عباس ثائر شاعر عراقي شابّ، فائز بجائزة الاتحاد العام للكتاب والأدباء الشباب دون الخامسة والثلاثين من العمر عن مجموعته: «ولله أفكارٌ أخرى» شاعريته، تتميز بسمات خاصة منحته فرادته وجاذبيته في ذات الوقت؛ لأنه غادر السطوح المتداولة المتكاثرة المعبرة عن الوجدان العادي، الى اعماق الشعرية المفكرة، سالكاً الى غاياته طريقاً وسطاً، يجمع بين الموروث الفراهيدي الشعري المحمل بالاسئلة الكونية الفلسفية الكبرى، وبين اخر الحداثات الشعرية ذات الأنفاس الساخرة، وليس بعيداً عنه، انفاس تيار الوعي السردي والشعري معاً، حد الإحساس بهذا التوازن الجامع بين الوعي الداخلي والوعي الخارجي الذي رصده “وليم فوگنر”في رواياته، علماً ان شاعرنا كان يحسن الى حد كبير هذا النوع من المونولوج الترحيلي المتبادل، بين الذاتي الى الواقعي، او العكس، فهو يمارس الآن نوعاً من الشهادة الوصفية التي تحكي حركة الحياة والواقع، لكن بعد تمثلها وإجالتها في دخيلته ثم اطلاقها مغمسة باحاسيسة المتوترة الناقدة الساخرة المنحازة الى المثل الإنسانية الإتفاقية، بعيداً عن الرضوخ الى المفاهيم والأطر المقررة سلفاً ،بمافيها الأفهام ذات الصبغة الدينية الراكدة ،ولانعني المتنورة .. ان عباس ثائر كما يبدو على تمظهراته الشعرية متحرراً من شروط الحبكة ذات السمات الواقعية، بٱعتباره شاعراً، يعي ايضاً الفاصلة الضرورية بين السرد القصصي وبين السرد الشعري.كما وانه يفسح المجال واسعاً من ذات المنطلق الشعري لشتى انواع الترميز، وتبادل الاقنعة،بل وحتى الإسقاط الفلسفي والاجتماعي والسياسي، وهو بعد ذلك كله لم ينس تبيان قدراته التقنية او المهارية سواء في سلامة السياقات التعبيرية ،بل ونضجها ايضاً، بعيداً عن اي نوع من انواع التكلف الإستعراضي.. ومع انه يستلهم من بعيد جملة من شعراء النثر والتفعيلة والعمود فكراً وهدفاً وميلاً للفضح والإدانة والإحتجاج بحرية وبسالة امثال دنقل والامبو وحسين مردان وحتى النواب واحمد مطر والحصيري ونزار مع الاختلاف الواضح جداً في الأساليب والمناهج وطرائق التعبير، وبغض النظر عن انتهاجة للاسلوبية السردية اللاذعة، بعيداً عن الموسقة بكافة احوالها متميزاً بمايلي: *الوعي المتحول تلقائياً الى مفردات شعرية مختزنة سلفاً، نتأمل ان تأخذ مستقبلاً،عمقها الغائر في الأقاصي البعيدة.. * الحماسة الصادقة الموقنة بما يكتبه، كونه لايكتب ترفاً ،وإنما تراصفاً شرعياً مع الحقائق المعرفية والإنسانية.. إنّ شاعراً يلج عوالم الشعرية من هذه المنطلقات المعمقة،لنأمل واثقين بتحققاته المتسارعة على مسرح الإبداع الطيب العميق. غودو على طاولة الإحتمالات. عاد خجولًا قتلته الفطنّة زرادشت يعرف ان غودو يفقه ان الإنتظارَ تمرين الأمل! كان فظًا غليض القلب؛ فانفضضنا من حوله، مسكين ابن ادم قال حكيم وهو يبيع حكمته! إنتظرنا غودو و زردشت، إنتظرنا من غابوا لحكمة، ومن غابوا لخوف، إنتظرنا الوطن -الرف الذي علمنا الصبر- الرف الذي قصرّته الأيدي وغضته العيون! ولم يأتِ تُرى أيضيف الوهم عمرًا للآملين؟! أينصف المرء نفسه كلما لاح ضوء قليل او بعيد؟ عند الإنتظار تموت النبوءات وتُصادر الأحداس غودو لم يأتِ، زرادشت لم يأتِ، ترُى ما الذي يريده الإنسان من الإنتظار؟!

 

*كاتب وناقد عراقي