عندما بلغ الأديب اللبناني (ميخائيل نعيمة) عامه السبعين أحتفى به على طريقته الخاصة وذلك بتدوين سيرة حياته في كتاب أطلق عليه (سبعون) وقد وقع في ثلاثة أجزاء ، وكذلك احتفيَ بالشاعر الكركوكي (صلاح فائق) عندما بلغ نفس هذا العمر، أحتفى به أصدقاؤه بلندن وعلى رأسهم الشاعر (نوري الجراح) أقاموا له أمسية وحيّوه بأشعارهم وكلماتهم الماتعة .
يأتي (صلاح فائق) في آخر سلالم جماعة كركوك عمرياً فهو الأصغر بالنسبة الى الصحب حيث صادف تولده عام 1945 فهو أصغر من (سركون بولص) بعام ومن (جان دمو) بعامين وتتسكع في رأسي مقولة الراحل (أنور الغساني) عن صلاح مفادها أنه بعناده ودأبه أستطاع أن يشق طريقه في براري الشعر .
عرفت (جان دمو) أولاً وعن طريقه تعرفت بقية الصَّحْب في مقاهي كركوك ومكتباتها وكذلك في بيوت الأصدقاء الذين كنا نلتقيهم ونصغي الى أشعارهم وقصصهم وفي آخر الجلسات كان النقاش يعلو ويحتدم ولا تهدأ الألسنة إلا بتقدم ساعات الليل ولا بد من المغادرة وفراقهم ولكن الشوق يبقى يحثنا الى لقاء متجدد وانتظار ليل آخر لعناق القصائد التي كانت تأخذنا صوب الجزر البعيدات .
تعمقت العلاقة بيننا نحن الثلاثة : صلاح، جان ، وأنا وتعودنا أن نلتقي يومياً ببعضنا متأبطين كتبنا الخوالد ، في الأغلب نذهب الى مقهى المجيدية وهناك نجالس (مؤيد الراوي) ونعرض عليه ما حبرنا من مقاطع شعرية ومن الطبيعي تقويمه لتلك المقاطع له وقعه الكبير لدينا (مؤيد) تولده 1939 وعمل في سلك التعليم إلا أنه فصل منه بعد انقلاب 8 شباط ، شيء آخر عندما كنا نلتقي تعودنا أن نكتب قصائد مشتركة وعند اتمامها كنا ندفعها الى بعض اصحابنا التشكيليين يستلهمونها تخطيطات جميلة إلا أن المقاطع وتخطيطاتها ضاعتا في زحامات الايام المتراكمة .
بدءاً طفق صلاح يكتب الشعر والقصة فكركوك هاتيك الأيام كانت مشغلاً نشيطاً في كتابة وانتاج القصص حيث هناك اساتذتها الأولون يأتي في المقدمة : جليل القيسي ثم يوسف الحيدري وقحطان الهرمزي فسركون بولص إلا أن صلاح بمرور الأيام طلّق هذا الجنس الكتابي وأمسك بزمام الشعر وبمطالعاته الدائبة وتجاربه الحياتية الخصبة صقل موهبته وغدا يمتلك أدواته الفنية، وما يتعلق بجلسات الاصحاب كان دائماً يصل متأخراً وقد بللته أمطار الشتاء والجدير بالذكر يأتينا على ظهر دراجته وهو الثاني في الجماعة يمتلك هذا النوع من وسائط النقل ، سركون بولص هو الآخر اقتنى دراجته وطاف بها طرقات المدينة ، وكثيراً ما صرح (صلاح) بأنه يترك فلبين ويقصد مدينته كركوك على ظهر دراجته وخرجنا نحن صحبه الى مشارف المدينة من اجل استقباله إلا اننا حصدنا السراب ووجدنا له الاعذار المناسبة بانه مشغول مع دِبابه الوادعات او سناجبه الأليفات وربما ألهاه كلبه بعد أن أخرجه الى سواحل المحيط للارتياض .
عمل (صلاح) في محلات والده الكائنة في شارع الاوقاف ووجدته يعمل أيضاً عجاناً في مخبز ويحكي بشغف اخبار وحكايات زملائه الخبازين وكنا نربط تلك الحكايات والمرويات بقصة للروسي (مكسيم غوركي) حول نفس الاجواء واعني العاملين في المخابز الليلية، ثم تخلى عن الدوام الصباحي في مدرسته وسجل نفسه في احدى الثانويات المسائية كان في الرابع او الخامس الاعدادي ، ثم علمت انه سيقَ الى التجنيد في الوقت الذي انتقل الى بغداد عمل في مخزن حمل اسم (الكمالي) يقع في فرع سينما الخيام يقابل مقهى (سمر) المعروف بتردد الأدباء والمتأدبين والطلاب الجامعيين عليه ولا أنسى كيف أنه اقتحم المقهى محتضناً كماناً قديمة مع قوسها يروم عزف مقطوعة لم تسمع بعد واوقع جمهور المقهى في هرج ضاحك وصاخب .
في مطلع عام 1975 جاءني الى البيت واخبرني بأنه حصل على جواز سفره ويريد الانطلاق الى دمشق ومنها يتهيأ للرحيل الى لندن وهكذا وعلى جناح السرعة ركب غيمة أشواقهِ وحلَّ في بلاد الشام وبمجرد حلول العطلة الصيفية تواصلت معه هناك وأنا في طريقي الى القاهرة قضينا أياماً جميلة برفقته ودرنا في شوارع دمشق وحواريها وسكرنا بضوعات النيلوفر والياسمين الفواحة من حدائق بيوتاتها القديمة ، كان ديوان (صلاح) الاول والمعنون بـ(رهائن) قد صدر من اتحاد الكتاب العرب وقد زودني بعدة نسخ حملتها معي الى مصر ومنها نسخة مهداة الى (رجاء النقاش) أخذتها اليه في دار الهلال التي كان يعمل فيها. تقول الشاعرة والاعلامية (لمياء المقدم) أن “كل ما يلمسه صلاح فائق يتحول الى شعر، كل ما يمر به يتحول الى شهر” .
فكل شيء لديه يصلح ان يكون موضوعاً شعرياً من الجماد والكائنات الحية والدويبات الصغيرة ، أشياء كبيرة وأشياء صغيرة ، بشر وطيور ودواب أمراء ومهمشون، مغامرون يهبطون من قصص الف ليلة وليلة ، اكواب وملابس بالات وتماثيل يمنحها انفاسه الشعرية واذا هي تدب وتنبض وتبرق شعراً واثارة وغرائبيات يقول صلاح:
” ذهبت في الصباحِ الى مدينة قريبة/ أملاً أن أعثر على الصيفِ هناك، لكني/ وجدت أمام سينما تمثالاً يشتري معطفاً/ من جندي طردوه من جيش/ لم أسأل السبب”
بهذه الكلمات البسيطة خلق فضاءً غرائبياً وترك هناك تمثالاً تَدبُّ فيه الحياة ويتحرك ليقايض جندياً على معطفه لأنه يروم من وراء ذلك الحصول على نقود ليشتري تذكرة دخول الى صالة السينما .
صلاح فائق عندما غادر كركوك ، فهرسَها في دفاتره وفهرس جسورها وطرقاتها وبساتينها وقلعتها ونهرها العجائبي فهو يعود إليها احياناً فيغرف من ذاكرته المفعمة بصورها ثم يلمس بمهارة العالم الخميائي يمنحها اكسير الحياة نافخاً فيها فاذا هي تتراقص وتتماوج يعيد الحركة الى اسواقها وفيها يلتقي البصير (هوميروس) وهو يبيع المناديل ومن أشعاره الملقاة (تنبجس صيحات ضحايا وأنين حيوانات جريحة ) ويحدثنا عن كركوك ..
“ذهبتُ لأرى مدينتي لآخر مرة/ لم يكن سفري سهلاً/ حين وصلت لم تكن مدينتي هناك/ فتحت صناديق حيواناتي المحنطة ، بعثرتها/ أمام طواحين مهدمة وحول محطة قطارات/ ثم افرغت اكياس كتبي ووزعتها على خرائب قلعة قديمة ”
يستعيد الشاعر صورة كركوك التي احتفظ بها في ذاكرته فمشهد الطواحين التي كانت تدار بالمياه ومشهد القلعة وبيوتاتها المهدمة هي بعض من الصور التي اكتنزت في ذاكرته وهي النبع الدفاق الذي يستقي منه العديد من ثيمات قصائدهِ وبمهارتهِ ومخيالهِ الخصب يضفي عليها حركة ديناميكية وتماوجاً مدهشاً لا يسع المرء إلا ذواقها واطراءها. (صلاح فائق) من اليوم الذي اكتشف الشعر يتدفق في داخله كهربه وتوحد به واخذ يخلق عوالمه الشعرية في لذة واقتدار وهو ما فتئ يرحل بقطار الشعر ومنذُ صدور كتابه الشعري الاول (رهائن) والى آخر مجموعة له (شرفة دادا) يمضي بقطاره في براري ومجاهيل لم تكتشف بعد .

https://almadapaper.net/Details/210893/