ذكرى ميلاد: ميخائيل شولوخوف.. عبقرية الألم

(ميخائيل شولوخوف)

رحلتَ مفضلاً عدم الردّ على اتهامات تجرّدك من جوهر ما عشتَ لأجله، استسلم خصومك لشكوكهم بأنك لم تكتب حرفاً من روايتك الأشهر “الدون الهادئ”، بينما لم تغادر يقينك ذات لحظة حين قلت “أريد أن تساعد كتبي الناس على أن يصبحوا أفضل، ودواخلهم أنقى، وأن يكتشفوا حب شخص آخر… إذا تمكنت من ذلك، فأنا سعيد للغاية”.

ربما تبدو كلمات الروائي الروسي ميخائيل شولوخوف (1905 – 1984) الذي تصادف ذكرى مولده اليوم، بسيطة وغير مزوّقة لكنها تصلح في الوقت نفسه أن تكون بمثابة مقولة أساسية تلخّص الآلام والمحن التي صنعت حياته وكانت مثار حسدٍ بسبب نهاياتها الموفقة وغير المتوقعة.

لم يتمكّن صاحب “مصير إنسان” من إكمال دراسته الابتدائية، ما اضطره أن يعمل في مهن عديدة عتالاً وبناءً ومحاسباً وحتى مدرّساً لصفوف محو الأمية بعد أن استطاع أن يعلّم نفسه بنفسه، وهو المولود في أرياف القوزاق تلك المنطقة الفقيرة المهمّشة النائية التي كانت محطّ صراع دائم بين الروس وجيرانهم وبين السلطة والتمرّدات المتكرّرة عليها.

من هذه العوالم صنع شولوخوف شخصياته الستمئة في “الدون الهادئ” وتحكّم بمصائرها جميعاً بما لا ينزع عنها واقعيتها وهو العالِم بعاداتها وتقاليدها وتاريخها وجذور الصراع الاجتماعي فيها، ولا يحرمها من مشاعرها الإنسانية وصدقية الشخصيات والعلاقات في ما بينها، وتشابكها في بنائها النفسي وحضورها الحقيقي في مكانها مع بقية أعماله التي لم تنل شهرة، وهو الدليل الذي فنّد به الباحثون مزاعم انتحاله لهذه الرواية.

تحضر هنا نقطة في غاية الأهمية، فكومة المقالات والأبحاث التي حاولت إثبات سرقة العمل من كاتب روسي يدعى فيودور كريوكوف (1870 – 1920) كانت تستند إلى احتضان الحكومة السوفييتية لشولوخوف باعتباره كاتبها الأبرز، ما يمكن النظر إليه بإيجابية تدحض هذه الدعاوى ضده فقد استفاد من علاقته بالسلطة بحصوله على الأوراق والوثائق الخاصة التي احتاجها مصادر لرواياته، والتي أغنتها بالتفاصيل والمعلومات، لكنها أيضاً منعت عنه الأرشيف العسكري الذي أراده عند كتابة روايته “المدافعون عن الوطن”.

مسألة أخرى تستحق مزيداً من التمحيص في سيرة صاحب “الأرض البكر” بنعته كاتب السلطة، إذ كانت كتاباته ومواقفه تشير إلى أنه قدّم نموّجاً مختلفاً في هذا السياق. ففي “الدون الهادئ” ينتقد الحرب الأهلية الروسية (1917 – 1922) التي مثّلت أشرس مواجهة بين البلاشفة وخصومهم الذين استعانوا بقوى خارجية، حيث يتناولها بأبشع صورها وفي تعريته لعنف الطرفين ودمويتهما نراه يؤكد على حقيقة واحدة هي أن الخلاف على السلطة لا يجلب سوى تعاسة البسطاء وتفكك قيمهم الأسرية والاجتماعية، وكلّ ذلك على حساب الوطن.

لكن على المستوى الشخصي، لن نجد كاتباً سوفييتياً حظي بهذه العداوة من قبل كتّاب النظّام أنفسهم الذين أرادوا التخلّص منه بشتى الطرق وكانت تقاريرهم ضده تتوالى على مدى عقود، ولولا الاستثناء الذي حصل عليه من ستالين، لكن المنفى أو الإعدام مصيره المؤكّد.

كما أن الكتّاب الروس المنشقّين كانوا الأشدّ كراهية له؛ باسترناك المشغول في مقرّ إقامته الباريسي بإقناع النقّاد بـ”مهزلة” اسمها شولوخوف، وسولجنتسين الذي كان يردّد “لم يكن شولوخوف ستالينياً إلا فى عهد ستالين، ليصبح خروتشيفياً فى عهد خروتشيف، وبريجينيفياً فى عهد بريجينيف… وهكذا”، ولو أنه تفّخص عبارته لوجد أنها التعبير عن ذلك الشخص الذي لم يرد نعيم السلطة ولا جحيمها كما تؤكد سيرة حياته.

المفارقة أن الرّد الأبلغ على كلّ هؤلاء أتى من الغرب، حين كشف أرشيف “الأكاديمية السويدية” بأن صاحب “الأرض حرثناها” نال أكثر عدد من الترشيحات في تاريخها عند حصوله على جائزة نوبل عام 1965، التي دفع بها كتّاب من أمثال أراغون، ورينيه شار، وأندريه مارلرو، ونيرودا، ونابوكوف، وعزرا باوند، بل إن سارتر كتب ضمن أسباب رفضه للجائزة في العام الذي سبقه بأن كان من الأجدر منحها لشولوخوف.

رحل كاتب السوفييت مطمئناً على أن “الدون الهادئ” قد طُبعت آلاف الطبعات ووزّع منها ملايين النسخ في حوالي مئة لغة ترجمت إليها، وأنها لا زالت حتى اليوم تقدّم أهم محاكمة أخلاقية للحرب، وتمثّل ملحمة صوّرت الإنسان البسيط في كلّ مكان والذي يتجاوز آلامه ويتمسّك بالحياة.

((العربي الجديد))