منذ أن تخلص العرب من الحكم العثماني ودخول الاستعمار، وجدوا أنفسهم أمام عالم جديد على المستويات كافة. كان ذاك الدخول خروجا من عالم العزلة عن العالم الذي كان يتجدد ويتطور في غيابهم.
فرض عليهم هذا التطور اختيارين لا ثالث لهما: فهم العصر والاندماج فيه بطريقة إنتاجية وحوارية، أو الانعزال عنه بالتحصن بالتجربة التاريخية ومحاولة استرجاعها لمواجهة العالم المتطور. وإذا كان الاختيار الأول يتطلب فهما دقيقا للعصر، فإن الاختيار الثاني لم يكن سوى هروب إلى الأمام عن طريق تكريس الماضي، ولا علاقة له بالحاضر أو المستقبل.
طرحت أسئلة عديدة حول إمكانية التطور ودخول العصر، وظل التجاذب قائما بين الاختيارين، فتولدت من رحم السجالات ثنائية الأصالة والمعاصرة، وتكرست عبر الصيرورة، فلم يتم الاختيار الأنسب لدخول العصر. لا نريد تبرير ما جرى بالعوامل الخارجية التي كان لها دور في الدفع إلى محاولة المزج بين طرفي الثنائية، بدون القدرة على تحديد خريطة طريق للعمل. كانت هناك إكراهات التجاذب والصراع التي جعلت الفكر العربي منذ ما يعرف بالنهضة إلى الآن لا يبلور أسئلة خاصة، ويعمل على الإجابة عنها عن طريق التفاعل مع العصر والتراث معا. فلا القائلون بالأصالة استطاعوا قراءة التراث قراءة إنتاجية، ولا دعاة المعاصرة نجحوا في فهم طبيعة الفكر الحديث. وفي الحالتين معا ظل فكرنا ينبني على المحاكاة والتقليد: تقليد الغرب والتراث بالذهنية نفسها.
يبدو ذلك في كون علاقتنا بالفكر الغربي الحديث، وبالتراث العربي ـ الإسلامي ظلت في مختلف مجالات التفاعل قائمة على الاختزال والتبسيط، ويعود ذلك إلى غياب عملية الفهم الدقيق، من جهة، وإلى التسرع في التعامل مع النظريات لغايات سجالية محضة، من جهة ثانية. فكانت نتيجة ذلك عدم تطوير الإطارات النظرية للثقافة الغربية الحديثة، وعدم وضع التراث في سياقاته المختلفة، ولم ينجم عن ذلك سوى العجز عن فتح حوارات جدلية معهما بهدف تطوير حياتنا الثقافية والفكرية، وغياب العمل على استيعابهما وتطويرهما ليصبحا جزءا من تراثنا المعرفي، وقد تحول في ضوء إكراهات العصر وشروطه الجديدة. يتضح لنا ذلك الاختزال بجلاء في كوننا لم نقم بإنجاز قراءات ملائمة لتلك النظريات من خلال فهم مرجعياتها وسياقاتها وأبعادها المختلفة، وحدودها وإمكانات دحضها. وما دام فكرنا الحديث في جزء أساسي منه مبنيا على السجال مع الآخر المختلف أيديولوجيا وسياسيا، ويرتكز إلى جاهز ما وصلنا من التراث، فإننا كنا في كل حقبة من حقب تطور العصور المعرفية نتبنى من الفكر الغربي ما يدعم تصوراتنا السجالية، ومتى ظهر إبدال جديد كنا نسارع إليه للغايات نفسها، معتمدين الطريقة عينها في التعاطي مع جديد الفكر والنظريات.
كما أننا في ظل تلك المراغمات نجد أنفسنا نسترجع من التراث ما نعمل من خلاله على تحقيق التميز بدون استيعاب لكيفية تحويله لفائدة التطور. وما الإسلام السياسي في صورته المتطرفة سوى دليل على ذلك.
يمكننا تجسيد ذاك الاختزال والتبسيط في أننا لا نتبنى من التراث أو الغرب إلا العناوين الكبرى التي نتخذها شعارات للسجال، وليست قضايا للتفكير وتعميق البحث والسؤال. لقد اختزلنا الإسلام في «الخلافة»، وها نحن أمام البحث عن «الخليفة»، أو «الإمام»، وليس الصراع بين المسلمين إلا بين هذين القطبين. وبهذا «الإسلام» نصارع الغرب؟ لقد اختزلنا عصر الأنوار في العقلانية والعلمانية، والقرن التاسع عشر في: المادية الجدلية والاشتراكية العلمية، ولم نر فيهما معا سوى الإلحاد والمادية، فكان التجاذب الفكري العربي من خلال قطبي الثنائية مختزلا في الدين والعلم؟ فلا نحن عمقنا رؤيتنا للدين، ولا أخذنا بأسباب العلم.
ظل الاختزال نفسه في القرن العشرين. لم نطور العلوم التجريبية، ولا أحدثنا العلوم الإنسانية والاجتماعية. رفضنا الفرويدية كما رفضنا الماركسية، لأن صاحبيهما يهوديان وملحدان. وحين قبلناهما اختزلنا الفرويدية في عقدة أوديب، والماركسية في البنية التحتية. ومارسنا الاختزالات نفسها، فأمسى كل فكر لوسيان غولدمان هو «الرؤية المأساوية للعالم»، وكل عطاء الشكلانيين الروس في «الأدبية». أما البنيوية فتم تبسيطها من خلال مقولة «النص ولا شيء غير النص» ولم ينجم عنها تأسيس علوم أدبية؟ كما تم اختزال بارت في «قتل المؤلف»، و باختين في «الحوارية وتعدد اللغات»، والنقد الثقافي والنقد النسائي في الأنساق المضمرة والجنوسة، وهلم جرا.
إنها عناوين وكليشيهات مسكوكة توجه أفكارنا وممارستنا. فلا يغدو همنا إلا الدفاع عنها والبحث عن مبررات لها في الواقع والنص العربيين. ونقوم بالعمل نفسه في تحليل الظواهر السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مع تطعيمها بنظريات تتطور مع الزمن من الليبرالية إلى العولمة.
لم نفهم من الدين أنه أخلاق وسلوك يتصل بالفرد والمجتمع، ويعمل من أجل الارتقاء بالإنسان إلى مستوى المسؤولية في إعمار الأرض من أجل رفاهيته وسعادته. كما لم نفهم من العلم أنه سعي لفهم الإنسان والعالم، فلم نطور العلوم العربية القديمة، ولم نستفد من العلوم الحديثة.
ثقافة العناوين اختزال للمعرفة. إنها تُغيِّب الإنسان والعالم، وتكتفي باتخاذهما ذريعة للسجال والصراع.

٭ كاتب مغربي

((القدس العربي))