ثلاثية الجنس.. الدين .. السياسة

 

 

كان أهم إنجاز شعري في القرن التاسع عشر، واحتاجت ولادته الى خمسة عشر عاماً،  لكن  ديوان أزهار الشر الذي صدر عام  1857  باهداء إلى توفيل جوتيه، جلب لشارل بودلير الشهرة ومعها المتاعب وملاحقة المحاكم، استنكره العديد من النقاد والسياسيين الذين رأوه”قذارة”بينما قال غوستاف فلوبير الذي أصدر في نفس العام مدام بوفاري إن الديوان كتب”للذين يدركون جيداً معنى الحياة”، يرسل نسخة بخط يده من الديوان الى أمه مع رسالة يخبرها فيها إن  :”الكتاب الذي بين يديك و المعنون بـ”أزهار الشر”أنجزتُه بجنون وصبر، وقد توخّيت بداية الأمر عدم الكشف عنه، لكن عندما فكّرت في الأمر ملياً، بدا لي، بما أنكِ سمعت أحاديث عن هذه المجموعة، على الأقل من خلال الملخصات التي سأرسلها، فإن خجلي سيكون أكثـر حمقاً من احتشامك المتطرّف.

لقد أبقيت لنفسي ستة عشر نسخة، مكتوبة على ورق عادي، ثم أربعة أخرى دونت على ورق رفيع، احتفظت لكِ بواحدة منها، وإذا لم تصلك بعد، فلأني ارتأيت إرسالها في شكل مجلد. تعلمين بأني لم أعتبر قط الأدب والفنون كمطاردين لغاية غريبة عن المزاج وتكفيني جمالية المفهوم والأسلوب. غير أن هذا الكتاب المعنون بـ”أزهار الشر”، الذي يقول كل شيء، اكتسته مثلما ستلاحظين جمالية كئيبة وباردة، وقد أنجزتُه بجنون وصبر. إضافة إلى هذا، يكمن الدليل على قيمته الإيجابية، في كل الشر الذي تضمنه. عمل، يبعث لدى الأشخاص هيجاناً، بل ذعرت بدوري من الرعب الذي استلهمته، فحذفت منه الثلث مع توالي تعديلات مسوداته. لقد استنكروا لديّ كل شيء، فكر الإبداع وكذا معرفة اللغة الفرنسية. أسخر من كل هؤلاء الأغبياء، وأعلم بأن هذا العمل بمميزاته وهفواته، سيرسم طريقاً في ذاكرة الجمهور المثقف، إلى جانب أفضل قصائد فيكتور هوغو وتيوفيل غوتييه بل وحتى بايرون”.
قبل صدور الديوان، كان بودلير قد نشر في الخامس والعشرين من أيار عام 1845 عدداً من القصائد في إحدى المجلات الأدبية، وفي عام 1846 ظهر إعلان عن ديوان للشاعر بودلير بعنوان”الأعراف”ثم تكرر الإعلان عام 1849 لكن الاسم تغير من الأعراف الى”أزهار الشر”، ولم يجد بودلير ناشراً لديوانه إلا عام 1856 حيث غامر أحد أصحاب المطابع، كان يهدف الى نشر بعض الاعمال الجديدة، وقد كتب الناشر على الغلاف الأخير للديوان :”إننا في نشرنا لهذه الاشعار، ما نحسبه جديراً بالاهتمام هو تلك المكاشفة الفياضة العجيبة حتى في عنفها، عن نوبات الاستضعاف وخور العزيمة، وأزمات الألم النفسي، التي لايسعنا إلا الحرص على معرفتها بوصفها سمةً من سمات عصرنا”. طبع من الديوان على نفقته الخاصة 1300 نسخة وبسعر ثلاث فرنكات للنسخة الواحدة، اشتكى صاحب المطبعة من بطء الشاعر، فقد كان يرسل كل يوم صفحتين، ثم يدخل عليها تعديلات جديدة، يقول لصاحب المطبعة إن الدقة مطلوبة :”لتتذكر أن علامة الترقيم تستخدم لا في تحديد المعنى فحسب، ولكن أيضاً في تحديد الإلقاء”.
في الخامس من تموز عام 1857، تكتب صحيفة لو فيجارو إن هذه القصائد دمرت سمعة الشعر الفرنسي، وتدعو الى ملاحقة الشاعر قضائياً، وفي مقال شديد القسوة يكتب الناقد كوستاف بوردان :”هناك لحظات يشك فيها الإنسان في قوى بودلير العقلية. إن هذا الكتاب مستشفى مفتوح أمام جميع أنواع الخلل العقلي، وجميع أنواع عفن القلب، ونحن نفهم أن يندفع خيال شاب في العشرين من عمره إلى طَرق موضوعات كهذه، ولكننا لانجد أي مبرر لرجل تجاوزت سنه الثلاثين أن يروج في كتاب لمثل هذه الانحرافات”. يكتب بودلير لأمّه”إني سعيد تقريباً لأول مرة في حياتي. فالكتاب جيد تقريباً، ولسوف يبقى هذا الكتاب شهادة على قرفي وحقدي على سائر الأشياء”.. وسرعان ما يتحول الهجوم على الديوان الى نفاذ معظم نسخ الطبعة الاولى، وينبه بودلير الى صاحب المطبعة :”أسرع فلتُخبئ جيداً، بعض النسخ، ولتبقِ فحسب على خمسين نسخة لتغذية الحارس الشرس، العدالة”.
في السابع من تموز عام 1857، يتم تقديم شارل بودلير ومعه صاحب المطبعة التي طبعت ديوان”أزهار الشر”الى المحاكة بتهمة انتهاك الأخلاق العامة، ويصف أحد الحضور هيئة الشاعر داخل قاعة المحكمة :”كان شارداً، لايلبس رباط عنق، رأسه محلوق، ويبدو وكأنه محكوم عليه بالإعدام”ويطالب المدعي العام الذي سبق له أن ترافع ضد رواية مدام بوفاري، بمنع الديوان ومصادرته بحجة إهانة الأخلاق العامة والسعي لنشر الرذيلة والتعرض للقيم الدينية، بعد أن يقرأ على القضاة عدداً من القصائد يقول :”أيها السادة، اعتقد بأنني سردت ما يكفي من المقاطع لأؤكد على ما فيها من إهانة للآداب العامة وتجاوز للحدود التي يفرضها الحياء العام بوقاحة صريحة والإساءة إلى الدين وبالتالي أنا أعذر هذا الحشد من الحضور على هتافه بتلك الكلمات النابية لعلمي اليقين بأنهم لا يعلمون بعد ما تعنيه تلك الكلمات سوى رغبتهم الشديدة بالجنس الإيحائي فقط. سوف تقدرون بأنفسكم أيها السادة إذا ما كان بودلير قد أقدم على التجديف أم كان يعي بأنه يجدف فعلاً. وبالتالي ليكن حكمكم على تلك الميول غير الأخلاقية المتنامية التي تحمل أصحابها على أن يرسموا كل شيء ويقولوا كل شيء كانت عقوبة الإساءة إلى الآداب والدين قد ألغيت ولا وجود لها أمام العدالة”. تقضي المحكمة بأن بودلير مذنب، وتصدر قراراً بتغريمه 300 فرنك مع حذف القصائد المتهمة بنشر الرذيلة، تأتيه النجدة من فكتور هيجو الذي يكتب إليه رسالة إعجاب وتقدير :”أزهارك تشع وتتألق كالنجوم، ولسوف تتلقى احد الاوسمة النادرة التي يمنحها النظام الحقيقي.. وما يقال من أن القضاء قد أدانك باسم ما يقال انه الأخلاق لهو إكليل إضافي لك”، يكتب في رسالة الى غوستاف فلوبير بدأت بكتابة أزهار الشر الجديدة، فالمحكمة لاتطلب إلا استبدال بعض القصائد، ربما سأضع عشرين. والأساتذة المحتجون سيكتشفون أنني كاثوليكي غير قابل للتقويم. وسأحاول أن أكون مفهوماً تماماً : تارة بالغ الهبوط وتارة بالغ السمُو. وبفضل هذا النهج سأستطيع الهبوط حتى العواطف المقززة. ولن يكون هناك سوى ذوي سوء النية المطلقة الذين لن يدركوا لاشخصانية شعري المقصودة”.
في العام 1861 ظهرت الطبعة الثانية من”أزهار الشر”، وهي آخر طبعة أشرف الشاعر بنفسه على إعدادها وأضاف إليها بدلاً من القصائد المحذوفة، خمساً وثلاثين قصيدة جديدة، وقد ظهرت الطبعة بعد عام من وفاة بودلير الذي كتب قبل وفاته بأيام :”أيجب أن أقول إنني وضعت في هذا الكتاب العنيف كل قلبي، وكل حياتي، وكل ديني، وكل بغضائي”.

*******

كان حرس الامبراطور أوغسطس قد وصلوا الى منزل الشاعر أوفيد يحملون تعليمات من الامبراطور تنص على وجوب نفي الشاعر الى مقاطعة نائية على البحر الأسود، ليبقى فيها حتى وفاته. كان الشاعر قد إلتقى في إحدى الحفلات بالجميلة”آرلان”حفيدة الامبراطور،، فقرر أن يرتبط بها، وأن يتزوجها بالسر، لأنه يدرك إن الامبراطور لن يقبل أن يتزوج شاعر بإحدى حفيداته، ثم يهدي إليها كتابا اسماه”فن الهوى”وكان المقربون من الامبراطور قد أخبروه أن أوفيد كتب كتاباً بعنوان”فن الهوى”يسعى من خلاله الى إفساد أخلاق الشباب. فيأمر الامبراطور بحرق الكتاب، فالشاعر حسب التقرير الذي قدم الى الامبراطور يريد ان يلغي الفوارق الاجتماعية بين الطبقات، ويشجع على العاطفة التي كانت بالنسبة إلى الروماني فحشٌ. فقد اعتبر أوفيد العاطفة أمراً متبادلاً بين الرجل والمرأة، وكتب”أكره العناقات التي لا يعطي فيها كل طرف نفسه للطرف الآخر”.
ولد أوفيد ناسو سنة 43 ق.م في بلدة شرقي روما وتوفي في المنفى عام 18 ميلادية، وكان أبوه التاجر الميسور قد أعده ليشغل إحدى الوظائف الإدارية المهمة في الدولة، لكنه أحس منذ صباه إنه لم يولد إلا ليكون شاعراً. يسجل أوفيد في كتابه”فن الهوى”كل فلسفته في الحب، فهو يرى إن العاشق المثالي ليس بالصبي الحالم ولا بالذي يسمح لنفسه أن تفقد إتزانها في حضرة المحبوب.، والكتاب يضم ثلاثة كتب، في أولها يشرح كيف يستطيع العاشق الاستيلاء على قلب محبوبته، وفي الثاني يعلمه كيف يحتفظ بهذا الحب الى أطول مدة ممكنة، والكتاب الثالث مخصص للمرأة وبه يقدم لها نصائح في كيفية المحافظة على حب الرجل.
و”فن الهوى”كُتِب على شكل قصيدة طويلة تميزت بالوضوح وحب الدعابة، وفي افتتاحية الكتاب يصف لنا”كوبيد آله الحب بـ”الصبي الغض”ثم ينتقل ليشبه الحب بالحرب، وان مركبته لاتعدو حدود هذا الميدان الممتع :”بأهازيج النصر أشدُ يافتى.
ثم أصدح مهلّلا أنّى مضيت.
فها هي ذي من كنتُ أطاردها تقع فريسة في الشراك.
وليتّوج بإكليل الغار جبيني من سَعِدَ في عشقه
ويحاول أوفيد يأخذ دور المعلم وهو يلقي على تلامذته دروساً في العشق، ويضع لهم وصفات مفيدة تناسب الجميع، سواء كان العاشق مستجداً أو متراخياً أو متردداً، ويقدم لقرائه الخطط التي تجعلهم يكسبون قلب حبيباتهم :”عليكم بفنون القول الرفيعة، لا تقصروها على موكليكم المتوجسين فى ساحات القضاء، فليست المرأة أقلّ استسلاماً لسحر البلاغة، من القاضي الجاد أو الشيوخ المنتخبين أو جموع المستمعين”..وبعد أوفيد بألف عام يتعرض الفقيه الشاعر والاديب محمد بن حزم الاندلسي، لمحنة النفي وإحراق الكتب، بسبب كتابه الشهير”طوق الحمامة”حيث يودع السجن، بأمر من حاكم اشبيلية المعتمد بن عباد لانه كتب كتاباً يثير الغرائز ويفسد الأخلاق فقرر أن يحرقه، وفي ذلك يقول ابن حزم :
دعوني من إحراق رقٍ وكاغدٍ
وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري
فإن تحرقوا القرطاس لم تحرقوا الذي
تضمنه القرطاس إذ هو في صدري
يسير معي حيث استقلت ركائبي
وينزل إن أنزل ويُدفن في قبري

********

في صباح التاسع من نيسان عام 1821 وفي بيت قديم من بيوت ضواحي باريس، ولد شارل فرانسو بودلير، لأب يشغل منصب أستاذ مساعد للبلاغة، وأمّ من عائلة فقيرة كانت تصغر زوجها بأربع وثلاثين عاماً.في السادسة من عمرة يتوفى والده فيتعلق بأمّه ونجده يكتب بعد ثلاثين عاماً :”كان عندي ميل مبكر للنساء، كنت أخلط رائحة الفراء مع رائحة المرأة، لقد كنت أحب أمي لأناقتها”. وفي مكان آخر من يومياته يكتب :”في صغري تعلقت بالحرير والعطور وسيقان السيدات”، ونجده يخبرنا إنه حين كان يفكر بأبيه يشعر بالراحة لغيابه، إن أمّه تشغل كل قلبه، وهي ملك له وحده لاينازعه فيها إنسان مطلقاً، وإنه ليحبها ونجده سعيد بهذا الحب :”إن في طفولتي مرحلة من الهوى الجموح، اسمعي واقرئي دون خشية. أنا لم أحدثك عن ذلك بهذا المقدار، كنت دائما حياً فيك، وكنت لي وحدي، لعلك تدهشين لأني أستطيع أن أتحدث بهوى عن زمن سحيق جداً”. إلا أن هذه السعادة لم تدم طويلاً، وها هي أمّه تخونه، بعد أن قررت الزواج، كانت امراة جميلة جدا لم تتجاوز الخامسة والثلاثين من عمرها، وكان الابن يصر على أن تكرس نفسها له لوحده :”عندما يكون للأمّ ابن مثلي، فهي لاتتزوج مرة ثانية مطلقاً”، الزوج الجديد عسكرياً لامعاً، خاض معارك في النمسا وإسبانيا، في التاسعة والثلاثين من عمره، وفي لحظة ما تقرر الأمّ أن ترسل ابنها الى مدرسة داخلية، فزوجها العسكري يريد للابن أن يتعود على حياة شبه عسكرية ومنظمة، وفي المدرسة يعتقد رفاقه إنه مصاب بمس من الجنون، كان يقرأ عليهم أشعار لهيغو ولامارتين، في عام 1836 يعين زوج الأمّ في منصب رفيع، حيث يتطلب نقله الى وسط العاصمة باريس، كان شارل قد بلغ الخامسة عشرة من عمره، يتمتع بذكاء حاد، ويصر السيد أوبيك على ادخاله الى معهد لويس لوغران قائلا لمدير المعهد :”سيدي، هذه هدية أقدمها لك، تلميذ سوف يشرف معهدك”. وفي السنة الأولى يفوز بالجائزة الثانية للشعر اللاتيني، ورغم تفوقه في الدراسة إلا أن المدرسين كانوا يشتكون من تمرده وعناده، وعندما يجتاز المرحلة الثانوية بنجاح، يقرر زوج الأمّ أن يدخل شارل في السلك الدبلوماسي، لكنه يعلن أمام أمه وزوجها إنه يريد أن يكرس حياته للشعر، وأن يؤلف كتباً ويصير كاتباً، إنه يريد”الطيران بأجنحته الخاصة”، وبسبب مغامراته الجنسية يصاب بمرض الزهري، ويخبر الجنرال زوجته بالحال التي وصل إليها ابنها قائلاً :”فليكن شاعراً إذا أراد، ولكن يجب ألا يضيع إلهامه في المجاري”. تقرر العائلة أن ترسله الى بلدة كريل حيث يوضع تحت المراقبة الشديدة الصارمة، ويخبرنا في يومياته إنه تعرض في تلك الفترة لأسوأ المعاملات :”في ذلك الحين كنت رقيق المظهر، أنيق الهندام مثل إمرأة تقريباً.. آه اولئك الوحوش كانوا يضيقون علي الخناق”. وستصبح هذه الرحلة التربوية الاجبارية مصدراً للعديد من القصائد، حيث تمنح شعره مذاقاً خاصاً، يعود بودلير بعد أشهر الى باريس بعد ان اتخذ قرارا أن لامهنة تصلح له سوى الأدب، وفي نيسان عام 1842 يترك رسالة الى أمّه :”من المستحيل أن أكون مثلما يريدني زوجك، وبالتالي فأنا سأسرقه إنْ بقيت عنده فترة أطول، وأخيراً، فلا أجد من اللائق أن يعاملني كما يريد، لا شك أني سأضطر أن أعيش حياة قاسية، لكني سأكون أفضل حالاً”، لم تستمر حالة الغياب عن المنزل طويلاً إذ سرعان ما يعود الى سلطة زوج الأم بسبب افتقاره الى المال، بعدها بعام يبلغ الحادية والعشرين من عمره وهي السن القانونية التي يستطيع من خلالها أن يحصل على جزء من ميراث أبيه، فيغادر المنزل وينتقل للسكن في شقة وسط باريس، يعيش حياة بوهيمي ثري، مع النساء والأفيون، يشارك في حضور اجتماعات”نادي الحشاشين”، وسيبدأ بكتابه القصائد الاولى من ديوانه أزهار الشر، وبسبب تبذيره يفقد نصف ميراثه في عامين، فتقرر أمّه رفع دعوى قضائية تطالب بوضع ما تبقى من ميراثه تحت رقابة وصي تعينه المحكمة، والمحكمة تحكم لصالحها، وهكذا تبدأ العائلة بمعاقبة الابن العاصي، وسيعاني بودلير من آثار الوصاية، إلا أنه لن يغير شيئاً من طباعه، وسيعاني طوال حياته من مطاردة الدائنين، وكتابة رسائل لأمّه للحصول منها على بعض المال.في الثلاثين من حزيران عام 1845 يحاول الانتحار بالسكين بعد كتابة وصية يوصي فيها بان تتولى جميع ممتلكاته إحدى عشيقاته اسمها جين لوميه، يكتب الى أمّه :”إنني أموت في حالة قلق مرعب”يُنقل الى المستشفى ويتولى زوج أمّه تسديد ديونه، بعد ثلاث سنوات سيشارك بالاتفاضة الشعبية بباريس وسيصدر مع اثنين من أصدقائه نشرة بعنوان”الخلاص العام”يكتب فيها :”إن في كل تبدل شيئاً سافلاً، ولذيذاً في آن، شيئاً مستمداً من الخيانة والارتحال. وهو ما يكفي لتفسير الثورة الفرنسية”. في عام 1852 يعثر على الأعمال الكاملة لإدغار آلن بو، وينشر أول نص هام بالفرنسية عن الشاعر الاميركي.يكتب الى أمّه”لقد عثرت على الكاتب الذي أثار في داخلي تعاطفاً لايصدق،”.كان بودلير في هذه المرحلة من حياته مواظباً على الكتابة، ينشر العديد من القصائد، الا ان عليه علامات المرض تبدو واضحة عليه حيث يصاب بالدوار بين الحين والآخر، يكتب الى أمّه :”منذ أمد بعيد وأنا أقف على حافة الانتحار، وما يمنعني هو سبب بعيد عن الجبن وحتى عن الأسف. إنها الكبرياء التي تمنعني”. بعدها يكتب في يومياته :”أثمة وقت بعد للسعادة، أربعون سنة ومجلس وصاية وديون ضخمة وأخيراً، وذلك أسوأ شيء إرادة ضائعة وفاسدة.من يدري ربما يكون الفكر نفسه قد فسد”، بعدها يكتب لأمّه :”بخصوص كتابي الجديد الذي حلمت به كثيراً سيكون كتاباً من الأحقاد، إنني أريد أن أدفع الى الاحساس بلا هوادة بأني أشعر كغريب على العالم ومعتقداته، سأوّجه ضد فرنسا كلها موهبتي الحقيقية في التضارب. إنني بحاجة الى الانتقام مثلما يكون الرجل المرهق بحاجة الى الاستحمام”. بعدها بعام بتوجه الى بلجيكا لالقاء محاضرات في الأدب..يصاب بحالات من الدوران والغثيان وآلام عصيبة.. بعد معرفته بالمدائح التي وجهها إليه الشبان مالارميه وفرلين يكتب :”هؤلاء الشباب يبثون فيَّ الخوف من الكلاب، لا أحب سوى البقاء وحيداً”.
في الحادي والثلاثين من آب عام 1867، يُصاب من جديد بحالة إغماء ، كان قبلها قد أصيب بالشلل، فقررت أمه العناية به، بعد ساعات من حالة الاغماء. في الثالث من أيلول من نفس العام يدفن في مقبرة مونبارناس
يكتب جان بول سارتر في دراسته عن بودلير :”موقف بودلير الأصلي هو موقف العاكف على نفسه يتأملها. فليس لديه شعور مباشر لا تخترقه نظرة مرهفة. نحن عندما نتأمل مثلاً شجرة أو بيتاً نستغرق في هذه الأشياء وننسى أنفسنا , أما بودلير فإنه لا ينسى نفسه أبداً. فهو يتأمل نفسه عندما يتأمل الأشياء, وهو ينظر إلى نفسه ليرى نفسه يُنظر. إنه يتأمل شعوره بالبيت وبالشجرة لذا لا يراها إلا أشد ضآلة وأقل وقعاً كما لو كان ينظر إليها من خلال عدسة مصغرة. فلا تدل إحداهما على الأخرى كما يدل السهم على الطريق أو الإشارة إلى الصفحة”.
في خاتمة ديوانه” أزهار الشر يكتب بودلير:
اني استخلصت من كل شيء الجوهر
أعطيتني طينك فصنعت منه الذهب
وعلى سرير الموت يكتب في دفتر يومياته
أنا الجرح والسكين
أنا الصفعة والخد، أنا الأعضاء وآلة التعذيب
والضحية والجلاد .

((المدى))