغرام النائمة تحت الحجر الأحمر في اللحم..».. «وملايين الوحوش تزدحمُ في لوحةٍ/ معلقة على جدار القلب..».‏

كل هذا، جعل الزمن الذي انحرفت فيه موسيقا العقل عن مسارها، «يتحولُ إلى مركبٍ ضالٍّ، أو لوحة آثام».. لوحةٌ، ترافقها «موسيقا داكنة اللون» تعزف الحياة «أفعى» تتلوّى في لغاتٍ هي «كتابٌ مبللٌ وشيطانٌ يقضي الليل» وهو يحاور أشباح الظلام:‏

«ليس غير الدماء في اللغة أو على التراب، أما المنازلُ فأجسادٌ حولها بركُ الهيموجلوبين الذي لم تعد تناسبُ الديناميت الحديث. ألا تراه عدماً مسرحاً تفضيلياً، والكائناتُ أوراقٌ تنمو القصائدُ على أسطحها وتموتُ بالقصف الرجيم؟.‏

أتراهُ نصُّ الحتفِ، هذا الذي ألقاه علينا نحن الأحياء الأموات؟!. نعم، وقد ألقاهُ ثم عاد واستغنى عن قراءته، ولأنه «يبالغ في طاقته» ورؤيته:‏

«الموتُ هو اللاموت.. يجري الأولُ على قماش الصباح تائهاً، ويرسمُ الآخرُ طريقاً تجريبياً للوصول إلى مباني السموات بأقل المعاصي..»..‏

لاشك أنها الرؤية، التي أراد أن يختم بها، نصوصه التي لانهاية لها، وبعد أن وجدَ الإنسان، بل الرجل الذي جرّب روحه في مختلف الحروب، وجرّب الحروب في مختلف الأعمار والأرواح والأزمان: «كائنٌ مهووسٌ بفك شيفرات سلالة البئر ورواة الأساطير المزوّرة. يحوّلُ جسدهُ تلفزيوناً، ويشتقُ من أحداثه الدمعَ والجرادَ وموسيقا غرفِ الجحيم».‏

يختم ولايختم، فالسؤال مهنته والجواب لدى أبو البشرية الذي قرَّر بفلسفته، محاكمته وتبصيره بعقمِ ماورّثه للإنسان من حروبٍ أزهقت روحه ومِلكه و مملكته.. قرَّر محاكمته وإدانته، بهوامش «سينمائية-جهنمية-مسرحية-عاطفية، وكلّها لاتؤدي لا إلى ربعِ أو نصفِ أو ثلاثة أرباع حياة، بل إلى الموت أو «الألم المظلم» الذي اصطاد حتى إبداعاته الإنسانية.‏

يبقى قولنا: «أسعد الجبوري» شاعر وروائي عراقي. من أعماله الشعرية: «ذبحت الوردة-هل ذبحت الحلم».. «صخب طيور مشاكسة».. «أولمبياد اللغة المؤجلة».. «ليس للرسم فواصل-ليس للخطيئة شاشة».. «طيران فوق النهار».. «الإمبراطور».. «العطر يقطع المخطوط».. «الملاك الشهواني».. «قاموس العاشقين».. «قبل انصراف الكحول».. «على وشك الأسبرين».. «متى تخلد ساعتي للنوم»..‏

في الرواية: «التأليف بين طبقات الليل».. «الحمى المسلحة».. «اغتيال نوبل».. «ديسكولاند».. «اغتيال نوبل».. «سائق الحرب الأعمى».. «ثعابين الأرشيف»..‏

http://thawra.sy/_View_news2.asp…