الفصل السابع عشر

17

فجأة وجدت نفسي رهيّنةً، بعد أن تم اختطافي ونقلي من حديقة عظيمة الشأن بطيور وينابيع وبحيرات وجبال وشناشيل وحانات، إلى خيمة متهالكة الأوتاد تنتصب وسط رمال شاسعة على مدّ الأفق، يستريحُ تحتها ثلاثةٌ من الرجال:
ذو الخويصره التميمي. وكان جالساً على حصيرة قرب تنور مشتعل بنفط أسود.
تقي الدين أحمد ابن تيميه. وكان يجلس على كرسيّ مرتفع، وهو يُرقعُ ثوباً قديماً بين يديه.
وابن عبد الوهاب محمد. ورأيته يسندُ ظهرهُ إلى حجر أسود، وهو يداعبُ بمُسَبحِته ثعباناً، لم أر له مثيلاً حتى في أفلام السينما من قبل.
فيما شُبه لي الجليس الرابع بذلك الجنيّ المتخفي كما ظننتُ.
وإذا صحّتْ فكرتي عنه، فقد يكون شيطاناً من الجنّ، لا يُرى إلا عند الله، على الرغم من أنني تحسسّتُ وجوده المموّه بينهم، وذلك من خلال تلك الرائحة التي كانت تخرجُ من جسمه، خروج ريح من بطن جحش نافق.
لا فضل لأحد على أحد في تلك الحديقة، ولا مجد لأحد في هذه الصحراء السوداء، إلا للرجال الثلاثة، ورابعهم الجنيّ ذو العصا الرفيعة التي كان ممسكاً بها بكفه، ولم تتوقف من كثرة ما كان يخطّ بها من كلمات ورسوم ورموز على صفحات تلك الرمال التي كانت الشمسُ تجري بين مسامها جريان النار في البنزين.
أدركت بالفطرة، بأن وجودي في ذلك المكان، ما كان ليتمّ لولا هدف واحد ووحيد: التحقق من صحة وجود النصف الفارغ الآخر من الدين.
وكيف لم يمتلئ كأسي بعد؟!
لم أستطع الظن بغير ذلك. فأنا أقف هنا تحت هذه التهمة فقط لا غير.
هذا ما اعتقدته حالماً وفي اليقظة أيضاً. فالأحلام صناديق سوداء تمتلئ بنا، وليس العكس.
هذا ليس تراثاً للطبيب الشهير سيغموند فرويد أو بعض علماء السيكولوجيات، ولكنه تراث النفس الضاّلة المتشردة التي تجد نفسها كل يوم داخل صندوق من تلك الصناديق. وهناك تلتقي بما يشبهها من كائنات وبما يخالفها من مخلوقات.
أليست الأحلام قائمة على تصورات خارج قواعد العقل والمنطق؟
فما من حالم، وإلا ويجد نفسه في طرد أسود، يتنقل من مكان لآخر بالبريد السماوي المنقول بواسطة الشياطين والجنّ والمردّة، ممن ينفخون تجاربهم في أرواح الناس، ليكون كل مخلوق على شاكلة ساكنه السلبي أو الايجابي على حدّ سواء. فما من ثابت في النفس المتعددة المنشطرة الانفصامية بطبيعتها الجينية، إلا ويتحول إلى نقيضه في لحظة ما، فيصبح الايجابي من جماعة السالب، ويتحول الموجب إلى نقيضه تماماً على حد معرفتي البسيطة.
• كيف وصلت إلى هنا أيها الشاب؟
سألني ذو الخويصرة التميمي، وكانت كفهُ ملتصقة بمنخاره لصدّ الرمل المتطاير.
• لم آتِ إلى هنا بقرار مني، إنما اختطفتني ريحٌ سوداء، لأكون رهينةً بينكم .
(أجبته ببرودة أعصاب )
• قل إن من جاء بك إلى صحراء ( نجد) هو فاعلُ خير، وسيكون قيّماً عليك في هذه الدنيا وفي الآخرة أيضاً.
(صاح بي ابن تيميه وكأن ناراً ألهبت دماغه بشكل مفاجئ)
• ولكنني لا أتقن فنون قطاع الطرق بالقتل وبالنصب وبسلب أملاك العابرين إلى ديار الحجاز. فكيف ترون فائدةً بمن هو مثلي؟!
• لا أحد فوق استحلال الأعراب النجديين لدم كل عابر في قوافل الحجاج. نحن وُجِدنا من أجل تطهير طريق مكة من أتباع المذاهب الضاّلة، مهما كانت حِراسة الجيوش شديدة لتلك القوافل العابرة.
(قال ابن عبد الوهاب عابساً )
• وهل يصحُ ما ذهبَ به قولُ ابن خلدون بكم في مقدمته الشهيرة: أن الأعراب هم أسرع الناس للخراب، وأنهم يحتاجون إلى دعوة دينية يستطيعون من خلالها استحلال الدماء والأموال والأعراض وإسباغ الشرعية على ثوراتهم واعتدائهم؟
• لا تذكر على مسامعنا اسماً لكافر من أمثال ابن خلدون اللعين. تلك حماقة لا يرتكبها إلا المخطئون بفهم غزوات الأعراب.
(صاح ذو الخويصرة مهموماً)
• لم يكن لي عهد بغزوات أيام زمان، ولكن الكتب هي من تسردُ الحقائق عن هذه الصحراء التي خرج من باطنها (سهل حنيفة) مسيلمة الكذّاب وتحالفت معه (سجاح التميمية)، وهو المكان ذاته الذي خرج من رحمها حليفكم محمد بن عبد الوهاب فيما بعد.
• وماذا ترى أنت في ذلك. . شراً أم خيراً؟ (سألني ابن تيميه مكفهراً )
• لا أرى إلا ما تراه أنت في الأفاعي.
(قلت له ذلك بصوت عالٍ) فصرخ بي وهو يرمي ذلك الثوب في الهواء قبل أن يكمل ترقيعهُ صارخاً بعنف:
• وحق من جعل الشيطان ملاكاً متقدماً، ووضع فيه جرأة تماسيح المستنقعات، لأجعل جسمك خُرْدة عظام لن تصمد برهةً في تنور عظيم من نيران البترول.
(فسألتهُ ضاحكاً بتهكم):
• ولكن أحدكم لا يملك عود ثقاب في هذه الصحراء. فكيف تتوعدون الناس بعقاب وتحنثون؟
• ولكن معنا الشيطان ربيباً لنا في هذا المكان وسواه؟ (أجاب ذو الخويصرة ضاحكاً منتفخ الأوداج) فسألته:
• ولكنني لا أراه .أنه يحركُ بعصاه على هذي الرمال .كأنه هامدٌ أثقلته ثمالةُ الرياح السموم، فلا يقدر من هول خمرتها أن يستفيق!
• ما تركنا عند أحد شَكاً في قوة ربيبنا ولو للحظة. هذا المضطجع الذي لا تراه بيننا، قد تنظره مارداً، يزيح رمال كل هذه الصحراء عن عينيه فيما لو استيقظ فجأةً. (أجاب ابن عبد الوهاب مفتخراً)
• كيف تضعون ثقتكم بالشيطان، وهو مخالف لله وعاصيّاً لطاعته؟ (سألتُ )
• هو مخالف لله وليس لنا.
(رَدّ ابن عبد الوهاب مكفهراً والزبد يملأ فمه. فأضفت على كلامه تهمةً):
• لذلك لم يجد عبادُ الله فيكَ أهلاً للتوحيد الخالص كما تدعيّ. فأنت الأقرب لأهل السيف. ودارُك دارُ قتل وشِرْك وفتن.
• نحن الفرقة الوحيدة الناجية على هذه الأرض. (رَدّ ابن عبد الوهاب. فعلقت على كلامه ساخراً: )
• أجل والله. ففيما قلته لصواب. فبعد أن ينفق المسلمون ذبحاً بسيوفكم، لن يبقى من ناجٍ في خرائب الدنيا بعدها سواكم.
• غطى الله وجهك بجهنم أيها الكافر.
(صرخ بي ابن عبد الوهاب، بعد أن ألقى بوجهي حفنةً من رمل كادت أن تذهبَ بجسدي خنقاً ).
لم أستمر بالبقاء طويلاً تحت الرمال التي حاول ابن عبد الوهاب دفني تحتها، فقد نفضتها عن وجهي وجسمي، لأجد نفسي بعد عملية الاختطاف في تلك الرؤية المزعجة تائهاً في شارع مجهول.
لا أعرف من دسّ حبوب الهلوسة بشراب الشاي، وقت احتجازنا بذلك الكهف اللعين الذي كان يسيطر عليه مسلحو (أحرار الشام) !!
المهم أن أعصابي تخلّصت من مفعول تلك الرؤية المخيفة التي سبق لي وأن عشتها في أثناء ذلك الموقف الطارئ الذي جمعني بالرجال الثلاثة ورابعهم الجنيّ.
وجدتُ نفسي جالساً على الرصيف، وأنا أتأمل المارّة في عرض الشارع، لَعَلّي ألتقط شخصاً أعرفه، فيخرجني من وضعي الجديد.
يا إلهي. كانت البراميل تنزلُ من السماء، وكان المسلحون مع الناس يتدافعون للخروج من المنازل والأسواق والمساجد التي لم تعد تجد عند الحكومة صدى دينياً، بفعل سيطرة المقاتلين عليها، واستعمالاتهم لها كمستودعات للأسلحة والعتاد والتموين.
البراميل أسلحة قَذُرة، مقابل قَذارة حرب تقطيع الرؤوس.
كلّ شيء ينتجُ ما يعادلهُ في القذارة، ويوازيه بالجريمة. ثمن الصواريخ باهظة. والإرهابيون القادمون من أصقاع الأرض، سعرهم عند الحكومة بسعر البصل، أو أقل بكثير، بعد أن رفعت الحربُ أسعار الخضروات إلى مستوى أسعار مساحيق الماكياج.
الدولة المرهقة في المال والاقتصاد والصحة والتعليم والثقافة والفن، اختارت البراميل الرخيصة، ربما لأنها تحاول إدامة تموين الحرب، فتدخر البارود لمعارك السنوات القادمة. ولكلّ ميت سعرٌ.
لا أحد يعلم متى توشك الحرب على وضع الأوزار.
كل الخبراء الاستراتيجيين فشلوا في معرفة الحرب، كما سيفشلون بتحديد نهاياتها، فسوريا مقبوض على تاريخها، لتعود إلى القرون الوسطى.
لا أحد في مدن الشمال السوري ولا الجنوب، يمكنه التحدث بأخلاق الحرب أو ما شابه،خاصةً بعدما بات حلم المواطن الوحيد أن يموت في الشام أو حلب أو حمص أو في أي مكان من مدن الشمال والشرق والغرب والساحل ميتة عادية، مثل أيام زمان. ذلك ليس كابوساً عابراً، بل هو الحلم الاستراتيجي الذي دق أضخم المسامير الأسطورية، ليس بأخشاب التوابيت، بل بلحوم الجثث التي حرمَها الموت الجديد من النعوش والجنازات ومراسم الحداد.
كأن الناس تمشي بأقدامها إلى موتها، لتخفف من أعباء أجور الدفن، بعد أن أصبحت كل الأمكنة صالحة للدفن.
ما من صوت لميت أو لشخص مقبل على الموت. وما من حشرجات لرؤوس تلعب بها الأقدام مثل كرات القدم في الشوارع.
كل واحد يذهب إلى مصيره كشاة أصابها العمى، وتستطيع المشي إلى المسلخ دون حبل أو قائد جزارة. وأن تترحم الناس على نعومة الموت في قديم الزمان السوري. الحرب غير مختصرة بالرصاص ولا بنوع السلاح ولا بالمرض ولا بالرغيف المحروق ولا بالأجساد التي تُترك للكلاب على موائد الشوارع.بل لأنها اختصار للعقل الذي خسر المنطق، مثلما لا يتسق المنطقُ مع الحرب، ولو بمعنى واحد.
فكيف إذا كانت الحرب عاهرة في سرير، ويحيط بها أخطر الوحوش الدوليين ضراوةً وعنفاً وميلاً لسفك الشهوات في الدم والحجر والأحلام واللغة؟
لم أر وجه الشخص الذي التقطني من ياقة قميصي من الخلف، ليسحبني على الفور إلى داخل ذلك المبنى المهدّم.
كان ملثماً بقناع أسود عليه عبارة (لا إله إلا الله ).
عندما أصبحت داخل المبنى، اكتشفت أن الذي فعل بي ذلك هو أحد الحراس من جماعة (أحرار الشام) ممن جاؤوا بي وبزبيدة إلى هذا المكان من أجل التربص بمواقع داعش، والاندساس بين مقاتليها من أجل الوصول إلى البنت ( دفلى) التي كانت محتجزة في المقر العام لجماعة الدولة الإسلامية في العراق والشام الموجود (في حي الإنذارات) داخل مدينة حلب.
أدركت بأن مجرد التفكير بالوصول إلى هناك، هي خطوة أولى نحو الهلاك بقطع الرأس. فلا وجود لثقافة مثل ثقافة قطع الرؤوس بين الجماعات الإسلامية، أو بينها وبين مختلف الطوائف السورية.
بروز ثقافة مثل تلك، لا تحتاج إلى مراجع فلسفية وقوانين وضعية وأدوات تقنية مكلفة.
أنها ثقافة الساطور الذي لا يقرأ ولا يكتب ولا يرى ولا ينطق ولا يشم ولا يسمع، لأن حديدهُ يستعينُ بيد القاتل وحسب، لذلك ينفذ السيف أو الساطورُ كل تلك الأفعال عن المجاهد بالوكالة، قراءةً وكتابةً وسمعاً ونظراً وشمّاً ونطقاً.
فكلّ كفٍ جامعٌ لرنين الموت. وكأن أصابع اليد أصبحت مختصةً بالذبح وتأليف سلالم الرعب الموسيقية.
البرابرة والهولاكيون والفايكنغ فعلوا ذلك من قبل، فكانوا من أوائل مهندسي التراث القاتل والمميت في التاريخ الغابر.
ثمة لذّة بمسك الساطور. وهي تتجدد على الدوام. أي إنها تغذّت على الدم، وليس بمقدور فلزات الحديد الصيام عنه، كلما وجدت الحاجة لذلك. وإذا كان الساطور ضمير القاتل، فأنه عادةً ما يتحرك في مجرى التاريخ، ويبثُ نسخاً من أعماله للنشر.
لا أدري كيف حصل المسلحون على تلك المعلومة التي تفيد بوجود دفلى في ذلك المكان !!
لكن عميلاً من (لواء التوحيد) باعها بمبلغ من المال وهربَ.
• قل للملاكين الذين جئت إلينا بهما، أن يأتيانا برفاقهم وينزلوا معنا إلى المعركة يا شيخ فليفل.
صرخ به ( أبو محجن الجنابي ) قائد من داعش وهو يرتدي الحزام الناسف تحت وقع القصف الذي كان يتعرض له مقره في حي الإنذارات.
• كلما حاولنا الاتصال ينقطع الخط يا سيدي. (يردُّ الشيخ عمرو- فليفل- مرتعداً)
لماذا؟
هل موبايلات السماء معطلة، أم أن الله عطلَّ الشبكة العنكبوتية هناك، فحال دون هذين الملاكين الذين أتيتنا بهم مفاوضاً من أجل أن تجلس على إمارة من إمارات دولة الإسلام في العراق والشام؟
(صاح به القائد متهكماً)
فردّ فليفل بذعر قائلاً:
• يبدو خذلان السماء لنا بات واضحاً في هذه اللحظة الحرجة. لا أعرف لمَ يحدث ذلك؟
• ولكنك وعدتنا مرتين وكذبت أيها الشيخ السافل. وعَدتنا بمشاركة الجنّ بالقتال إلى جانبنا ولم يحصل. ووعدتنا بأساطير دفلى، وبقدرتها على تصنيع ما ينقص مقاتلينا من أعضاء بشرية، ولم يحدث ذلك أيضاً !!
فالفتاة لم تستطع صنع أصبع صغير أو قطعة غيار لمعاق فقد ساقه في باب الهوى أو الرقة.
وها هي تحبس نفسها في المختبر الذي جهزّناه لها في المستشفى الذي استولت عليه قواتنا، دون أن تتوصل إلى نتيجة.
(يردُّ عليه القائد أبو محجن الجنابي موبخاً وهو يبصق بوجهه)
• أرجو منك السماح يا سيدي القائد. يبدو أن دفلى فتاة لعوّب، فبدلاً من أن تقوم بعملها في صنع الأعضاء البشرية، لكل من يخسر من جسمه قطعة في هذه الحرب، أصبحت غارقة بالغرام وتحلم ليل نهار بصديقها القديم طارق.
هذا ما اكتشفته مؤخراً يا سيدي القائد. فهي لا تريد أن تعمل إلا تحت إمرته بالضبط. أنهما يتصلان ببعضهما دون أن أعرف كيف!
• العاهرة. (صرخ أبو محجن الجنابي وهو يضرب ببسطاره باب الغرفة بقوة).
• وأين تكون تلك البنت الآن؟
(سأل أبو محجن الجنابي مضيفاً ،وهو يتصبب عرقاً، رغم برودة الطقس في كانون الثاني. )
• أخذها أحدهم إلى أحد أسواق حلب، ربما من أجل شراء بعض الأعشاب.
• لم تنفعنا بشيء يا فليفل. كنت تبحث عن مجد يليق بك وحدك. حملت إلينا حريمك الأربعة، ووزعت لحومهنّ على المقاتلين، علماً أن هؤلاء المتوحشين يستطيعون التمتع بكل ثقب يجدونه أمامهم. بل ويقدرون على إدخال أعضائهم الجنسية والقذف في مواسير البنادق أو في فوهات الراجمات.
بعبارة أدق، جئتنا قواداً لأربع نساء، ابتلين برجل قَذر مثلك.
كذلك يا فليفل، حاولت النصب علينا باثنين من الملائكة المنشقين عن جيوش الله النظامية، فشرحت عن دور استراتيجي سيكون لهما بدعم داعش. فخسرنا مقاتلين لنا في باب الهوى وتل أبيض وريف أدلب وهنا وهناك، دون أن يحضر ولو دزينة من الجنّ للقتال إلى جانبنا.
وأخيراً كانت دفلى. البنت الأسطورية التي أقمت من أجلها الدنيا، وأنت تروّج لقدراتها الإلهية بين مقاتلينا.
أتعرف أن قواداً ومُفْترياً وكذّاباً مثلك، لا يليق به إلا القطع.
• لن تقطع رأسي. وإن أمسكت بساطور بهذه اليد، ورأسي باليد الأخرى، فسيشبه لك بأنك فصلت رأسي عن جسمي!!
صرخ الشيخ فليفل متفلسفاً بتلك العبارات. لكن لمعان الساطور بيد الجنابي، جعل أنظار الجميع زائغة في تلك اللحظات. .
وبدل أن يتدحرج رأس فليفل على الأرض كالكرة، شوهد ساطور القائد أبو محجن الجنابي وهو يقع بين فخذيه أرضاً، مخترقاً سرواله الفضفاض.
تلك السقطة ،كانت نكسة له بحق. لذلك حاول تلافيها ضاحكاً، وهو يخرج من غرفته لاستطلاع حركة القصف التي كانت تشتد بعنف لا مثيل له من قبل.
“اليوم ساطور الإسلام. . وغداً ماخور الجـ. . . ”
لفظ أبو محجن الجنابي تلك الجملة، ولكن دون أن يتمكن من إكمالها، بعد أن نالت جبينه طلقةُ قناص، ليسقط كالثور الاسباني مثقوب الجمجمة ومخضبّاً بدمه.
سقوط رأس الجنابي بالرصاص، وبقاء رأس الشيخ فليفل مرفرعاً فوق كتفيه، يُعدّ إنذاراً ربانياً كما أعتقد البعض. فيما اعتبر البعض الآخر من المسلحين ذلك المقتل المفاجئ بمثابة علامة سيئة.
وما بين شدّ وجَذب وتراخٍ وانهيار وتعب وكفر بالدين وبالأسلحة والأفكار والقادة، سُحبتْ جثة الجنابي من على السطح إلى غرفة داخلية، فيما اهتم مقاتلون آخرون بالتحقيق مع مرافق أبي محجن الجنابي، والضغط عليه، تحت ضرورة أن يتذكر بقية حروف الكلمة الأخيرة التي لفظها الجنابي، وما إذا كانت تكملة حروفها الثلاثة، توصلنا إلى مقصد الجنة أم الجحيم؟!!
لم يَردّ ذلك المرافق قط، فقد عرف لاحقاً، انه كان مصاباً هو الآخر بطلق غير ظاهر في عموده الفقري. لذلك لم يكتمل التحقيق معه، فقد بَلَع لسانه ومات دون أن يفصح عن شيء يخصّ جملة معلمه الجنابي، تاركاً سرّ ذلك لبندقية القنص sr-99 الإسرائيلية التي كانت بحوزته على سطح مبنى مقر داعش. فربما تكون تلك البندقية المتطورة تكنولوجياً،قد سجلت للجنابي كامل جملته من ذلك الكلام الوسخ. “اليوم ساطور الإسلام. . وغداً ماخور الجـ. . . نة ” كما يفهم من السياق.

هوامش:
كانت الأخبار تتولى من الساحات والمدن والقرى. مثلما كانت الأموال والأسلحة والمقاتلون تتواصل بالتدفق عبر مختلف البوابات ومختلف الطرق.
الدولة الإسلامية هذه المرّة دجاجة، تحاول كل جماعة دفعها نحو القن الخاص بها، للقبض عليها، واحالتها إلى شوايات الغاز أو إلى النيران الجهنمية التي اجتمعت هذه المرة في فرن ما يُسمى بـ (الجبهة الإسلامية).
الجميع هنا من صُناع النار. جماعات تتشكل. وجماعات تختفي. جماعات تتحد. وجماعات تنشق. جماعات تقبض من قطر وجماعات تقبض من السعودية. حماعات أتت متأخرة عن القبض، وأول ما فعلته هو أن تدير ظهرها لجيش الحكومة، فتفتح النار على الجبهات القابضة، ليُدفع لها وتكون ضمن دفاتر الشيكات. كل جماعة فمٌ للالتهام فقط.
وكل الذين كانوا يتحدثون عن أكل الكعكة أو تقاسمها، يجتمعون الآن أمام جثة على طاولة، وكلٌ بيده ساطوره، ويحاول أن يرسم حدود لقمته، فيهجم ليأكل الآخر بلحمه وبعظمه وبالحديد الذي يغلف به أنيابه ورحاه.
المائدة مزدحمة بأكلة لحوم البشر.
هذه المرة لا وجود لقالب كاتو أو كعكة. وهذه المرة أيضاً، لا سلام عابر على إسلام يحاول التمترس في الأرواح، فيُكرس القتل كعلامة بارزة في النشاط المذهبي .
فالمسلم ذئب. والمسلم غنمه. والمسلم فاشي. والمسلم ساطوري. والمسلم ديناميتي مغرم باختراع ديناميت الكافر نوبل، اشدّ تيتماً وغراماً من روميو بجوليت. والمسلم مسطح. والمسلم غير ناجٍ لا من جهنم الأرض ولا من جهنم السماء. والمسلم ناقص عقل وناقص قصة وناقص مونتاج، عندما يقطّعهُ المنتجون أخباراً وسينما ومسلسلات، فيوزعون صورته كمقاتل وكمغرم وحيد بالتفجيرات على هذه الكرة، التي ربما لن يسكن أراضيها مستقبلاً سوى قادة السواطير براياتهم السوداء وذقونهم التي تعشش تحتها جيوش من النمل والخفافيش بأرحامها المستوعبة للمدّ المنوي، خاصة وأن النكاح الجهادي، قد أفرز حالة إسلامية حداثوية، فاقت بتطورها أعرق الأعمال الجنسية والفلسفات الإباحية الأوروبية والغربية بالعموم.
فأممية الجنس، تتجاوز القواعد الشرعية الخاصة بالمثنى والثلاث والرباع التي ما تزال تهدرُ في أذهان المرجعيات الإسلامية المعاصرة صاحبة الفتاوى.
قبل دخولنا إلى ذلك المقر الخاص بجماعة داعش، رأينا النيران تشتعل في بعض مرافقه. قلت في نفسي: (ها هي دولة إسلام العراق والشام تحترق).
جثث متفحمة متناثرة لأسرى وجنود وصحافيين وناس عزل جرى التخلص من حياتهم على وقع ضربات الذئاب المهاجمة بسرعة.
كنتُ أنظر من بعيد وأصرخ في نفسي، كلما تأخرت عن الهرب مع المسلحين الذين كانوا يفرّون بجلودهم من المقر المحترق. لكن دفلى لم تخرج من هناك. لقد دخل الغزاة الجدد من جماعات “الجبهة الإسلامية” مقر داعش، ليفرضوا الإسلام على الكافرين والخوارج، ممن كانوا ينتشون بآيات القرآن الهجومية القاتلة للمشركين من تاركي الصلاة، ويتلذذون بأحاديث الرسول، مبشرين الشعوب الضاّلة بجهنم العظيمة.
هناك إسلام ما بين كل جماعة وجماعة. إسلام مَرضي عنه عند أهل داعش، ولكنه غير مرغوب به عند أحرار الشام أو صقور الشمال. كل طرف يجرّ الدين إليه، ليكون أميراً للمؤمنين، فيما الإسلام المُستَعمل في كل جبهات القتال، ليس غير ثوب تمزق من كثرة الشدّ والعراك.
“ما الذي سيفعلونه بك يا رسول الله، لو نزلت هنا في حلب أو في الأتارب أو الرقة أو داريا أو بابا عمر الحمصي؟
أتعتقد بأن داعش والنصرة تتفق عليك نبياً، أم تتسارع مدافعهم، فينتزعون منك النُّبُوَّةَ تحت تهديد السلاح، وآنذاك يصعب الاختيار ما بين أن تتخلى عنها لأمير داعش أم لآخر من كتائب الجبهة الإسلامية؟
علماً أن أكثر من جماعة تحمل اسمك، وتقاتل تحت رايتك وتوقيعك الأول.
كل رصاصة تدخل لحماً، تُرفق بصيحة “اسم الله” وكأنها من أجل أن تُكمل الموت بالضربة القاتلة. فالجماعات لا تقتل قبل التكبير، لأنها التزمت الجوانب الشرعية بكل ميتة، كسباً لرضا الله ورسوله.
الجماعات مخلصة وتنبذ كل ما يناقض الدين. فواحدهم لا يدخل لحماً لامرأة من نساء النكاح الجهادي، قبل أن يشبعها بعشرين “الله أكبر” أو بأكثر من ذلك العدد، فيما لو كانت المرأة جميلة بعض الشيء.
كل شيء عند هؤلاء بسعره. فعبارة “الله أكبر” صارت ماركة إسلامية مسجلة للقتل العشوائي. وصار التكبير على الألسن مهزلةٌ للكوميديا .
وكلما بلغت شهوة سفك الدم السقف في قلب المحارب، كان الإيمان واسعاً.
كذلك هي شهوات المؤمنين للحوم ناقصات العقل من العَوْرَات، لا تكون مطابقة لمواصفات الشريعة، إلا بقدر ما يضخه المؤمن من ماء نجاسته في تلك الأرحام النسائية.
لا أعرف بالضبط ما الذي سيحدث لو حضرت إلى هنا. هل سيساعدك الربُ، فتنفخ بأرواحهم ريحاً تطردُ منها الشياطين وجبال الكراهية المتعددة الجنسيات، فتضع الحروب أوزارها؟
ولكن من سيعيد الرؤوس ثانيةً إلى الرقاب، فتقف ثانية على أكتاف أصحابها؟
أنا ضائع مع بقية الشعوب يا رسول الله، وأبحث عن بلسم، يستطيع تنويم حديد السواطير في ذهني ولو قليلاً.
قُلْ لربّك يا رسول الله أن ينزل علينا من لدنّه أطناناً من العقاقير لقتل الحديد أو تخريب مفعول الفلزات التي تُصنع منها السيوف والسواطير والأسلحة عند أمراء الإسلام.
فإسلام الله المعمول به على الأرض الآن، مثل قبةٍ، تفوّر من تحتها دماء لا تنتهي.
من يساعد العباد على تصحيح مجرى الحرب في مجرى المخ الموضوع تحت القحف، وملايين الأسهم تنهالُ عليه من كُلِّ حَدَبٍ وَصَوْبٍ!
وإذا كانت كل تلك الجماعات، تريد العودة بنا للسلف، وعقل السلف. وأدوات السلف ومنازل الأسلاف، فلماذا يُثبت أمراء الإسلام السلفيين مواقعهم في ميادين الموت، باستخدام كل منتجات الحداثة من ديناميت وأسلحة متطورة، وكلها من صناعة الكفرة في الغرب اللعين؟!!”
شعرتُ بأنني كتبت على الورق رسالةً بكل ما ورد في مشهد من هذه الرواية، وسلمتها للرسول الذي عاد ليرى أي خراب حلّ بأمته.
كانت لحظة حرجة.
حلب ترتعدُ من هوّل القصف وغيوم البارود الذي يغطي سماء المدينة.
وأشدّ من ذلك، هو ما فعله مسلح ذو لحية صفراء، عندما هجمَ على زبيدة، واضعاً يده على رأسها وهو يصرخ “الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر” ليقوم بعد ذلك بسحبها من يدها “أمةً” تحت تهديد السلاح، معلناً أحقيته بزواجها من سواه من الذئاب.
فعل أبو اللحية الصفراء ذلك بالاعتماد على تشريعات وفتاوى، تمنح المقاتلين سبي نساء الكفرة وأهل الذمّة في كل بلاد يفوزون بإراقة دم شعبها.
إلا أنه لم يتمكن من الاحتفاظ بها طويلاً، إذ سرعان ما تلقى الاثنان رشقات من رشاش عظيم، أسقطهما في عرض الشارع .ولم تسلم من القتل زبيدة أيضاً،فقد سقطت ممزقة الثياب واللحم أرضاً . ولم أتمكن من إنقاذها وسط المدافع والراجمات وبراميل البارود.نزفت وماتت.
فركضتُ وحيداً من الشارع العام إلى زقاق لا علم لي باسمه، ولا إلى أي جهة يأخذ السائر عليه. كنت مذعوراً بقدر غير معقول من ذلك الخوف الذي كانت تبثهُ الأسلحة في النفوس.
حتى دفلى التي نجت بخروجها من مقر داعش، بذريعة البحث عن بعض الأعشاب الطبية، لاستكمال مهماتها التي أوهمت بها قائد المسلحين، لا علم لي بمصيرها في هذه المدينة التي كَسَروا فيها حنجرة صباح فخري، ليستعيضوا عن قدود حلب بأصوات الراجمات.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص أو أكثر‏‏
لا يتوفر نص بديل تلقائي.