لطفية الدليمي

– القسم الثاني – 
تقديم إلى طبعة
( كتب ماديسون Madison Books)
يظلّ الحب (وهنا أعني الحب الرومانسيّ ) واحداً من أكثر الموضوعات إستحواذاً على عصرنا هذا ، وربما قد يجادل البعض أنّ هذا الإستحواذ ذاته نتاجٌ لحقيقةِ أنّنا لطالما سُحِرْنا بفتنة الحب إلى حدّ غدونا معه نعذِّبُ أنفسنا ، كما خلقنا حاجة موهومة يشوبها الإرباك للحب نعجز ربّما عن إدراك كنهها أو الإيفاء بمتطلّباتها . إنّ بعضاً من أعاظم الكثُّاب الذين كتبوا بشأن موضوعة ( الحبّ ) جعلوا من الحبّ صنواً للمحنة المُعيقة ، أو نوعاً من جنونٍ ما ، وربّما حتى مرضاً مميتاً لاشفاء يرتجى له ، ولكن برغم كلّ هذا فإن الحب أمرٌ حقيقيّ حتماً : هو أمرٌ ثمين يمكن بلوغه وحيازته في الوقت ذاته ، ومتى ماعرفنا أن نشقّ طريقنا وسط التيه الضبابي الميتافيزيقي فإن الأساطير المضلِّلة والإستعارات الخطيرة – التي جعلت الحب أمراً مخادعاً – ستنقلب حتماً وستغدو الرومانسية حينها موضوعاً قابلاً للفهم والإستيعاب ومتناغماً تماماً مع حياة عاقلة هادئة وسعيدة معاً . ينبغي التنويه هنا – ومن غير إزاحة أيّ من العواطف الشغوفة العظمى حول الحب والرومانسية – إلى ضرورة أن نتنبّه إلى المديات العالية التي رفعنا إليها هذه العاطفة بذاتها فوق أية عاطفة أخرى يحتويها جهاز إستشعارنا العاطفيّ .
يبقى الكثير ممّا كتِب بشأن الحب ، وبرغم كلّ شيء ، متماهياً مع ماكتِب عن الحب في الثلاثة آلاف سنة التي شهدْنا فيها رسائل الحب والمقالات المطوّلة عنه إلى جانب الشعر الرومانسي ، وإتخذت كلها واحداً من موقفيْن : إمّا موقف غير ناقد ومفعمٌ بحسّ الإحراج من تناول مادة الحب أو موقف ساخرٌ طافحٌ بالمرارة يدافع عن مصالح المرء الشخصية فيما يجترحه من قرار . نحن مُرغَمون في نهاية الأمر على الإختيار بين طائفتي ( المُعسّرون Foggers) و ( المُيسّرون Facilitators ) في الحبّ : إن نظريات هؤلاء تمتدّ على مدىً واسع يبتدئ بالتجريدات الضبابيّة ويمرّ عبر الصواميل والبراغي (إشارة إلى التفاصيل ذات الطبيعة العمليّة ، المترجم) ثمّ يمرّ بالتفاصيل العملية المفرطة لينتهي المطاف به عند مايشبه دروس الحصص المدرسية التي تعمل على تحسين أساليب ” التخاطب ” والتي يُسمَعُ فيها على الدوام عبارة واحدة قصيرة تتكرّر على نحو متواتر ( تعلّم الإصغاء !! ) – تلك نصيحة ثمينة بلا شكّ ولكنّ مثيلاتها قلّما أزاحت النقاب عمّا تعنيه طبيعة الحبّ وفائدته لنا .
(حول الحب : إعادة إكتشاف الرومانسية في عصرنا) هو مجسّي الشخصي الذي أستكشِف بواسطته هذه العاطفة الأعظم قيمةً بين كل العواطف : وعودُها ، مسرّاتها ، خيباتها ، والمخاطر الملازمة لها . كيف يمكن لنا أن ” نجد ” الحب ، أم أن الحب أمرٌ نخلقه نحن ؟ لِمَ نجد الأمر متلفّعاً بالصعوبة أحياناً عندما نحبُّ ، أو عندما نبوحُ بحبّنا ، أو عندما نبغي التعبير عن حبّنا بطريقة مقبولة وكافية ؟ لِمَ يمضي الحبّ أحياناً في المسار الخاطئ ، ولِمَ نختار أحياناً الشركاء غير المناسبين لنا ؟ . يُعامَلُ الحبّ غالباً على أنّه لايعدو جائحة حماسةٍ جنسية مرافقة لطور البلوغ ، ولكنّ هذه الخرافة الأسطورية – إلى جانب عدد آخر من نظيراتها المدمّرة – كفيلة بجعل الحب الناضج أمراً يستعصي بلوغه بسبب سوء إدراك طبيعته .
بعد أن نتبيّن وقع خطانا وسط الضباب الميتافيزيقيّ والأساطير المُضلّلة والإستعارات الخطيرة التي جعلت الحبّ يبدو أمراً مُخادعاً ومناوراً عنيداً ، أبتغي التأكيد على أنّ الرومانسية يمكن إدراكها وبلوغها ، وهي أمرٌ متوافقٌ مع حياة عاقلة وسعيدة . الحبّ أمرٌ ” طبيعيّ ” بالطبع وهو مايعني القول أنه يتبع بيولوجيّتنا (تركيبتنا الأحيائيّة) ولكنّه ينطوي على هيكليّة إجتماعيّة ومسؤولية فردية في الوقت ذاته . إنّ أطروحتي الأساسية هنا هي أنّ الحبّ ينبغي إكتشافه ، وأن يُعادَ إكتشافه من قبل كلّ جيل وكلّ ثنائيّ Couple متحابّ .
يشعر أغلبنا بعدم ” إكتماله ” من غير الحب ، ولاأعني في هذا الموضع محض الشعور بضرورة وجود ثمّة من يحبّنا بل أعني ماهو أعظم أهميّة للروح وهو أن نُحِبّ نحن حقّاً : هذه موضوعة تغور بعيداً في الأزمان القديمة ، ومثالها الأكثر شهرة هو التسليم الذي أذعن إليه أفلاطون أزاء أريستوفانيس Aristophanes في حلقة أفلاطون الدراسية الذائعة الصيت حيث لم يعُد يفهَم الحبّ بأقلّ من كونه ( إكتمالاً ) لنِصفَيْ روح ماكان في مقدورهما الإكتمال بغير الحبّ . أسعى في هذا الكتاب إلى إستكشاف تلك المواضعة الفاتنة – التي تشكّل مصدراً جاذباً لنا – والمؤسّسة على الإحساس الذي نحاول بواسطته ، وبإعتبارنا أفراداً مستقلين نتمتّع بذاتيّتنا الخالصة ، السعي نحو ( إكمال ) أنفسِنا ، أو لنقل الأمر بطريقة أكثر حرفيّة ودقّة : السعي لإعادة تعريف أنفسِنا مع – ومن خلال – شخصٍ آخر .
في الوقت الذي نعيدُ فيه تعريف أنفسِنا فإنّنا نعمل أيضاً على إعادة تعريف الحبّ ذاته ، ومع الحبّ نعيد النظر في كيفية فهمنا لمفاهيم أساسية وحاسمة مثل : الحميمية ، الإخلاص ، الإنجذاب الجنسيّ ، الرضا والشعور بالإرتواء . يتمحورُ هذا الكتاب كلّه وبإختصار حول ( إعادة إكتشاف الرومانسية لعصرنا ) كأفراد – سواء في ثنائيات أو جماعات – أو كجزء من ثقافة أكبر وأكثر تنوّعاً وترتقي بإضطراد متسارع .
لستُ أعِدُ هنا بأيّ وصفاتٍ من شأنها تسريعُ النجاح في الحبّ ، ولكن يملؤني الأمل بأنّ ماأقوله (في هذا الكتاب) لايبدو موغلاً في التجريد بسبب طبيعته الفلسفية (ولاأبتغي هنا توكيد أيّة إعتذاراتٍ مسبّقة) . إنّ واحدة من المقدّمات المنطقية التي يقوم عليها هذا الكتاب – والتي أؤمن بها بقوة – هي أنّ ماندعوه (حبّاً) لاينهض على محض البيولوجيا الخاصة بنا فحسب بل على سياقاتنا المجتمعية وعلى أفكارِنا أيضاً ، وأجادِل في الوقت ذاته أن مانؤمن به بشأن (الحبّ) يلعب دوراً عظيماً في كيفية تعاطينا مع الحبّ ، أو – وذاك أمرٌ محزنٌ حتماً – مع عدم قدرتنا وفشلنا في الحبّ ، أو الحب بطريقة غير رصينة . أقول ، وبتواضع ، أنّ هذا الكتاب هو جهد فلسفيّ لفهم واحدة من أكثر عواطفنا عرضة للتقلّبات ، كما أقول بإلحاحٍ ، ومن غير تواضع هذه المرّة ، أنّ غايتي من وراء هذا الكتاب هي الإتيان بتغيير ملحوظ في حيوات الناس .
منذ أن نُشِر هذا الكتاب قبل عقدٍ من الزمان أجد نفسي ملزماً بإبداء الشعور بالإمتنان بعد سماعي من الكثيرين بأن كتابي هذا (حول الحبّ) قد عمل حقّاً على تغيير حيواتهم ، كما أجد نفسي سعيداً لأنّ كتابي وجد طريقه نحو الورش الدراسية العديدة والمفيدة التي تتعاطى مع موضوعات مثل الزواج والعلاقات العاطفية في طول البلاد وعرضها (يقصد المؤلّف الولايات المتحدة الأمريكية ، المترجمة) . إنّ هذا هو ماطمحتُ إليه منذ البدء وهو ذات ماأطمح إليه الآن حيث يظهر كتابي بطبعة ثانية وهو في حلّة جديدة .
روبرت سي. سولومون
أوستن ، تكساس

ثمّة سؤال جوهري وحيد ، وذاك السؤال هو : كيف السبيل لإدامة الحبّ ؟
توم روبنز*

لوحة (حياة ساكنة) مع نقّار الخشب
هذا كتابٌ حول الحب – الحب الرومانسي: تلك العاطفة التي لطالما شهدت إحتفاءً بها مثلما طالها الإزدراء الساخر والنقد ، كما سعى وراءها الكثيرون بيأسٍ وتاقوا إليها توقاً عظيماً فكان المتوقع – بالنتيجة – سوء فهمٍ طاغياً لتلك العاطفة ، وإنّ سوء الفهم هذا على صعيدَيْ الفكر والتوقّع يقود إلى تفاقم اليأس والمأساة في الحياة اليومية العملية . عمل أغلبنا ولوقت طويل على تطوير نظرةٍ متناقضة بشأن الحبّ فكانت النتيجة أنّنا بتْنا نجد الحب المستديم مسألةً تنطوي على المخادعة وصعبة المنال بل وحتى أحجية عويصة .

__________
* توم روبنز: Tom Robbins مؤلف وروائي أمريكي ولد 1932 ومعروف بقصصه ذات النكهة الشعرية التي تحوي إشارات قوية إلى المضامين الإجتماعية والفلسفية المؤثرة كما يستقصي في أعماله الحقاق الغريبة وغير المتداولة .
(المترجمة)
يتبع

((المدى العراقية))