” أوراق وملاحظات ” كتاب الشاعر الفرنسي لوران غاسبار والذي ترجمه حسونة المصباحي ضمن كتابه ” متاهات ” الصادر عن دار الشؤون الثقافية عام 1990 ، استعاد فيه صور الأمكنة التي عاش فيها طويلاً . الشرق الذي تكشف له بشكل مدهش ، عين الشاعر ليست كعين الآخر ، عين تنزل في عمق الأشياء المرئية ، تتعرف على خفايا دفينة في الذي يتحرك في المحيط . بمعنى أنها تكتشف الروح التي تمنح حياة للمشهد . كتب عن الأماكن التي تقاسمت جزءاً من عمره كما قال حسونه المصباحي ، هي ” دقة ومكرونة ، حلب والقدس ، أثينا ، وقنية ، اسماء تنهض من ذاكرة وفية ، ومعها تنهض أحاسيس ورغبات مقترنة بفصول وبحار وأزمنة ” كتب لوران غاسبار عن القدس : ليالي الصيف في القدس ، النظرة كما لو أنها قفزت من نافذة ، يلتهمها أبعد في كل سرعة ، غياب الأعماق الذي لا يمكن تخيله . ومن ذلك ، فأن هناك شيئاً لمس . شيء كان موجوداً هنا دائماً . والفجر جد قريب حتى أن الفكر لا يمكن من أن ينام . ماء العيون يواصل الارتعاش فوق الحجرة . رياح شرقية تؤجج طقطقة العشب المحروق / ص232//
تأتي الملاحظة الجوهرية من العنونة ” سأغويها وأقودها الى الصحراء ” بأن المفعول به غائب ، غير معروف ، هو المتخيل الشعري الذي لا نعرفه إلا الشاعر المفتون بالشرق ، لكن نستطيع التقرب إليه ، إنه الذي انشغل بالغواية منذ زمن طويل وتعرف عليها شعرياً ، فيها الكثير من السرية والسحرية لارتباط الغواية مع الصحراء .
غواية متناقضة مع غوايات الأساطير التي حصلت في الفراديس والجنان والبساتين . الغواية المترامية التي بلا حدود ، أرادها نحو الصحراء ، لأنها المكان الواسع والمترامي . بلا حدود والمطلق الذي يحلو فيه التجلي والمناجاة مثلما هو في الأساطير والخرافات . هي مكان النبوءة الذي اختاره لوران غاسبار ، لأنه الآخر نبي الشعر الجديد وعاشق الشرق المذوب فيه والهائم معه للأبد . مكان سهلي مثير لدهشته ، لأن كثيراً من الأماكن التي كتب عنها في أوراقه وملاحظاته عالية ، مرتفعة . الصحراء مكان بكري ، بدائي وكأن القمر غادره قبل قليل . واختلطت فيه الطقوس الدينية مع الأسطورة والسحر . وقدمت لنا شعرية متسامية متعالية لا يمسك بها في أدق القراءات . الصعوبة متأتية من كون لوران غاسبار شاعر صعب ومعقد . تتداخل في نصوصه المرونة ، والمألوف ، المعروف واللامعقول ، والمأثورات اليومية وأماكنها الأسطورية التي تنزع حجابها الواقعي وتلوذ بالغرائبي لحظة انكشافها لعين الشاعر ، وكأنها أماكن للطقوس والأحلام فقط.
الأساطير حاضرة في نصوصه ، لا تغادرها ، لأنها روح الشرق المهيمن عليه . الشعر ينهض في السحر والأسطورة والماضي ، الذاكرة ، والمتخيلات ، والمدهش يختار ثانية الأسطورة ويحتمي بها مختاراً ، غير راغب بالهروب منها باتجاه الحافات الخارجية السهلية ، المائية ، المسطحة او المستوية وبالإمكان مطاردتها بالشعر أو النثر ، أو ملاحقتها مشياً أو ركضاً كما في نثريات الروائي إلياس كانتي .إنها أماكن مرتفعة اختارت الأعالي كي تحقق بلاغتها وهيبتها . وهذا الاختبار متأتٍ من أن لوران عاسبار يصعد بهاجسه الى الاعالي بتأثير ما عرفه عن الطقوس والشعائر والاساطير المروية في فلسطين والأردن والأماكن الاخرى .
إنه شحاذ جليل وأمير ، يقتنع بما هو قليل ومنحوت ، لأنه شاعر وليس حكواتياً يستجمع كل تفاصيل وعناصر الأماكن السرية أو الطافحة . تكفيه أسطر قليلة ليقول ما يستحقه الشعر وتفيض به ، تغرق فيه وتمسك بالمعنى والدلالات .
اعطته الأماكن المرتفعة نصاً ميتافيزيقياً ووهبته روحاً محلقة ، صوفية تأخذه للكون الذي يريد والمزدحم بالمشرقيات الحافظة لبكوريتها ، أرتضته يفتضها لأنه المشرف على أماكن أقل ارتفاعاً ، تهبها قداسة نازلة من فوق . إنه يحدق من العالي الى المرئي ، محاولاً اكتشافه جديداً مغايراً عندما لاحظه وهو بجواره .
لوران غاسبار مختلف عن الروائي ” إلياس كانتي ” المسحور بالشرق في كتابه المهم ” أصوات مراكش ” حيث كان واصفاً للأماكن الشفافة والملونة بزحمتها وطقوس يومياتها المظلومة بالشعر الموهوب عبر السرد ، والراسم لفراغاتها عبر الحلم والأسطورة أيضاً . الاسطورة والخرافة والمعقول المغلف بالسرد .
كتب لوران غاسبار عن أمكنة عربية تراكمت عليهما خصائص وملامح وأرواح وأحلام كثيرة وكانت السيرة . مثلما في الخلق الأول عندما كانت الكلمة استلم عناصرها الروحية الهائمة في الفضاءات والجغرافيات وتراكمت من خلال صورها وتخندقت ذاكرة شرقية تجاورت مع ما كان مختزناً . هنا الحكمة التي قالها غاسبار لحظة علوّه مع المكان المتسامي , والاشراف لم يتحقق إلا في الأماكن الشرقية عبر موروثات الغائب وأساطير لياليه المتكررة حتى في النهارات ، حيث تبدت مهارته الفائقة في نصيات سردية تزيح الشعر وتجعلك مرتبكاً وأنت تجدد نوعها . إنها متوترة بتركيزها وامتلاء شحناتها المرتعشة ، نصوص تتسع لحظاتها وتضيق ، تمتد بقوة المعنى اللائذ في عمق النص كما في ” الجم ودقة ” .
من يستطيع الاتصال بالعلية ، لا يقدر عليها إلا الجليل من المتصوفة الذين ابتكروا الحياة ومجدها عبر المطلق واستمرار التوق إليه . لذا اختزن لوران غاسبار كل روحانية الشرق في فلسطين والأردن وضفاف الفرات ، ليخلق لنا نصوصه الجديدة ، التي احتوت الأساطير وشفراتها البابلية . أمسك بها واعتبرها من عناصر نصه الجديد وألبسها بردة الخلود ولوحت لنا بطاقة السرد ومرونته الموظفة بمهارة الشاعر الخلاق العارف جيداً بأن الشعر والاسطورة متجاوران ومتحاوران حتى الأزل . يدخل أحدهما الآخر ويعطيه ما لا يعرفه ويحصنه بالبقاء للابد / الاسطورة . سعادة الشاعر غيابه في النص ، فمتى اكتشف الشاعر في شعره تعطلت رسائله . الأسطورة مخزن الشاعر وهوسه باللاهوت ، لأنها ــ الاسطورة ــ محيطه وحافته المفضية للأقداس والملوحة ببلوراته المشعة . وتظل سرية على الرغم من شعاعها . لكن هذا لا يمنع التذكير بأن نصوصه فيها عتمة مهدئة مريحة تعطي المتلقي رخاوة المكتشف ، النبوئي ، لأن الروح الصحراوية زاحفة مع نصوص غاسبار ، شرقية لا يغيب توهج حضورها الشمسي ، مثل زرادشت الموجود في الوجود في النهار والليل . غاسبار صديق الفجر والنهار ومجنون الغروب المؤقت . العتمة ملاذ الشعر والتستر من الافتضاح واللوذ بالغموض المريح ، من أجل توفير الكتم حجاب حياة الشاعر المكشوفة والغامضة ، لا من أجل الصعب وإنما من أجل المجاز .
انعكست حياة غاسبار بغوامضها وخفاياها في نصوصه السردية المتجاورة مع مدونات المتصوفة . تعطي وتخفي . تمنح وتستر تقول كل شيء يريد قوله وتصمت عن المعنى وترتضي لغزيتها . كريمة وبخيلة جداً . تومئ للكينونة ، تغرف من الوجود لأن بيته جاهز لاستدعائه ، لغته كاشفة لحركتها وسط بيت الوجود . من هنا الدلالة في نصوصه زئبقيته ، مرتجّة ، لا تأتيك وتقوى الذهاب اليها بسرعة وقوة . انها تأخذ من المشهديات شفراتها وتهب الواقع محاراته مثال ذلك ما اتضح في نص ” هرقلة ” سريته ، التي هي مخفيات العابد الذي لا يكتب بالكلمات ، بل يرسم بالصورة خارطته . جغرافيته اختزنت الهائل من التواريخ والتجارب والصياغات المختلفة والمتنوعة في تشكلها من نماذج خاصة به قائمة في ذاكرته ومطوفة ، معلنة عن مكوثها التاريخي بعشق صوفي مع المكان . وهذا ما تمظهر جلياً في نص ” تكرونة ” وملاحقته طيراً شعرياً ، لم يستطع الامساك به فكيف بالمتلقي ؟
واجه غاسبار الخلاق المتصوّف ما يعاونه على الامساك بلحظته وتمتعه بالأمكنة المقدسة ونوافذها الاستعارية بالمكشوف المسيحي والتآلف معها باستمرار ، لكن الزحف الصهيوني ، طرد غاسبار من فلسطين عام 1967م . ترك وراءه قداسة المكان ومروياته التاريخية ورحم أساطيره واختار تونس مكاناً ، لكنه ظل مرتبطاً روحياً بفلسطين وسردياتها . دخل تونس كأي غريب ، يجيء اليها ، لكنه اكتشف تآخيه معها وتآلفه وإياها ، لأنه ما زال ــ آنذاك ــ يحمل في أعماقه روح المشرق ومحكياته ، يتحرك في داخله ـــ ثانية ـــ الشعر والحلم وصاغ مناجاته للأمكنة ، كي يستعيد هدوئه الراسخ ورائحة لا معقول المرويات عن الأماكن .
ما لم يستطع عليه الشعر ، كان له السرد الذي لا يختلف كثيراً عن السرد في تجربة لوران غاسبار . يتداخل معه ، ويطغي عليه ويمنحه تاجه ، يلبسه إياه راضياً ومرضياً بالتتويج القدسي للجمرة التي تحولت عرشاً اختاره غاسبار وجلس عليه ، مرتفعاً عليه كي يصل بجسده الى مكان متعال ومرتفع ، هو أعلى نقطة في الوجود ليطلق صرخته المشبعة بالأساطير والغرائبية ورنين الأسطورة .
الأماكن في نصوصه الشعرية ” مجلة الفكر العربي / العدد 38 ” والسردية ضاجة بتقاليد الطقوس المتوارثة عبر قرون .
استنهاض خلاق ، مبدع احتفى به الشعر والمكان والطقوس ومتستراً بموروث الغائب .
من مدهشات السرد ، مجاورة الغرائبي مع الواقعي ، اللامعقول مع المعقول ، لأن السرد رحم هائل يتمتع بقدرات على استيعاب كل شيء ، ويصير ذاكرة ، مرتضية بالماضي والآن ، وعندما يطول سَكنُ الماضي يتحول خلايا حيّة ، نابضة بما هو مساعد على مقاومة التآكل والتجرف . سكن الأسطورة والسحر والدهشة مع المتهيب والعاشق بجنون ” الصوفي ” يستدعيها الشعر كلها ويحوز عليه وهذا غير متحقق دائماً ، بل يكون في زمن لا مثيل له ، زمن النبوءات والاستشراقات الكاشفة عن الواطئ عند التحديق اليه من كل . حيث المرئي والمخفي ، الغائب والعائد ، ( الحسي والعقلي ) والذي لن يأتي ، هذه هي خبطات الشعر الكوني ، عندما يتحدث عن نفسه ، وهذا ما قاله هايدجر عن هولدرن . انطوت سرديات غاسبار على الاستعادة ، وسببت شكلاً بما يعنيه النص ، انتسابا للنوع وسعته وتراكم ميثولوجياته ، بل بما حافظ عليه المكان من طاقة على استثاره الذاكرة ـــ كما قال صدوق نور الدين ـــ وتشغيلها لالتقاط الخفي من جمراته والامساك بها ، الشاعر مقتدر على خلق المكان الذي يريد ويحدد حجمه . وليس حدوده المادية المعروفة ، كي يصل الى نوع من الرهافة والشفافية ، قادرة على مجاوز العالم المادي القاسي ، بحيث ينسل باقتدار نحو محيط الشفاهية فيه ويخلق لنفسه فرصة الالتقاء بما لا يمكن لقياه ورؤيته بما لا يمسك به إلا عبر الشعر والاسطورة . أي الطاقة القصوى من التخييل .
إنها حالة الوجد الصوفي التي عاشها لوران غاسبار في أماكنه الشرقية ، محاولاً عبرها انقاذ ذات الشاعر المحاصرة منذ طفولتها في الغرب ، من ضغط المجتمع الصناعي ليحقق لنفسه فرارات عديدة هي المنقذ والمخلص ……….إنه الشرق .