الضمير هو زهرة الرحمة التي تكلل جبين الكبار في نفوسهم، وبلسم الإنسانية التي انتهكتها أشواك العمر.
إصرار الاحتكام إلى الضمير ليس «تأصيلًا ميتافيزيقيا»، كذلك ليس تأصيلًا دينيا أو «مثالية كونية»، وليس بحثا عن كمال متعال لا يُطال أو كمال موهوم، إنه الاحتكام إلى شرعة الإنسانية المنسوجة منها خلايانا.
إصرار الاحتكام إلى الضمير يحتاج إلى حرية. الحرية تنبع من إرادة صقلها التحالف بين الذات وواقعها في قابلية تمظهر القيمة، ونقلها من حيز المجرد إلى الحس، من فضاء المبادئ العامة إلى حيز المواقف الخاصة في حياتنا اليومية. محورية الضمير في القيم تجعله يتصدر العقل والقلب في مجالس المشورة والحكمة، لأنه سلاح الأقوياء في وجه محتكري الصوابية ونواطير السموات. فالضمير يرتبط بالكرامة كصفة جوهرية ملازمة، لا تقبل المساومة ولو مثقال ذرة. وهو يعرف كيفية التعامل مع الكليات والجزئيات والنسبيات، الإلهيات والأرضيات، يعرف أن الفرع من الأصل له حاجة اهتمام الطفل الذي يدب في بداية الطريق.
آلية تحفيز الضمير؟ يكفي أن نضع أنفسنا مكان الآخر، في الموقف عينه، والسياق عينه، ومحمولات الذاكرة عينها في كل تاريخها، ومن ثم نطلق أحكامنا وأقوالنا وأفعالنا.
آلية عمل الضمير؟ يكفي أن نعرف أنه لا يعمل بكبسة زر من عالم علوي، بل بتفكيك شيفرات الكون عبر العيش بتناغم وانسجام بين جوهرنا الإنساني والكوني.
الضمير هو العينان اللتان نبصر بهما كي لا نتعثر، حين نرمي بأنفسنا في المغامرات التي تدعونا إليها الحياة. هو الأذنان اللتان نسمع بهما صوت الحقيقة في فوضى الأصوات التي تضج بها النسبيات. هو الأنف المشبع برائحة التوت البري التي نستمتع بنكهتها حين نستبدلها بذهابنا إلى الولائم والموائد المقامة على حساب المستضعفين. الضمير منبع لسواقٍ كثيرة، على ضفافه تنمو فطريات هجينة، والعقل جهاز المناعة المتأهب للحرب الضروس بين خلايا الإفساد والدفاع. على هذا المنبع أن يحفظ مياهه صافية لتعكس السماء في بهاءات رحمتها، حيث الكرامة انتصار للحق وليست انتصارًا لكبرياء الأنا في سياق علائقها. الضمير هو ابن وجداننا وليس رهينة مزاجيتنا… لا يتلون بأصباغ المواقف لأنه ضمانة كرامتنا. هو الامتثال الصبور أمام العدالة لأصحاب المبادئ لأنهم يؤمنون بأنه نية فاعلة. الضمير، مناشدات لا تنتهي صلاحيتها، ومحاكمات لا يأخذ القاضي فيها فرصة سنوية، وأحكام الاستئناف فيها دائمة بلا قطع. القضايا، الكبرى منها والصغرى، تحتاج إلى مواقف، والمواقف هي القبض على المبادئ، والمبادئ هي تجليات الضمير في كينونة الإنسان الصادق، حيث المفاهيم لم تنزلق في منعطفات الالتباس والأقنعة.
نعم! القضايا تحب الإشهار، لكنه إشهار مقرون بالنوايا الفاعلة والأعمال الهادفة. الإشهار يفضح الازدواجية المتلطية في أروقة المنافع. لأن الازدواجية هي خبز الجبناء وليست حسن تدبير الأمور.
الضمير خليل الوسادة، يثرثران طويلًا آن اختلاء. هو صراحة الحكم عند التباس المفاهيم. يفهمك الضمير أن بعض الدبلوماسية نفاق ووصولية، وأن الانعزال استقالة عن دورك في الحياة وتبخيس للوزنات المعطاة لك، وأن الصمت في غير موضعه شهادة زور، وأن الكلام في موقع الصمت تحريض، وأن التراجع عند المخاطر واجب وليس جبنًا، وأن النصيحة خبرة عيش وليست تجريبًا بمصائر الآخرين، وأن الربح حين نقدم المصلحة الفردية على المصلحة العامة هو خسارة وسقوط وليس ربحًا وانتصارًا، وأن العطاء قبل السؤال هو السعادة والعطاء بعد السؤال ذل، وأن التعالي في موقع القوة استبداد وقسوة، وأن الإصرار على الانتقاد واللوم هدم وتحطيم وليس بناء، وأن الانتظار على المفارق قلة ثقة وليست تحسبًا ووقاية.
نحن أبناء الضمير الولوع بالمحاكمات وجلد الذات عند تواطؤ الذاكرة مع استحضارها صورًا بلون الحاضر، نحن أبناء الضمير التعوب بموروثات حُمِلنا بلاياها وتداعياتها من دون ذنب لنا، نحن أبناء الضمير الذي شكل على قياس إنسانيتنا، فسلبت منا على مرأى المشرعين الناطقين باسمه المحتكرين دوره، اللاعبين دور القادرين على التواصل بين اللامرئي والمرئي. ربما، آن لنا أن نكون شهادة حية عن ضمائرنا…
وحده الضمير لا يمكن أن يتم التلاعب به لأنه من جوهر شفيف، لا يشرى ولا يباع ولا يعرض في أسواق العرض والطلب، ولو أعطوه جرعات كثيرة من المسكنات في غفلة من الوعي، أو عند اشتداد الألم، فأوجاع الضمير تحفزه على العمل وليس العكس، تحفزه على الرؤية الواضحة، ليميز بين الحرية والتفلت، ليميز بين الاحترام والانبطاح، بين التقاعس والواجب بين الشماتة والانتصار. يعلن الضمير عن نفسه باستمرار الخير في الوجود، ويتكلم لغة واحدة، هي لغة الحقيقة المجردة من الغايات، حتى النبيلة منها.
الضمير هو التهيؤ الدائم لتقبل غياب العدالتين، الأرضية والسماوية، وربما استحضارهما. هو الاستعداد الحاضر لفهم التمييز بين الرحمة والعدالة. هو جوهر إنساني يتجسد في معيار. المعايير المحكومة بالقيم تبني وتلك المحكومة بالاستنسابية تهدم. إنه كالشمس ثباتًا في مركزها وامتدادًا للنور في كل الدروب المفضية إليها.
الضمير أم تسهر والقنديل في يديها كي تقي أبناءها من الحُفَر المخبأة في ظلمات ليلهم. الضمير أب يحمل عند الغروب قوتًا من صبر، وزيتًا من حب، وخبزًا من قيم.
الضمير زوادة الآتي من الأيام حين البيادر تقفر والعصافير تنشد ألحانًا أُخَر بعد أن تهجر غصونها للغربان.

٭ أكاديمية وروائية لبنانية

http://www.alquds.co.uk/?p=945782