ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي

– القسم الثالث – 

نميل في الغالب لتعريف الحبّ بطريقة لايمكنه معها إلّا أن يكون تجربة إنتقالية مؤقتة وعابرة ومن ثمّ نروح نتساءل – وبطريقة لاتخلو من مرارة مفجعة احياناً – عن السبب الكامن وراء عدم دوام الحبّ ، كما أنّنا نؤمن بإلحاح أنّ الحبّ ” شعور ” ثم نشتكي لاحقاً عندما تنفجر فقاعةٌ في تلك العاطفة الفوّارة ، ونقول على الدوام أنّ الحبّ ” شغفٌ ” ثم تنتابُنا الخيبة المريرة عندما يموت شيء ما في ذلك الشغف ، وغالباً مانقرِنُ الرومانسية بالجدّة ثمّ نمضي لإبداء إعتراضنا بعد أن يغدو الجديد متقادماً ، وغالباً مانُبدي مظاهر الإحتفاء بالحبّ في طوْر شبابنا الباكر وبعدها نتساءل : لِمَ يغدو الحبّ عصياً وعرضةً لمشاكل جمّة في أطوار الحياة اللاحقة . في الوقت ذاته عملنا على دفع الحبّ إلى مستوياتٍ مثالية عسيرة البلوغ بات معها الحب المستديم حالة لايمكن حيازتها – على سبيل المثال لطالما تمّ تعليمنا بإضطراد أنّ الحب ينبغي أن يكون غير أنانيّ بالكامل في حين أنّ الحقائق الملموسة تؤكّد أنْ ليست ثمّة من عاطفةٍ مثل الحبّ تفعل فعلها المؤثر في نفس المرء ، وإلى جانب هذا ثمة صراعٌ حقيقيّ بين القيم التي نختبرُها في الحبّ وبين الفضائل التي تجعل الحبّ قادراً على النماء والإستمرارية وهو الأمر الذي يقود إلى تركيز صورة عن الرومانسية ونزعة الإنجذاب الرومانسيّ تخدم بمثابة الأطروحة المُعاكسة للحب القادر على الدوام .
ربما كان الأسوأ بين كلّ الأمور هو ماتمّ تعليمُنا إيّاه بشأن كون الحب أبدياً بينما الحب في حقيقة واقعه هو أمرٌ يُكتشَفُ – ويُعاد إكتشافه – على مدى التأريخ المعروف بكامله ، لذا فإنّ النتيجة المتوقّعة من وراء فهمنا هذا هو إمتلاؤنا بإحساسٍ لايفتأ يُملي علينا أنّنا متى ماوجدنا الحبّ بإخلاص فسنضمن إستدامته إلى الأبد في حين أنّ الحقائق على الأرض تؤكّد أن الحب تساؤل مفتوح النهايات دوماً إلى جانب كونه مسؤولية فردية لافكاك عنها .
كيف السبيل إلى إدامة الحبّ ؟ إن الاطروحة التي يقوم عليها هذا الكتاب هي أنّ الحبّ صيرورة عاطفية لاتتطلّب الوقت فحسب بل يمكنها بلوغ تخوم المستقبل حيث يكون في مقدورها بناء أسسها الراسخة فيه . الحب ليس شعوراً أو شغفاً لحظوياً ولاينبغي النظر إليه أو مقايسته بمحض المفردات المحدودة لِـ ( الإنجذاب الأوّلي ) وتفجرات الحب في باكورة الشباب مثلما لاينبغي المبالغة في تدجينه أو رفعه إلى مرتقياتٍ موغلة في النزوع المثاليّ . الحبّ لايدوم لأنّنا نسيئ فهمه ونفقد الرغبة فيه أو نتعامل معه كشيء معطىً مفروغ منه أو قد نخنقه بالأعباء والإنشغالات الرتيبة ، بل يدوم الحبّ عندما ندرك أنّه القيمة الأساسية والأولية في حياتنا ، وعندما نواجه المشاكل المرافقة له – أو الناجمة عنه – بشجاعة ، وعندما ندرك أنه ” صيرورة ” وليس محض شغفٍ عاطفي خالص . إنّ هذا الكتاب بشكل أساسيّ هو كتابٌ مصمّمٌ ليناقش موضوعة ( ما الحبّ ؟ ) في المقام الاوّل .
الحب هو التجربة الأكثر إنعاشاً – مثلما قد تكون أحياناً الأكثر إيلاماً وتدميراً – التي إختبرَها أغلبنا أو سيختبرُها لاحقاً في حياته ، ولطالما تمّ الإحتفاء بالحبّ على أنّه تجربة دينية ولكن طبيعة الحب ” الحقيقي ” غدت شائكة وذات نكهة لاهوتية مثل مفهوم الدين الحقيقي ، ومنذ أن رفع أفلاطون ذلك المعبود المحلي المبتذل المدعوّ ” إيروس Eros ” إلى مرتبة الألوهية وميّزه تمييزاً صارخاً ودقيقاً عن الحب اليومي العاديّ كان ثمّة صراعٌ عصيّ على أيّة حلول بين الجرعة المثالية الفائضة في النظرة إلى الحبّ وبين الحقائق الأكثر دنيوية والأقلّ أثيريّةً حول العلاقات العاطفية الجنسية وتقلّباتها . غالباً مايتمّ الإطراء على الحبّ بإعتباره ” هِبةً سماوية ” ويتم توضيح طبيعته المتطرفة بواسطة مفرداتٍ تجنح بعيداً – ربما إلى حدود لانهائية – عن تخوم الرغبات والعواطف الإنسانية الخالصة . إنّ أفكارنا عن الحبّ اليوم تبدو موغلة في التمزّق بين النزعات الواقعية والمثالية ، وبين الإحساس بالحضور العادي والطبيعي للحب وبين ندرة الحب الحقيقي والصعوبة التي تكتنفه . بتنا نطلب معجزة ونتوقّع حدوثها بالطبع .
بيْد أنّ مثل هذه المعجزات تحصل طول الوقت وبالرغم من كلّ شيئ : في كل مساء وفي أمريكا وحدها ينخرط مايقارب الستة آلاف مراهق في تذوّق تجربة فعل الحبّ ( فضلاً عن فنونه ) ، وفي الوقت ذاته يشهد كل يومٍ في أمريكا ذاتها ستة آلافٍ من حالات الطلاق حيث يبلغ الحبّ نهايته المُشرْعنة ( الأرقام مستفادة من توم باركر ، في يومٍ واحد ، 1984 Tom Parker, In One Day, 1984 ) – تلك علاقة إحصائية لاينبغي أن نغضّ النظر عنها . إن هذه الإحصائيات الرقمية تهوي على الأمة الأمريكية بمطرقة ثقيلة وينشأ عنها نتائج شبيهة بنتائج الإستطلاعات الانتخابية حيث تقود اللغة الهادئة التي تعبر عن الحقائق الصارخة المشهد الذي نبتغي معه إصطياد الحقيقة بطريقة حصرية ونحن في القرن العشرين ( أرجو الإنتباه إلى أن هذه الطبعة الثانية من كتاب سولومون نشِرَت عام 2000 ، المترجم ) . إنّ ماينبغي أن يصيبنا بالصدمة ليس ” أحجية ” الحب بل كونه بات حالة غارقة في الإعتيادية بالنسبة لنا وإستحالته شيئاً مفرطاً في العاديّة الصارخة بعد أن لم يعُد الحبّ عاطفة نادرة تجمع ( روميو و جولييت ) معاصِريْن ببعضهما وعلى نحو المصادفة غير المتوقعة بل غدا الحبّ شعوراً يتشاركه الملايين الذين يقومون على تدبير شؤون عائلاتٍ غير محكومة بالمضي في طريق الفشل وإنفراط العلاقة – وذاك مبعث سعادتنا بالطبع – إلى جانب هؤلاء الذين يمكن لحبّهم أن يكون مبعث راحةٍ – بل وحتى فكاهةٍ – بدلاً من كونه عبئاً مأساوياً ، ولكن يبدو أحياناً ، وكمفارقة ساخرة ، أن هؤلاء الأكثر تلاؤماً مع الحبّ ، والأعظم تفكّراً وإمتلاكاً لضميرٍ حيّ تجاهه ، والأقدر على إجتراح أسباب النجاح في الحياة بعامة – يبدو هؤلاء هم الأكثر رهقاً وعنتاً في إيجاد الحب المناسب لهم وفي جعله يدوم كذلك .
تتمثّل المشكلة أعلاه مع المفارقة الساخرة الملازمة لها بشأن هواجسنا الإستحواذية حول الحب في أننا فقدنا القدرة على بلوغ معرفة ( ماهو الحبّ حقاً ؟ ) وأبطلنا التفكير المتفحّص بشأن ماينبغي أن يتأسس عليه الحب . الحبّ ( وحاله في هذا مثل السعادة ) يمكن أن يطاله على نحوٍ أسهل بكثير هؤلاء الذين لايلهثون وراءه طول الوقت وكذلك الذين لايتوقّعون تضخيماً مبالغاً فيه للنتائج المتوقعة منه والذين هم غير متعجّلين لجني قطافهم من ثمار الحب . نحن غالباً مانتوقع الكثير من الأمنيات ونضع الكثير من التوقعات المبهجة في سلّتنا منذ بواكير الحبّ الأولى ونبالغ في التأكيد على أن الشيء الحقيقي الوحيد هو ” الحبّ ” إلى حدودٍ ندفع معها أنفسنا إلى تخوم الفشل الذريع . نحن ” نقع ” في الحبّ وحتى لو إنتهى ذلك الحبّ إلى الفشل المقيم بعد سبعة أسابيع أو سبع سنوات من بداياته فإن هذه التجربة ستكون كفيلة بتوفير برهان حاسم لنا بأن الحبّ ممكن من خلال مايوفره لنا من شعور الإنتعاش ، والتكريس القلبي الكامل ، والدهشة المتبادلة ، والثقة ، وأعجوبة المشاركة الحقيقية الحقّة لحياة فرد مع فرد آخر ؛ ولكن مايحصل أغلب الأحيان هو أنّ الحب لايدوم ومايحصل أكثر من هذا هو أن الحب يبقى عالقاً في السماء ولايترجّل على الأرض ، وهكذا لاتكون النتيجة خيبة فحسب بل مرارة وصورة موهومة وإحساساً بالخيانة والخذلان وإنزلاقاً متهوّراً إلى الإقتناع بأن الحب ذاته وهمٌ وفنتازيا ودعاية محضة وآلة صمّاء بل حتى قد ينتهي المرء إلى إعتبار الحب مؤامرة كبرى !! ، وقد يحصل في أحيان أخرى أن ينزلق المرء لينتهي عند قناعةٍ مكيّفة آيديولوجياً هذه المرة ( وأكثر قدرة على التدمير من القناعات السابقة ) ، وتقوم هذه القناعة على أن الحبّ أمرٌ حسنٌ في ذاته ولكن الرجال أو النساء – أو الرجال والنساء معاً – ” غير قادرين على الإتيان بأية فائدة لبعضهم ، ولاخير يُرتجى فيهم ” – وهنا نلمح نوعاً من الإحباط الذي تمّ رفعه إلى مصاف الحكمة المتبصّرة ، ونلحظ أيضاً أن الغضب الصبياني قد رُفِع إلى مرتبة أن يكون سياسة مُعتمدة ؛ لكن لائحة الإتهام هذه بحق الحب قلّما تبقى على حالها ويحصل في غالب الأحيان وبعد بضعة أسابيع أو شهور أن يعاود المرء ذاته سعيه اللحوح في طلب الحب ثانيةً . هنا نتساءل : هل أنّ مانطمح إليه ونسعى جدياً في البحث عنه هو بالضبط ماينبغي أن نسعى في طلبه حقاً ؟ إنّ هذا التساؤل يشي بشيوع مفهوم سلطوي شموليّ بشأن الحب ينبغي لكلّ منّا الإذعان له ولكنّ حقيقة الأمر هي على العكس تماماً ؛ إذ يسعى هذا التساؤل للتأكيد على حقيقة أنّ الحبّ موضوع خاصّ وشخصيّ بالكامل ممّا يمنح كلّاً منّا الإمكانية للمساهمة في إعادة إكتشاف الحبّ تبعاً لحاجاتنا وظروفنا الخاصة .

((المدى))