مصادفتان تزامنتا في آنٍ واحد. باتتا وكأنهما توأمان متلاصقان، لا بدّ لهما من عملية جراحية لفصلهما.
قلت لأهتبلْها فرصة، إذا كان لا بدّ مما ليس منه بدّ.
الأولى قراءة قصيدة “الأسلحة والأطفال”، والثانية قراءة “رسائل السياب”
من النافلة إن السياب – شاعراً – هو غيره – ناثراً- لا يشكلان بأيّة حال، وجهيْن لعملة واحدة. ما من وشيجة، مهما دقّت، بينهما.
باختصار، نثر السياب في رسائله، وكذلك في كتابه المدخول: “كنت شيوعياً” ينمّ عن شخصية
ممحوقة، ضيّقة العطن، تعاورت عليها الظروف السياسية والصحية فجعلت منه إنساناً بكّاء شكّاء وسعّاء للمنافثات والمحاززات فالتمسكنات المفجعة. ( رسالته إلى مدير الموانئ العام مزهر الشاوي مثلاً) بالإضافة، وهذا شيء لا يكاد يصدق، إن السياب وإن كتب رسائله بالفصحى، إلاّ أنّ وراءها قيماً ريفية راكدة، مع أخطاء لغوية مدرسية. مَنْ يصدق؟
بالمقابل فإن الشاعر الإيرلندي “شيمس هيني” يشعّ قيماً حضارية متطورة في كل قصائده الريفية تقريباً.
(الأفضل أن نفرد مقالة خاصة عن نثر السياب).
إذن إلى “الأسلحة والأطفال”. كانت هذه القصيدة أيّام الصبا من المأثورات لدينا. وها أنا أراجعها بعد هذه السنين، وفاء لآخر لقاء حميم لنا بشارع الرشيد عام 1959. هل خفتتْ؟ هل حالتْ ألوانها؟ هل نُسِلتْ خيوطها؟ هل كانت قصيدة مرحلية، كمحاصيل موسمية تنتهي بانتهاء فصلها؟ على أية حال، قرأتها بحرص أكيد، كمَنْ شاخت به السنين، ونشفت جلودها، فراح يقلّب “ألبوم” صور طفولته وصباه، فإذا به هو وليس هو. هل يحزن أم يفرح؟ كذلك كانت قصيدة “الأسلحة والأطفال”، هي وليست هي. مع ذلك ندهت أصواتاً خلتها همدت. أصوات الباعة الفقراء مثلاً، ونداءاتهم المنغّمة في أزقّة الكرخ القديمة: حديد للبيع.. سكراب، سكراب، حديد.. حديد”. كررّها السياب بنغم بحر المتقارب: فعولن فعولن..
“حديد عتيق/ حديد عتيق/ رصاص”..
جمح الخيال بالسياب، فتصوّر أنهم يجمعون الحديد والرصاص، لصنع قنابل لقتل الأطفال والنساء. صادفت القصيدة هوى لا سيّما وقد تزامنت مع حركة “أنصار السلام” المناهضة للحكومة القائمة زمانئذٍ.
هل كان السياب هنا متأثراً بالباعة الفقراء ببغداد حقاً، أم بقصيدة: “مارش النصر العسكري” لـ تي. أس أليوتْ؟ The triumphal march
قصيدة اليوت هذه، بالإضافة إلى كونها متعددة الطبقات Layered poem أشبه ما تكون بمسرحية مصغرة، بكل ما في المسرح من تمثيل وإخراج. التوقيت أهم ما في المسرح، والتوقيت أهم ما في قصيدة مارش النصر العسكريّ. القصيدة، إلى ذلك، تتحدث عن عقم الحضارة إنِ انتصر فيها الحديد والبرونز والمجنزرات والرصاص وحذوات الخيول، وانحسرت مقابل ذلك، القيم الروحية، والدينية، والإنسانية. (لسنا هنا بصدد المقارنة، بين القصيدتين وإن كانت مغرية). لكنْ يمكن القول إنّ قصيدة “الأسلحة والأطفال” ليست من جياد قصائد السياب، فبعض ثمارها بُسْر، وقشر بعضها كثير.
كان السياب، في هذه المرحلة، كما يبدو، مستجدّاً على الثقافة الإنكليزية، فراح يرصّع كتاباته بإحالات لشعراء أباعيد، كالإشارة إلى مسرحيتيْ مكبث، وروميو وجوليتْ لشيكسبير، وقصيدة القبّرة لشيللي، وأصداء إيدث سيتول…
قلتُ: “يرصّع” عمداً، ذلك أنها لم تبلغ درجة الهضم والتمثّل، ومَثلها هنا، مَثّل النياشين خارج الجسد وليست في تلافيفه.
ورغبة في تكثير الفائدة، لنتوقفْ للحظات عند المقطع التالي، من قصيدة “الأسلحة والأطفال”:
“سلام لآفون روّى عروق/ شيكسبير والزهر والداليهْ/ أفقْ شاعرَ النور إن الشروق/ تهددّه غيمة داجيهْ
سعى “مكبثٌ ” تحتها في/ احتراسْ/ لقتل النعاس../ لقتل النعاس البرئ…”
لا يحتاج المرء إلى قراءة المقطع أعلاه، مرتين ليكتشف أن السياب، رغم خلوص نيته كما يبدو، لم يكن موفقاً كلّ التوفيق. ارتبكت، أوّل ما ارتبكت لديه، جغرافية المكان فأعطى صفات لنهر أيفن Avon (أسماه السياب آفون لتمشية الوزن وكذلك فعل باسم شيكسبير) وكأنه نهر صحراوي ببادية عراقية ولا ماء غيره. لم يوفق السياب ثانية في الجمع بين عروق شيكسبير والزهر والدالية. المعروف أن للأنهار والأزهار في الأدب الإنكليزي، دلالات مخالفة لما نألفه في الأدب العربي تصل إلى درجة الضدّ في كثير من الأحيان. إنهما رمزان يثيران الرعب.
مثلاً حينما كان الآرتباك بادياً على مكبث، من جراء تفكيره في قتل الملك، نصحته الليدي مكبث، أن يكتم الأمر، ويتصرف تصرفاً عاديا، بريئاً في الظاهر، وقالت له:
“أبدُ لهم كالزهرة البريئة/ بيد أن الثعبان تحتها”
يبدو أن شيكسبير تأثر في هذين الشطرين بالشاعر الروماني فيرجل الذي نصح الصبيان الذين يجمعون الأزهار والفراولة القريبة جدا من الأرض، أن يبتعدوا ” لأن الأفعى خاتلة في العشب”.
قبل النظر، ولو خطفاً، في تعبير السياب: “أفقْ شاعر النور”، قد يكون من المفيد ان نسترجع ما قاله أحمد شوقي، وهو يسأل شيكسبير عن أخطر سرّ مستحيل:
“يا صاحب العُصُر الخالي، ألا خبرٌ/ عن عالم الموت يرويه الألبّاءُ/ أمّا الحياة؛ فأمر قد وصفتَ لنا/ فهل لِما بعدُ تمثيلٌ وإدناءُ”
ثم يذكر “الجمجمة الفارغة، الغبراء الجوفاء” إشارة إلى حفار القبور في مسرحية هاملت،” ويربط بشطحة شعرية لمّاحة غريبة بين الجمجمة والرياحين. جعل الجمجمة بمثابة أصيص. الشئ بالشئ يذكر فقد ربط الشاعر الاسباني لوركا في رثاء مصارع الثيران أوغناثيو ميخاس، زهرة الجمجمة بالرياحين:
“بيد أنه الآن ينام إلى الأبد/ بينما تفتح الطحالب والعشب/ بأصابع واثقة/ زهرة جمجمته…”
(ترجمة عبد الهادي السعدون عن الاسبانية)
اجتهد السياب كما رأينا أعلاه، فنعت شيكسبير بشاعر النور، وقال له، كما قال أحمد شوقي قبله، “أفقْ”.
لا ريب إن شيكسبير شاعر النور مجازاً، إذا أردنا من وراء ذلك الحكمة والاستبصار. ولكنه في مسرحية مكبث بالذات هو شاعر الظلام، وما يجرّه من جرائم. قالت الليدي مكبث، وهي تُعدّ العدة لقتل الملك دنكن:
“تعال أيه الليل البهيم/ ولفّعْ نفسك بأعتم ِ دخان في الجحيم/ حتى لا ترى سكّينتي الجرح الذي تصنع”
تقولA.C. Bradley :”الظلام ويمكن أن نقول عنه حتى السواد، يخيّم على هذه التراجيدية. كل المشاهد التي تخطر على البال تقريباً، تجري في الليل، أوفي بقعة مظلمة. رؤية الخنجر، وقتل الملك دنكن، وقتل بانكو والليدي مكبث في سيرها في النوم. كلّها تحدث في الليل”.
وتقول M.M. Mahood : “ثيمة الظلام في مسرحية مكبث لها صلة وثيقة بالزمن… النور يقيس الزمن، ولكنْ ليس هناك من زمن في الظلام”.
وحتى يزيد شيكسبير من حلكة الظلام، راح ينتقم من حاسة البصر، مفتوحة ولا ترى، فأثرى المسرحية بأبعاد نفسية خطيرة هذه المرّة. ما من أديب استطاع أن يفصل الحواس بعضها عن بعض كما فعل شيكسبير.
مكبث على سبيل المثال، يرى الخنجر أمام عينيه. يحاول أن يمسك به فلا يستطيع. الخنجر يقود شيكسبير. الخنجر يُدِّله على الطريق المرسوم. الخنجر باختصار استأصل، أوّل ما استأصل، دماغ شيكسبير بالذات. الخنجر الآن هو العقل الذي يسكن رأس مكبث:
“أهذا هو خنجر أراه أمامي/ مقبضه باتجاه يدي؟ (يكلم الخنجر) تعالَ/ دعني أمسكك:- لا أستطيع أن أمسكك، ومع ذلك أراك على الدوام…”
أمّا الليدي مكبث فلم يسلمْ بصرها هي الأخرى. عيناها مفتوحتان عن آخرهما، ولا ترى. حتى الشمعة بيدها لا تنير شيئاً. تهذي للا أحد. المجانين، وحدهم، يهذون للا أحد. جنّت الليدي مكبث. قاب قوسين.
على أية حال، قد تهون بعض التصرفات الترجمية، إذا كانت الكلمات خيارات قاموسية، ولكن مما لا يهون إذا كانت الكلمات مصطلحات ذوات مدلولات خاصة، كما في الترجمة التالية:
“لقتل النعاس../ لقتل النعاس البرئ”
كيف بات النوم، وهو مصطلح أساسي في مسرحية مكبث، نعاساً؟ ولكن قبل ذلك لنتبين معنى النعاس عربياً.
تقترب القواميس العربية من تعريف النعاس، وهو فتور في الحواس، والوسن من غير نوم، وأوّل النوم.
قال الأزهري: “حقيقة النعاس السنة من غير نوم. قال عديّ بن الرقّاع:
“وسنان أقصده النعاس فرنّقت/ في عينه سِنَةٌ وليس بنائم”
(عن قاموس لسان العرب)
قلنا أعلاه إن النوم لدى شيكسبير ولا سيّما في مسرحية مكبث، مصطلح أساسي، وهو والصحو مادّتان
ضروريتان متلازمتان لإدامة الحياة. وهما كالهايدروجين والأوكسجين لا يتركّب الماء إلا بهما. من هنا مأساة مكبث. لقد فقد النوم فآختلّت حياته. لا يعيش الإنسان بالصحو وحده، ولا بالنوم وحده.
قالت الليدي مكبث، لزوجها:
“إنك بحاجة إلى النوم وهو العنصر الحافظ لكل المخلوقات”/ (صُوِّر النوم هنا على أنه مثل الملح لحفظ اللحوم)./ قال مكبث بعد ان قتل الملك وبلغ به التشوش مبلغ الخبال:/ “خُيِّل لي أني سمعت صوتاً يجأر: “لا نوم بعد اليوم!/ لقد قتل مكبث النوم،” النوم البرئ/ …ما يزال يجأر: لا نوم بعد اليوم” لن ينام أبداً/ مكبث لن ينام بعد اليوم!”
مع ذلك لننظرْ إلى النوم من جانب آخر، ولماذا كان هو المقصود، وليس النعاس.
أحكمت الليدي مكبث الخطة لقتل الملك، متى، وأين، وكيف. إلا أن المنفّذ الحقيقي لهذه الجريمة وهو مكبث طفق يتردد، لأنه كان يخشى من إخفاق الخطة. استغربت الليدي مكبث فبادرته بسؤال آستنكاري :”نخفق؟”، ثمّ راحت تطمئنه على النجاح لأن توقيت تنفيذ الجريمة محكم، وذلك حينما يكون الملك دنكن “غارقاً في النوم”
(حيث سفرته المرهقة هذا اليوم/ لا بدّ تدعوه إلى النوم عميقاً).
لولا الإتعاب والإملال، لذكرنا كيف تأثر السياب في قصيدة الأسلحة والأطفال، أوّلاً من حيث ايقاعات بحر المتقارب فعولنْ فعولنْ، بقصيدة الجواهري الشهيرة:
“أحن إلى شبح يلمح/ بعينيّ أطيافه تمرح”.
بحرالمتقارب هذا من أغرب البحور، فما أنْ تضيف حرفاً واحداً في بدايته حتى تتغير كل التفاعيل التالية إلى فاعلن أو (فَعِلُنْ) فاعلن أي بحر المتدارك. أكثر من ذلك، لبحر المتقارب هذا، صيغتان صوتيتان. فإما أن يجري على نغم فعولن فعولن فيكون وكأنه مجرى ينبوع مترقرق مثل قصيدة الجواهري:”أحنّ إلى شبح يلمح” لأنها قصيدة تأملية سكونية، ولكن حينما تكون إحدى تفاعيله فعول بدلاً من فعولن، ينهض الصوت ويستحيل من ينبوع هادئ إلى نافورة صوتية عالية كقصيدة المتنبي:
“ألا كلّ ماشية الخيزلى/ فدى كلّ ماشية الهيدبى/ وكلّ نجاة بجاويةٍ/ خلوف وما بي حسن المِشى”

تأثر السياب من ناحية أخرى، بما شاع في قصائد الجواهري من كلمة: “سلام على”. فألحّ عليها وألحّ كما في قصيدة الأسلحة والأطفال، وفي قصيدته الأخرى:”سلام على العالم الأرحب”.
يبدو أن الجينة الأولى لبدء القصيدة بتعبير:”سلام”، لم تنبت بالعراق، وإنما بمصر، على يد أحمد شوقي
وله قصب السبق في استعماله بصورته الفنية المحكمة، ولا سيما في قصيدته الجزلة، وهي من أحسن الشعر وقتاره:
“سلام من صبا بردى أرقّ/ ودمعٌ لا يُكفكف يا دمشق/ ومعذرة اليراعة والقوافي/ جلال الرزء عن وصفٍ يدِقُّ”
تميزت كلمة: سلام هنا في مطلع القصيدة لأنها لم تطرح وكأنها مجرّد عادة ترحيبية، فقدت لذعتها بالتقادم، وإنّما شّبِّهتْ بأرق نسيم، وبذا أبعدها شوقي عن الطريقة الشائعة في إلقاء السلام.
ثانياّ ولّد شوقي الحركة في البيت، من نسيم الصبا، ومن جريان نهر بردى، ومن الفعل يكفكف.
ثم ماثل الشاعر بين نهر بردى وتعاقب أمواجه، بالدمع الذي لا يكفكف. أيْ (مسح الدمع مرّة بعد مرّة) بالإضافة فإن كفكف وحدها موسيقيّاً تدلّ على ترجرج، وفيها تداعيات أخرى منها كفّ أي كفّ اليد، وكفّ كفعل بمعنى (ملأ الإناء ملأً مفرطاً)، وكفّية بمعنى المنديل.
أكثر من ذلك، آستهلّ شوقي قصيدته بـ “سلام” بصيغة نكرة، وكأنما أراد من ورائها السلام كدعاء ليعمّ البلاد، لأن دمشق كانت بعد نكبتها الفاجعة أحوج ما تكون إلى تأسية وإلى سلام حقيق. أخّر الشاعر المنادى “يا دمشق” إلى نهاية البيت، وكأنه يخاطب شيئاً مقدساً لا يجوز التقرب منه، دون تقديم نذور أوّلاً، كالدموع مثلاً. وليس أدلّ على ذلك التقديس من كلمة: ” جلال ” في البيت الثاني.، وكأنّ فرنسا لم تنتهك مدينة، وإنّما انتهكت حرمة محرّمة.

((المدى))