قصّاص الأثر الذي اقتفى أثر نفسه في مرايا الرمل

في عام 2013 صدرت المجموعة الشّعريّة الثالثة للشاعر العراقيّ ناجي رحيم تحت عنوان “سجائر لا يعرفها العزيز بودلير”، وهي مجموعة يرسم فيها الشّاعر معالم فضاءه الشعريّ بأدواتٍ لغويّة مبسّطة- مركّبة تصوغ عالمًا شعريًا موغلاً في الماضي والحاضر.

 

بكثيرٍ من القلق الوجودي والتعبير المتناغم-المتنافر عن ذاكرة الحاضر- الآن، يرصد الشاعر أحوال العالَم الصغير الذي ينفجر في وجه القارئ من القصيدة الأولى ليعبئ العالم الكبير شظايا مدهشة في سرعة نفاذها وسرعة انفلاتها من التعريف وتشخيص هويّتها: هل هي تعريف للذات التي لم تعد تحتملُ تعريفًا- ذات بلا هوية تشبه هذا العالم؟

القارئ لقصائد هذه المجموعة بمعجمها النثريّ والشعريّ، لا يمرّ على البضاعة الشعرية مرور الكرام. فيها من السّيل الشعريّ ما يقلقل عالمه الدافئ وهو يربّت على كتف القصيدة التي يعرفها ويعرف أين ستصبّ.

الغياب أولى سمات هذه القصائد حيث تشعرك بحضور الحاضر العفن- اليوميّ الرائع بكلّ عفونته، والذات تقف هناك على أعلى التلة تحتفي بهذه العفونة. يتجلّى هذا الغياب الحزين في تواجد الشاعر في قلب الحاضر:

مدعوكًا في رجّة الأرض

بتفاصيل لا تحدّها رعشات ثمل مثلي

عبر النافذة تتخاطر كائنات لا تقول شيئًا

ومع ذلك فالضجيج يتكور

وأنا كوّمت الليل في منفضة السجائر

هذا الحضور هو آية الغياب عن الوجود وعن الموجودات، كأن الذات لا تفعل شيئًا سوى أنها تصيح في وجه الموجود صياحًا مكتوم الصوت. من حالة الإنسان المؤلّه إلى حالة الإنسان المعرّى تمامًا إلاّ من جوهره، الذات ساقطة في عالَمٍ ساقط، ولا مجال للكذب والتجميل. وفي هذا السقوط على بشاعته وألمه نجدُ انسجامًا حقيقيًا لا مراوغةَ فيه. التعرّي- مجازًا- هنا هو شكلٌ من أشكال العَودة الى الوضع الجنينيّ البالغ:

في هذي اللحظة فكّرتُ أن أجيبَ على رسالةٍ وصلتني منذ عدّة أعوام

لكن أيّها الجدار العزيز لي أمنيةٌ أن أشمّ حليبك

أنتحي فيك زاوية وأنام

القارئ لقصائد هذه المجموعة يلمس تقاطعات سحريّة من التصوّف والفلسفة والواقعيّة والحقيقة والقهر المقموع والبكاء بصمت على خسارة ما، إنّه كلّ فضاء الشّاعر: اقتفاء أثر أعوامٍ مضت واختبار أثرها وما خلّفته من أسى في هذه النفس.

تكمنُ عبقريّة هذه المجموعة في هشاشتها، العبقريّة في قصّ القناع على مهلٍ وتحويل المشاعر الى كلماتٍ مهجورة من الذاكرة البعيدة القريبة تضاهي ألمَ الشاعر وخيبته وشعوره بالخسارة بجدارة.

الشعور بالخيبة من هذا الحضور يشيع في غالبية القصائد. هذه الخيبة تأتي على شكل لحظات اكتشاف او لحظات تجلّ تقفل بها القصيدة:

كل شيء اليف في الطريق

كل شيء اليف على السلّم

في زاوية ما اصطدم بالندوب

أو:

أيها العمر المستَلَب المسالم النزق العنيد

لا ابغضك

لا احفل بك

اركض فيك كل يوم

هناك حالة من مصالحة حزينة متناغمة مع الشعور بالانهيار والفقدان والخيبة، يصل هذا التناغم الى حدّ الشعور بطهارة وقداسة الخيبة. فالشاعر يرشق في وجه المارة ألمه. انّها لحظة تقديس الألم.

لا ارثيك بل ارثي الشوارع والساحات التي غادرتك

ارثي العابرين على الارصفة بوجوه مجعّدة

ارثي المأخوذين بأرباح اليوم،

المتورّمين في أحشاء الحانات.

أجمل ما في القصائد هو الشعور بالخيانة، هذه الذات العظيمة مهجورة ومتروكة كقطعة اللحم الشهيّة في ركن ما، تشعر بالزمن والفراغ والموجودات تخونها مرة تلو الاخرى. وبتعابير سوريالية تجعل من اللغة مادّة للتفكير، يدق الشاعر باب الغرائبيّ بنعومة ممزوجة بفظاظة البدويّ الذي يقتفي أثر نفسه في مرايا الرمل- الهروب من فراغ الموجود واللجوء الى فراغ الخيال المحكم الصنع عبر المجازات والتعابير الفضفاضة التي تعزز ثقة هذه الذات بالفراغ.

أيها الصديق، ماذا عرّش في مهبل اللحظة حتى قشّرتَ الوقت ورميته غير آسف”

أو:

“كلّما أصغيتُ إليكَ باعدني رفيف من ندم

يا بئرًا ولحاء يا عصف مصائر”

هناك حالة من شيوع العذاب اللذيذ، اليوميّ الأليم الرائع في ألمه، يعرّي قيم الشّاعر التي خاب ظنّها في العالَم واليوميّ. النّبش في الذاكرة الحاضرة الغائبة، الحوار اللامتناهي مع الذات المنتفية أساسًا عن نفسها وعما هو حولها، وتحويل دنس اليوميّ وسأمه الى المقدّس الذي لا يرتقي اليه شيء اخر. كلها لا تترك للقارىء فرصة الاستمتاع الغبيّ بالشعر ولغته دون الخوف مما يستتر من وراء هذه الشجرة الوارفة.

ترتكز غالبية قصائد هذه المجموعة على مركزة الذات- كعادة الشعر- في بقعة ضوء غرائبيّة اللون والمذاق- بعيدًا عمّا هو عاديّ- حيث تشعر بجلد الذات وتقبيلها وتقريعها وسلخها والتحامها بالموجود ويتمها وعزلتها، كل ذلك يجري في فلك الفراغ المدوّر والتعبير عنه عبر النحت والحفر اللغوي والقلب والتفجير والتعتيم ونهب المعاني و في القلق المتحوّل في معنى القصيدة.

يقدّم الشاعر في هذه المجموعة جسده على طبق من ذهب. انّه الجسد العاري الذي يتحوّل بفعل اللغة سوريالية المذاق، الى جسد المسيح الذي وهب حكمته للعالم وضحّى بجسده لينتصر العالَم هذه المرّة لخساراته وملله ووجوده المادح للفراغ.

*

شاعرة ومترجمة من فلسطين