ترجمة: نسرين زريق

 

ملخص:

تعتبر هذه الدراسة في منزلة تطبيق عملي لدراسة سابقة للطبيب والمعالج النفسي ذاته، الأمريكي هنري م. سيدين (Sieden 2004a, 2004b)، وقد قدم فيها دراسة مقارنة بين كلٍّ من الشعر وطرق التحليل النفسي، من ناحية استخدام اللغة في خلق ودعم عملية التواصل مع الأطفال المرضى، مما يساعدهم في التعبير عما يدور في دواخلهم، ويفتح لهم المجال لإيصال آرائهم إلى من حولهم.

في الدراسة التالية تطبيق عملي للدراسة السابقة عن طريق معالجة طفل مريض، باستخدام الشعر التفاعلي كوسيلة من وسائل التحليل النفسي. طرحت هذه الدراسة نتائج عدة يوصى بأخذها في عين الاعتبار في مجال العلاج النفسي، من بينها أن التفسير أو التأويل يمكن أن يكون أقل أهمية مما كان يُعتقد سابقًا بأنه أساسي في عملية تثبيت المتغيرات في الحالة المدروسة. نتيجة أخرى مهمة وشهيرة أشار إليها وينيكوت[1] (Winnicott1971a) مفادها أن الاستمتاع والمرح في عملية المعالجة جزءٌ مهم في تجربة الطفل المعالَج.

كلمات مفتاحية: طريقة التحليل النفسي، الشعر، المعالجة عن طريق اللعب.

لطالما كان التحدي الأساسي في عملية علاج الاضطرابات النفسية عند الأطفال متمثلاً بإيجاد حلول لمشكلة عدم قدرة معظم الأطفال على التحدث مع معالجيهم بشكل مباشر عن حياتهم، وعن مشاكلهم. كثَّف أخصائيو العلاج النفسي الأوائل جهودهم على عملية (اللعب الرمزي)[2] وذلك كجزء من توجهاتهم النظرية لحل هذه المشكلة، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: آنَّا فرويد(1928)، ميلاني كلين (1961)، كارل روجيرس (1939)، فيرجينيا أكسلين (1947)، والأحدث بينهم والأعلى مرتبة الطبيب دونالد. وودس وينيكوت (1977)، ولم يتم التوصل إلى تغيير هذا التوجه خلال تاريخ العمل الطويل في هذا المجال. وكمثال من بين العديد جدًا من الأمثلة يصرح جينوت[3] (1961): “إن لعب الطفل هو تواصل مع الدمى بالكلمات”.

إن العمل المقدم هنا، والذي يعتمد على استخدام لغة اللعب الرمزية، ليس استثناءً وإنما يصبُّ في إطار الفكرة نفسها.

لم تكن هذه الطفلة، خاصة في البداية، قادرة أو راغبة في التحدث إليَّ بشكل مباشر عن تجربتها، غير أنها كانت مهتمة باللعب سواء بصياغة الكلمات، أو بالرسم، أو حتى مع الأخصائي الذي يعالجها. استمتعت معي بنظم القصائد التفاعلية، مما ساعد على تبيان كيفية استيعابها المباشر للقضايا المطروحة، وعلى فهم أفضل لنفسها، وتواصل أكثر سلاسة مع الأشخاص المهمين في حياتها. بجمع هذه القصائد مع القصص، والرسومات، والأحرف، التي كانت تلعب بها، وتقدم نفسها من خلالها، نخلص إلى سجلٍّ مهمٍّ لنشاطها وتقدُّمها.

أتينا

أتينا (ليس اسمها الحقيقي) طفلة مدورة الوجه، قصيرة مكتنزة، نشيطة، ذات شعر مموَّج، والداها البيولوجيان مختلطا العرق فأحدهما أبيض اللون، والثاني أفرو-أمريكي، وبالمثل، أبواها بالتبني، أم بيضاء ووالد أفرو-أمريكي. التقيتها للمرة الأولى وهي في سن السابعة والنصف، عندما أحضرها والداها بالتبني للمعالجة. (لا تعرف أتينا والديها البيولوجيين، وستتم في هذه الدراسة الإشارة إلى والديها بالتبني).

كان والداها قلقين بخصوص مشاكل سلوكها العدائي، المستهتر، غير الهيَّاب في المنزل، وبخصوص تبوُّلها ليلاً في سريرها، وإمساكها المتعمَّد عن إخراج برازها. ولم يُبَلَّغ عن أيِّ مشاكل مدرسية، بل في الواقع كانت ضمن برنامجٍ للموهوبين، والمتميزين في مدرستها، وتبلي فيه بلاء حسنًا.

من الملفت للانتباه، عند الأخذ بعين الاعتبار أعراض أتينا، أن والدتها تتصرف معها مدفوعة بأسلوب هيستيري، وهاجسي، بحيث تجبرها على الاستحمام بشكل متكرر خاصة بعد قضاء حاجتها، وتلزمها باستعمال اللفائف الورقية لتنظيف نفسها، وتوبِّخها بشأن وزنها الزائد، وتصرخ في وجهها لتحكم تثبيت حزام الأمان خاصتها. استطعت أن أفهم سلوك أمها بأنه غالبًا خارجٌ عن السيطرة، بحيث أنها تبذل جهدًا مبالغًا به لملاحقة هذه الأمور عند الطفلة لتزيل شكها وقلقها العميقين من كون أتينا تقوم بها بشكلها الصحيح. كان واضحًا بالنسبة لي أن مشاكل أتينا السلوكية نشأت إلى حدٍّ كبير من صراعها الوجل، المعارض، والمخزي مع أمها، كما أنه نابع أيضًا من خيبة أملها من والدها المحبِّ، لكن قليل الحيلة. كانت أيضًا شاهدة باستمرار – في بعض الأحيان ليس كعنصر حيادي بل كمسبِّب – على مشادَّات عنيفة بين والديها. (أسديت النصح والمشورة للوالدين في هذه الأمور بشكل مباشر قبل وبعد تبنيهم لأتينا). كان هناك شرط محسِّن: قضت أتينا معظم وقتها مع جليسة أطفال اسبانية تعيش في أمريكا، أشبه ما يكون بالجدَّات منها إلى جليسة أطفال، وكانت تعتني بها بعد المدرسة، وغالبًا هي من كانت تجيء بها إلى جلسات العلاج، وتزودها بالكثير من الثقة، والحسِّ السليم بالأمومة.

أنجز العمل المشروح هنا خلال فترة سنتين ونصف، بدأ عندما كانت أتينا في السابعة من عمرها في الصف الثاني، واستمر حتى أصبحت في العاشرة من عمرها في الصف الرابع. خلال ستة الأشهر الأخيرة، ونزولاً عند رغبة أتينا، كانت جلسات العلاج تدار بوجود أمها ومشاركتها معنا. اعتبرتُ هذا الأمر إنجازًا مذهلاً لعملنا، وبفضله وبعد سنتين من العلاج، تولَّدت لدى أتينا القدرة والرغبة في التعامل مع أمور حياتها بطريقة مباشرة، وهي القدرة والرغبة نفسها التي نظمت بهما قصائدها، وشاركت بهما في جلسات العلاج المشتركة مع أمها. خلال هذه الجلسات، وحتى آخر جلسة، فضلت أتينا الكتابة على التكلم. كان الحديث المتبادل بيننا عن طريق كتابة القصائد التفاعلية، هو الرافعة التي دفعت بعلاجها أشواطًا إلى الأمام. عندما توقف العلاج في كانون الثاني عام 2004، كانت أتينا أقل استهتارًا وعدائيًة بكثير، لكن ومع الأسف، لم تنتهِ مشكلة تبليل سريرها ليلاً، بل استمرت بالحدوث خلال فترات متباعدة. (سأتحدث بالمزيد عن هذا الموضوع فيما يلي من هذه الدراسة).

عملية العلاج:

في البداية، وكمعظم الأولاد، كانت أتينا تعرف سبب قدومها للمعالجة، كانت مهتمة بي وبزيارتها إلي، لكنها كانت تستجيب لأي محاولة لنقاش مباشر حول مشاكلها باستهجان وقهقهة ساخرة، بل في الحقيقة بإيماءة خاصة لم أفهمها حق الفهم حتى وقت لاحق من العلاج، كانت أتينا غالبًا ما تبدأ جلسات علاجها الأولى بخلع حذائها، والاستلقاء على الأرض، وتغطية وجهها بمعطفها. علقت طبعًا على ذلك سائلاً إياها فيما إذا كانت تشعر بالخجل، وتريد الاختباء، متمنية لو كانت طفلة صغيرة لا تريد التكلم… وهكذا، إلا أنها لم تكن ولا مرة قادرة على الرد عليَّ، لكنني توصلت فيما بعد إلى ما أصبح واضحًا لي في حالتها: كان هذا الاختباء تعبيرًا عن آليات الخجل التي شكلت مركزًا لكل مشاكلها، وسببًا في إعاقة تواصلها مع الآخرين.

بينما تعتمد معالجة الاضطرابات العقلية على (اللعب الرمزي)، يختلف الأطفال بشكل كبير في طرق اللعب هذه. (انظر كمثال: نظرة عامة لـكيرنبيرغ 2000 عن “أشكال اللعب”). إن التحدي القائم أمام أي أخصائي علاج نفسي يكمن في إنشاء طريقة لعب قائمة على التحاور يتم من خلالها التعبير عن الأمور والمشاكل التي يعاني منها الأطفال المعالجون، وبالتالي يبدأ العمل من خلالها. سوف أبدأ بما يبعدنا عن الألعاب التي ستختارها أتينا من صندوق الألعاب من مثل: الأربعة تربح، لعبة الأقراص والكأس[4]، كرة السلة، التي هي جيدة فيها لكنني شعرت فورًا بأنها تلعبها بهدف المعاندة وحسب. زودتها بدفتر ملاحظات غير مسطر، وبمجموعة جديدة من أقلام التلوين السحرية، وأخبرتها بأننا سنقضي على الأقل أول كل جلسة أسبوعية بالكتابة والرسم، وأن لها مطلق الحرية في اختيار رسوماتها وكتاباتها. وجدت أتينا الكتابة سهلة عليها ومارستها بعفوية، وباتت تتوقع بل وتسعد في بداية كل جلسة بالكتابة والرسم في دفتر ملاحظاتها، لكنها فضلت، أو بالأحرى لم تكن على دراية إلا بالقصص المنقولة من الكتب أو التلفاز، كانت شخصياتها دائمًا “مخيفة”، لكن نهايات قصصها قاطعة، وسعيدة نوعًا ما، ومصاغة بأسلوب نمطي. احتجنا إذًا إلى نوع من الكتابة يبتعد بأتينا عن الأسلوب النمطي الدفاعي، أسلوب أكثر تشاركية، وأكثر متعة وإدهاشًا. قررت أن أجرب الشعر التفاعلي بعد أن طرح نماذج عنه الشاعر المعاصر الأمريكي كينيث كوتش Kenneth Koch (انظر كتابه: الأمنيات، الأكذوبات، والأحلام: تعليم الأطفال كتابة الشعر). طرح كوتش (1970) بنيات شعرية تكرارية بسيطة، طالبًا من الطفل أن يأتي بقصيدة تحتوي على أفكاره الخاصة. حثَّ كوتش أيضًا على أن تحتوي القصيدة على المرونة، والغرابة، والسذاجة، والطرفة، في سبيل الابتعاد عن الكتابة النمطية. بالنسبة لي وأتينا، بات هذا الإيقاع في النظم نوعًا من النسخة الشفهية للعبة وينيكوت الشهيرة “الخربشة”. سوف أقترح عليها ما أعتقد أنه سيكون ممتعًا وهو بنية الأربعة أسطر المتكررة، فمثلاً: أربعة أسطر أكاذيب مجنونة، أربعة أسطر أخرى للأمنيات، أربعة غيرها للأمنيات الملونة، أربعة أوقات، كالتالي:

اعتدت أن أكون…

لكنني الآن…

أربعة أسطر للمقارنات تتضمن أفراد أسرتي ومقارنة كل واحد منهم بحيوان معين، أو صوت يصدره، أو أي شيء آخر. وستكون مهمة أتينا ملء الفراغات إذا جاز التعبير. شرحت لها أن لا ضرورة لتكون هذه القصائد مقفاة، أو ذات إيقاع معين فإن كلاً من عنصري التكرار والتنويع داخلها، والأفكار المتضمنة فيها هي التي ستشكلها. كان كوتش واضحًا فيما يتعلق بالقافية: “عندما تختار المفردات لهدف القافية، فهذا يعني أنك تضحي بمعنى وفكرة القصيدة”. وجدت نفسي أبتدع بنية أربعة أسطر جديدة كلما استمرينا في عملية النظم، كنت سعيدًا وأنا أنتقي أفكارًا مركزًا على المعلومات التي تصلني من تلميحات أتينا عما يدور في خلدها. كنت سعيدًا بأسلوب هذه القصائد الذي أتاح لنا الابتعاد عن النمطية والسرد الدفاعي باتجاه تعابير نضرة مليئة بأفكارنا الخاصة. أنا متأكد أنني استعملت بعضًا من خصلة المرح خاصتي لابتداع هذه القصائد، وللَّعب مع أتينا بمخيلة خصبة. أردت أن أوضح احترامي الكبير لهذا الأسلوب من التعبير حتى لو كان يؤدي إلى ترك المعنى غير واضح ولا يعبر عن المقصود تمامًا (أقلَّه في البداية). كنا نكتب في بداية كل جلسة، حتى أشعر أن أتينا اكتفت من الكتابة، فنتوقف فورًا، كنا نميل إلى إنهاء ساعتنا بلعب القرص والكأس ونحفظ النقاط لكل منا في دفتر ملاحظاتها أيضًا. لم أرد للأشياء أن تعطى قيمة أكبر منها مما يؤدي إلى نوع آخر من كبت المشاعر. لننظر الآن عن كثب إلى كتابات أتينا ورسوماتها (أسفت لبعض النقص في النقاشات التي تتطلب إحاطة كاملة واختصارها بدلاً عن ذلك ببعض الأمثلة المختارة من أكثر من سنتين ونصف السنة من العمل الثمين). في بداية تدوينها على دفتر ملاحظاتها (خريف 2001 بعمر ما بين 6-7 سنوات) استجابت أتينا لتحدي الصفحات البيضاء كما لو أنها كانت في صفها في المدرسة. رسمت (شيئًا يحمل طابعًا خاصًا بها) “خريطة أسنان” وكمثال عليها أنجزت رسمًا بيانيًا لأسنانها كشيء سبق وأن قامت بفعله أو رؤيته في صفها. رسمت قطع نقود من فئة العشر سنتات ومن فئة الخمسة والعشرين سنتًا، وقامت بعدِّها كما في حصة الرياضيات. عندما اقترحت عليها أنها ربما تريد قصَّ بعض القصص، حينها بدأت تتكلم قليلاً، وتنفرد برواية القصص من دون مساعدتي. في ربيع 2002، وفي سنِّ ثماني سنوات بدأت بسردٍ مختلف لقصة مغامرات أليس في بلاد العجائب. رسمت أتينا الملكة بطريقة ساحرة ومطابقة للقصة مع “مؤخرة كبيرة”، وكان هناك رجل بأسنان كبيرة جدًا “لدرجة أنها تخرج من فمه” أما أليس فكانت “حقًّا، حقًّا، خائفة ومرعوبة” كما سنرى فيما بعد، سيظهر الأرنب الذي قاد أليس خلال هذا (الحلم السيء) في القصائد التي صاغتها.

كان لشخصياتها مغامراتٍ مخيفة، ولكنها كانت تتجاوز هذا الخوف بالتوصل إلى نهايات سعيدة ولو كانت مبنية بشكل واهٍ. قامت أتينا برسم رائع مليء بالأمنيات لعائلتها تحت عنوان (أمي وأبي يحبان بعضهما البعض) الشكل (1).

 

الشكل (1) أبي وأمي هما قلبي

حاولت أن أجعل أتينا تفكر بعائلات أخرى لا تخصها، وأبديت حماسي لتقدمها في عملية اللعب التي تقوم بها. وبالنتيجة، قامت برسم عائلة رجل الثلج تقود دراجاتها في طريقها إلى أرض العجائب الثلجية لتفادي الذوبان. رسمت أيضًا عائلة عصافير، كان الأب فيها طائر أبو زريق، والأم طائر آخر (طائر أمريكي مغرد) وتبدو في موضع رئاسة العائلة، أمَّا العصفور الابن فكان يشبه الأب إلى حدٍّ كبير. وهنا أورد قصة روتها أتينا (سأسردها بمفرداتها وجملها، لكن من دون رسومها التوضيحية الذاخرة بالألوان):

في قديم الزمان، كان هناك صبي يبكي دائمًا، فمه كبير جدًا وواسع لدرجة أنك ترى كهفًا وليس فمًا في وجهه، يعتقد أصدقاؤه أنه غريب الأطوار، أعطوه بعضًا من حلواه المفضلة التي كانت على شكل عقد يوضع حول الرقبة، لكن عنقه كانت سمينة لا تناسب عقد الحلوى، لذا ظل يبكي ويبكي، فكبر فمه أكثر فأكثر. له بشرة برتقالية اللون مبقعة، لذلك لم يكن أصدقاؤه يلعبون معه. عندما كبر هذا الصبي أصبح مهرجًا، وأصبح فمه سعيدًا أخيرًا.

الآن سأورد بعض القصائد التي كتبتها في خريف عام 2002 وهي ما بين السادسة والثامنة من عمرها، القصيدة الأولى قمت بنظمها معها بهدف تعليمها آلية النظم، لكن اهتمام أتينا كان منصبًا على الشكل فقط. (كل النصوص اللاحقة مسرودة بمفردات وجمل أتينا).

قصيدة أمنيات:

أتمنى، أتمنى لو كنت سمكة
أتمنى لو أعود لروضتي من جديد
أتمنى لو عندي وحيد قرن
أتمنى لو كان القمر كعكة كبيرة.

قصيدة مقارنات:

أمي كالأسد عندما تصرخ
أبي كالديناصور عندما يمشي
حاضنتي كالحَمَل عندما تكون سعيدة
وأنا كالشمبانزي عندما أقفز في الأرجاء.

قصيدة ألوان:

أبي أزرق لأنني وضعت حبرًا أزرق في بركة السباحة
أمي خضراء لأنها خطت فوق العشب
جربوعي أسود لأنه تمرغ في الأوحال
وأنا صفراء لأنني أشعُّ مثل الشمس

قصيدة مقارنات أخرى:

رجلي مثل مشبك مطاطي لأنها مرنة
رأسي مثل مصاصة الحلوى لأنه سمين
بطني مثل الترامبولين لأنه مليء دائمًا
قلبي مثل شخص سعيد لأنه مسرور

أبقت أتينا على رغبتها بصياغة نهايات سعيدة. لاحظ في الشكل الأول أنه على الرغم من أن القلب شكله صحيح من الناحية التشريحية، إلا أن أتينا رسمت نفسها شقراء الشعر، بيضاء اللون، (مع أن يداها لونهما بني)، إذًا إن سعادتها غير مقنعة.

وقعنا في آذار ونيسان لعام 2003 عندما كانت أتينا في التاسعة من عمرها على استعارة لمشاعرها، مركزية ومنظمة في شخصية (الأرنب المرعب):

اعتاد الأرنب المرعب أن يكون حزينًا لكنه الآن سعيد
اعتاد الأرنب المرعب أن يكون مجنونًا لكنه الآن غاضب
اعتاد الأرنب المرعب أن يكون نعسانًا لكنه الآن حردان
اعتاد الأرنب المرعب أن يكون سمينًا لكنه الآن نحيف.

“في قديم الزمان كان هناك أرنب، لكنه لم يكن أرنبًا عاديًا. ذهب إلى المدرسة، وكان الأذكى من بين جميع الطلاب، يجيب عن كل الأسئلة التي تطرح أفضل حتى من طلاب الصف الخامس. كان أيضًا يحصل على الجوائز الرمزية والحلوى كونه تلميذ مميز. ابتسم ذات ليلة مطولاً أمام المرآة لدرجة أن ابتسامته التصقت به، حتى لو حزن تبقى الابتسامة مرسومة على وجهه، ولذلك بدأ الجميع بالضحك عليه، لكنه الآن عاد إلى طبيعته، وأصدقاؤه أيضًا ما عادوا يضحكون منه”.

– قال الأرنب المرعب: لا لأنه يكره الجزر
قال الأرنب المرعب: لا لأنه سمين
قال الأرنب المرعب: لا لأنه ليس نحيفًا
قال الأرنب المرعب: لا لأنه لا يستطيع أكل الحلوى.

*

يشعر الأرنب المرعب بالحزن لأن أصدقاءه يضحكون منه
يشعر الأرنب المرعب باللؤم لأنه متسلط
يشعر الأرنب المرعب بالسعادة لأن أصدقاءه لا يضحكون منه
يشعر الأرنب المرعب بأنه غريب لأن أذنيه تتدليان على وجهه
يشعر الأرنب المرعب بأنه غريب أيضًا لأن لديه معدتين.

*

يشعر الأرنب المرعب بالارتباك لأنه سمين
يشعر الأرنب المرعب بالخجل لأن لا أصدقاء لديه
يشعر الأرنب المرعب بالارتباك لأنه يأكل كثيرًا
يشعر الأرنب المخجل بالارتباك لأن أذنيه تقعان على وجهه عندما يكون في المدرسة يحل مسائل الرياضيات في دفتر التمارين. تمامًا مثل ميا. إنه مرتبك!!!

لاحظ هنا حرية التعبير عن المشاعر السلبية – بعضها متأتٍّ عن الإنكار – إن أتينا قلقة من كونها سمينة (كانت الأم ضاغطة جدًا فيما يخص النظام الغذائي لأتينا)، وهي خجلة أيضًا (الأمر الذي يدل على ذلك هو الارتباك التي تسبك به قصيدتها). صورة (الأرنب المرعب) التي تتماشى مع القصيدة عنه نجدها في الشكل (2).

الشكل (2): الأرنب المرعب

الآن، في بعض الجلسات اللاحقة، وضمن حالة أخرى من الإنكار، أوردُ رسمًا آخر يوضح حرجها (يجب أن أقول هنا إن هذا الرسم يشكل شبهًا جيدًا بينها وبين الشخصيات الكرتونية الي تراها في التلفاز) انظر الشكل (3).

الشكل (3): أنا، في حالة من الحرج بسبب امتحان مادة الرياضيات

بعد رسم “حالة الإحراج” في الفترة ما بين (حزيران وخريف 2003) وفي عمر التاسعة بدأت أتينا تصبح قادرة على التعبير عن مشاعرها حيال ما يدور في داخلها بشكل مباشر، وذلك على شكل سلسلة من قصائد عنونتها بـ:

“ما الذي يزعجني؟”

– صراخ أمي يزعجني
جعجعة أمي تزعجني
لا تحب أمي (بِن) مما يزعجني

يصاحب هذه القصيدة رسومات ملونة بأقلام التلوين السحرية كالتالي: الأصفر (أمي، بشرة فاتحة) وباللونين الأسود والبني (أنا، لوني أسمر غامق)، أما (بِن) فهو صديقها المفضل، لكن من وجهة نظر أمها له تأثير سيئ عليها. في كانون الأول من عام 2004، ما بين الثامنة والتاسعة من عمرها، بدأنا جلسات مشتركة مع أمها – بطلب من أمها في البداية – ثم بطلب منها فيما بعد. كانت أتينا – في هذه الجلسات – تستلقي على الأرض وتستمع إلى أحاديثي مع أمها، أو تحشر نفسها أحيانًا أخرى مصفِّرة لحنًا شائعًا، بينما تجلس أمها على الكرسي تتحدث إليَّ، مشتكية في الغالب من أتينا. أضرب أنا على الوتر الحساس هنا من خلال جعل أتينا تستمر في الكتابة خلال هذه الجلسات، فأعطيها ورقتها وأقلام التلوين وأخبرها أن باستطاعتها الكتابة والرسم بينما نحن نتكلم، ومن ثم أفتح درجًا في مكتبي معتبرًا إياه بمثابة صندوق بريدي، وأشير إلى أتينا بذلك بحيث بإمكانها أن ترسل لي الرسائل من خلاله. أحبت أتينا الفكرة وبدأت بإرسال رسائلها، وكلما وردتني رسالة منها كنت أتوقف عن التحدث أو الاستماع في الجلسة وأقول لأمها: “المعذرة، أعتقد أن رسالة وصلتني”. أحيانًا كنت أردُّ على الرسالة، سائلاً أتينا إذا كان بإمكاني مشاركة بريدي مع أمها، الأمر الذي كانت دائمًا توافق عليه. أعتقد أيضًا أن هذه اللعبة، إضافة إلى حضوري، زوَّدا الأم بإحساس إحكام السيطرة، في مقابل إحساسها في أغلب الأوقات بالغضب والخجل بشكل خارج عن سيطرتها.

فيما يلي عينة من محادثة جرت في نيسان 2004، عندما كانت أتينا ما بين التاسعة والعاشرة من عمرها. كانت أمها تشتكي دائمًا من علاقتها بصديقها (بِن)، كنا نتبادل أنا وأتينا “الرسائل” حول ذلك مُعدين ردودًا ومُرسلينها إلى بعضنا البعض، ثم أقرأ أنا بصوت عالٍ على مسمع من أمها:

هـ: لماذا تدعين (بِن) ليزورك في الوقت الذي تمنعك أمك عن ذلك؟

أ: لأنني أريد أن أقضي وقتًا برفقته.

هـ: لكن أمك تغضب كثيرًا، ألا يزعجك هذا؟

أ: قليلاً.

هـ: إذًا، ماذا يجب أن نفعل بهذا الصدد؟

أ: نتفق على مواعيد للعب فقط في أيام العطل.

هـ: كيف نتوصل إلى علاقة جيدة بينك وبين أمك؟

أ: بأن نتحدث معًا، ونكون هادئتين فلا نصرخ أو نكون لئيمتين مع بعضنا.

في حوالي ذلك الوقت، عندما كانت أتينا في العاشرة من عمرها، وبمساعدة مربيتها (التي كانت متواجدة طوال الوقت) أحضرت أتينا رسالة أرسلتها إلى “صندوق بريدي” كي أعطيها لأمها فيما بعد، احترمت رغبتها وأعطيت الرسالة الأهمية المناسبة كوثيقة مهمة لدى أتينا:

أكره الوضع عندما تصرخين، وتدخلين في مشادات عنيفة مع أبي، لذا أرجوك يا أمي أن تدعي أبي يتحدث، وأنت يا أبي أحبب أمي أكثر لأنها تحبك وتبكي كثيرًا من أجلك، وأنا أنزعج للغاية عندما أراها تبكي كثيرًا. أرجوك أحبب أمي كثيرًا. عندما تتشاجران تنخدش أذناي من صوت الصراخ، وأشعر بالرعب فأختبئ تحت الغطاء وأتبول في سريري. لا أحب يا أمي أن تشقِّي صفحات من كتب أبي، وأشعر بانزعاج شديد عندما تضربينه، وأنت يا أبي، لا أحب أن تطلق الشتائم في وجه أمي، وأريد أن تتوقف الآن. يسبب شجاركما لي الكوابيس في الليل لأستيقظ في صباح اليوم التالي منزعجة وأقضي يومًا سيئًا في المدرسة. لست سعيدة، كم أنزعج يا أمي عندما يغلق أبي الباب وتبدئين أنت بالخبط عليه وكأنك ستكسرينه، أبي، أكره عندما تشد شعر أمي، إنها تبكي أيامًا بعدها، أريدك أن تكون سعيدًا لأستطيع أنا أن أكون سعيدة. مع حبي. أتينا.

عبرت أتينا عن هذه الرسالة برسم يضم أباها وأمها وهي معلقة بينهما مثل بالون مربوط بخيط.

أرسلت أتينا “بريدًا هوائيًا” لي أيضًا معبرة فيه عن امتنانها (وحبها) لي ولتطور علاجها على يدي. (دعوناه بريدًا هوائيًا لكونها تطوي الورقة على شكل طائرة وترسلها لي عبر الهواء). أوردُ اثنتين من هذه الرسائل في الشكل (4).

الشكل (4): “عمل جيد”- “ليبارك الله هنري”

في الجلسة التي تلت استلام رسالة أمها نمت قدرة أتينا على التعبير المباشر عما تريده بشكل كبير، وها هي واحدة من رسائلها الطيارة تجيب فيها عن السؤال الخاص بمشكلة التبول عندها:

عزيزي الطبيب هنري:

الوضع جيد عمومًا، لكنه لا يفتأ يحدث في بعض الأحيان، إنه أشبه ما يكون بنمط ما، كأن يحصل في أحد الأسابيع ثم لا يحصل في الأسبوع الذي يليه، وهكذا، كذلك الأمر بالنسبة لكامل الأسبوع الذي لا يتشاجر فيه أبي وأمي، والسبب في الغالب يتعلق بأنهم يحظون فيه ببعض الوقت الخاص بهم.

هذه عينة من آخر القصائد التي نظمتها أتينا وفقًا لرغبتها بأن تصوغ قصائدها الخاصة من دون مساعدتي، وكان لها ما أرادت:

أبي يصرخ
أمي شريرة
أنا لست مثلهما…إنه لنظم رديء

عندما توقفت أتينا عاجزة عن إكمال هذه القصيدة، اقترحت عليها أنه ربما تريد أن تتوسع في الشرح – أو قد يكون من الممتع أحيانًا أن تقلب الأمور رأسًا على عقب بحيث تسرد أضداد الحقائق كالتالي:

أمي ملكة غاضبة
أبي جوكر هزلي
أنا أميرة المقالب – وأكثر
جربوعي حيوان أليف نائم

***

أمي فأرة هادئة
أبي قرد باكٍ
أنا شريرة الأشرار، متجهمة
جربوعي نشيط وشقي، صوته عالٍ مثل التنين يوقظ كل الجيران.

كانت سعادتي كبيرة مع تزايد قدرة أتينا على التعبير عن إحساسها المعقد نحو أمها وأبيها ونحو نفسها أيضًا: بدأت تدرك أنه يمكن لنفس الأشخاص أن يمثلوا شيئًا معينًا، ونقيضه في ذات الوقت، وأنها تحمل بعض المسؤولية إزاء المشاكل التي تتعرض لها أسرتها. اعتبرت حيوانها الأليف بمثابة (أنا ثانية لها) وذُكر باستمرار في دفتر ملاحظاتها، كما أشارت هي إليه في إحدى القصائد بأنه “حيوانها المخرمش”. آخر قصائدها – المؤلفة بأسلوب قائمة الكلمتين – كلمة بمعنى إيجابي في اليمين يقابلها في اليسار كلمة بمعنى سلبي – (هي بالطبع من اختار الكلمات). أعدتُ كتابة القصيدة كما ارتأت هي أن نكتبها والكلمات المسطرة من كتابتها هي:

أمي                    تجرح
الحيوانات                        غاضبة
الحلويات                         مخيفة
اللطف                           لئيم
الظرافة                          سيئة
المتعة                           مضجرة
مشاعر                          كره
أنا                     محرجة

أحب أمي وأبي لكنهم يغضبون أحيانًا
أكره أمي عندما تكون لئيمة
تصبح الحيوانات شريرة عندما نؤذيها أو نخيفها
أكره نفسي عندما أخاف
عندما تعطيني أمي الحب لا أخاف
بهذه الطريقة إذًا، فُرغت المشاعر السلبية والخوف في استعارة “الأرنب المرعب”.

النتائج:

أعتقد أن أي طبيب سريري مختص بالتحليل النفسي سيتفق معي على أن هذه الدراسة العملية هي عبارة عن موالفة ناجحة لاثنين من الفنون (الرسم والشعر) بالإضافة إلى كونها علاج نفسي ناجح. كان من بين الإنجازات المهمة لعملية العلاج هذه تزايد قدرة أتينا على التعبير المباشر والصريح عن قلقها – وخجلها أيضًا – فيما يخص قضايا جسدها (لون بشرتها ووزنها)، وتزايد قدرتها أيضًا على التعبير عن قلقها إزاء كونها محبوبة أم لا. والأمر الأكثر تأثيرًا هو نمو قدرتها على الاعتراف بمشاكلها والإفصاح عن مشاعرها وإيجاد الصلات ما بين هذه المشاعر المختلفة التي تعتمل في داخلها، وتحمُّلها لهذه المشاعر بنفسها (يشمل ذلك مشاعر الرعب، وطريقة تعاملها اللئيمة، وبغضها لنفسها في ظل عدم تأكدها بأنها محبوبة).

أيضًا، هناك تغييرات فيما يتعلق بالطريقة التي تتواصل أو تتفاعل من خلالها أتينا مع أمها وأبيها، حيث أصبحت لديها القدرة على إيجاد طريقة من خلال الكتابة – وطبعًا من خلال دعم الطبيب المعالج لها – لتعبر من خلالها لأبيها وأمها عن تأثير الأجواء العائلية المشحونة بشجاراتهما الدائمة عليها.

بالنسبة للأعراض البادية عليها بعد فترة العلاج، تم إخباري أنها أصبحت طيعة أكثر في الجدالات العائلية، وأصبح لها دور متعاون في سير حياة الأسرة اليومية. لم تعد أمها تشتكي من مشاكل جذرية معها، إلا أنه مع الأسف، وبالرغم من تراجعها والسيطرة عليها أكثر من قبل بكثير، لم تنتهِ مشكلة تبولها الليلي بشكل نهائي خلال الفترة التي انقطع فيها العلاج في حزيران 2004 وهي في عامها العاشر وثلاثة أشهر، حيث انقطع العلاج بسبب العطلة الصيفية مع وعد من أمها بأنها ستعيدها إليه في الخريف، وللأسف لم تحافظ الأم على وعدها، وباءت محاولاتي بالتواصل معها ثانية بالفشل.

لحق بخيبة الأمل هذه حدث صغير أثار انتباهي وسروري في ذات الوقت، حيث وردني اتصال هاتفي من أم أتينا تخبرني فيه أنه خلال زيارتها لطبيب الأطفال طرحت أتينا أمامه مشكلة تبولها الليلي اللاإرادي! طالبة المساعدة. حوَّلها هذا الطبيب إلى طبيب أخصائي في المسالك البولية الذي وصف لها دواءً يقلل من حاجتها إلى التبول خلال الليل. أما أنا، وفيما لدي شكوكي الخاصة اتجاه هذا العلاج، فقد أملت أن يساعدها على تغيير عادتها بالتبول الليلي، لكن، وعلى أي حال، اعتبرت كونها طرحت هذه المشكلة أمام الطبيب بمثابة إنجاز هام لعملنا المشترك حيث استطاعت أتينا من خلاله أن تسأل المساعدة عن مشكلتها بشكل مباشر.

أعتقد أنني أعطيت أتينا الوسائل – الشعر والعلاج النفسي المناسب – لتتقدم فيما أخشى بأنه يعد بأن يكون حياة صعبة، كما أعتقد أنها ستكون قادرة على خوض غمار تجربة علاج نفسي جديدة كفتاة بالغة حين يحين الوقت لذلك.

ملاحظات ختامية:

على الرغم من أني ناقشت في دراستي السابقة (سيدين 2014 أ-2014 ب) أنه يوجد في كل من فنِّي المعالجة النفسية والشعر خصائص وصفات مهمة جدًا لعملنا كمحللين نفسيين، أوردُ هنا خاصية وصفة رئيسية لتأكيد ما قيل أعلاه: (الفن يخلق الخبرة). يقول الشاعر والاك ستيفينز[5] Wallace Stevens:

عندما نعثر في الشعر على ما يعطينا وجودًا لحظيًا لبناء متقن لقصيدة ما، فهل من الضروري وقتذاك أن نسأل عن شرح لهذه القصيدة؟ وإذا أمكن إيجاد شرح لها وكان هذا الشرح يبدد الخلط في معناها فهل نكون خسرنا أم ربحنا؟

أعتقد أن المعالجين النفسيين ربما يجدون ما يتعلموه هنا. فوفقًا لوجهة نظر الشاعر، شرحُ القصيدة له أهمية أقل مما كنا نعتقد سابقًا بحسب ما تعلمناه. ربما تستطيع عملية خلق الخبرة تفاعليًا سواء من خلال المناقشة أو اللعب الرمزي أو في حالة القصائد التشاركية النظم، أن تسمح من خلال العمل المشترك بالقليل جدًا من الشرح.

كنت وأتينا قادرين على الانتقال من “الأرنب المرعب يشعر بالإحراج” إلى “أنا أشعر بالإحراج” إلى “أكره نفسي عندما أخاف”، وذلك يعود باعتقادي إلى كوني اخترت ألاَّ أشرح الرموز بل أن أجعلها تتكلم – آنيًا على الأقل – عن نفسها. لم أقل أبدًا الأشياء التي ربما يُتوقع أن يقولها المعالج النفسي كـ: «أنتِ الأرنب المرعب» أو «يبدو أنك تشعرين أحيانًا كما يشعر الأرنب المرعب». أعتقد أنني لم أضطر – أقلَّه حتى الآن – ولم أرد أن أكتب التعبير الخاص بها بمفرداتي الشخصية.

درسٌ ثان: المرح والاستمتاع خلال عملية المعالجة هو جزء هام من اكتساب الخبرة الفنية، كما أنه مهم لاكتساب الخبرة الخاصة بالتحليل النفسي. أعلن وينيكوت على الملأ في كتابه The Piggle: An Account of the Psychoanalytic Treatment of a Little Girl (1977) (البيغل: تقرير عن عملية العلاج النفسي لطفلة صغيرة) عن الدور المهم لاستمتاع الطفل المعالج في عملية اللعب المشتركة بينه وبين الطبيب المعالج.

لكن المرح والاستمتاع هما أكثر من مطلب تكنيكي. من الجيد أن نتذكر أن طرق التحليل النفسي تقدم للمريض ما هو أكثر من الراحة النفسية. عندما يكون عملنا في أفضل حالاته فهذا يعني أننا نستطيع أن نقدم للمريض أفضل الطرق للعلاج، سواء من خلال مساعدته على فهم ذاته، وفهم فضوله اتجاه العالم المحيط، ومن خلال ممارسة الأسلوب الحافل باللعب الهادف (كما كان وينيكوت سيقول في هذا المقام)، وإضفاء نكهة مميزة على طريقة سبر غور مخيلته، وسيتمكن المريض لاحقًا من اتخاذه هذه الطرق وسيلة دفع إيجابية في حياته، وهي لا تختلف أيضًا عن الطرق التي اتبعتها مع أتينا وولَّدت حالة من السعادة والمرح عشناها معًا من خلال نظم شعرها وقصصها ورسم لوحاتها.

أخيرًا، أعتقد أن هذه الدراسة قد ألقت الضوء على المماثلة ما بين عملية نظم الشعر وعملية العلاج النفسي. الكتابة هي طريقة حوار، تمامًا كالمحادثة الكلامية. ليس ثمة كاتب من دون وجود قارئ. وبما أنه يتحتم على المكتوب أن يوضع على ورقة، فإن شرط الكاتب – سواء أكانت الكتابة تفاعلية أم لا – هو توقعه وانتظاره أن يُقرأ وأن يُسمع رأيه المكتوب.

إذًا: كل مريض يتم علاجه في عياداتنا يتوقع أنه عندما يعبر عما يدور في داخله، فإن أحدًا سيهتمُّ ويسمع.

إن الوثيقة المهمة لأتينا – رسالتها إلى والديها التي ساعدتها حاضنتها في صياغتها – التي سُلمت من قبل طبيبها المعالج هي وسيلتها للتعبير عن نفسها، والتي تتوقع وتؤمن بأنها ستُسمع من قبل أولئك الذين يجب أن يسمعوها.

*** *** ***

REFERENCES

Axline V. Play Therapy. New York, NY: Houghton Miffl in, 1947.

Drisko J. A Short History of Play Therapy. (Available at: http://sophia.smith.edu/~jdrisko/ playtimeline.htm).

Freud A. (1928) The Psycho-Analytical Treatment of Children. New York, NY: International Universities Press, 1955.

Ginott H. Between Parent and Child. New York, NY: Avon, 1961. Kernberg P. The forms of play. In: Klitzing K, Tyson P, Burgin D (eds), Psychoanalysis in Childhood and Adolescence. Basel: Karger

Klein M. Narrative of a Child Psycho-Analysis. London: Hogarth, 1961.

Koch K. Wishes, Lies, and Dreams: Teaching Children to Write Poetry. New York, NY: HarperCollins, 1970.Seiden184

Rogers C. The Clinical Treatment of the Problem Child. Boston, MA: Houghton Miffl in, 1939.

Seiden H. On the “music of thought:” the use of metaphor in poetry and in psychoanalysis. Psychoanalysis and Psychology 2004a; 21: 638–644.

Seiden H. On relying on metaphor: what psycholanalyists might learn from Wallace Stevens. Psychoanalysis and Psychology 2004b; 21: 480–487. Stevens W. Opus Posthumous: Poems, Plays, Prose (revised and expanded edition). New York, NY: Vintage/Random House, 1990.

Winnicott DW. Therapeutic Consultations in Child Psychiatry. New York, NY: Basic Books, 1971a.

Winnicott DW. Playing and Reality. London: Tavistock, 1971b

Winnicott DW. The Piggle: An Account of the Psychoanalytic Treatment of a Little Girl. Madison CT: International Universities Press, 1977

 

* هنري م. سيدين Henry M. Seiden: طبيب وأخصائي علاج نفسي أمريكي الجنسية، ممارس لمهنته منذ عام 1970، يقدم استشارات نفسية للأهالي والأطفال معًا، له مقالات ودراسات عن استخدام الشعر والرسم في عملية العلاج النفسي. [المترجمة]

[1] دونالد وودس وينيكوت: (1896-1971) أخصائي طب أطفال ومحلل نفسي انكليزي الجنسية، له نفوذ خاص في حقل (نظرية علاقات الموضوع) كما له العديد من الكتب نذكر منها: (اللعب والواقع). [المترجمة]

https://en.wikipedia.org/wiki/Donald_Winnicott

[2] اللعب الرمزي: هو قدرة الطفل على استخدام مفهوم ما لتمثيل مفهوم آخر، أو القيام بعمل ما يرمز إلى عمل آخر، أو التعبير عن فكرة بقصد إظهار فكرة أخرى. [المترجمة]

https://www.reference.com/art-literature/symbolic-play-a5225bd9ec09ca45

[3] هايم ج.جينوت (1922-1973): مدرس، وأخصائي في الطب النفسي للأطفال ومستشار اجتماعي للأهل. له دور رائد في صياغة تقنيات التواصل مع الأطفال في مرحلة التعليم الأساسي. له كتاب بالغ الأهمية وذو شعبية كبيرة في هذا المجال: بين الأهل والطفل. [المترجمة]

https://en.wikipedia.org/wiki/Haim_Ginott

[4] لعبة يحاول فيها المرء أن يحصل على قرص صغير في الكأس من خلال تقليبه بقرص آخر أكبر منه وذلك على سطح مستو. [المترجم]

[5] والاس ستيفينز (1879-1955): شاعر أمريكي حائز على جائزة بوليتيزر للشعر، صوَّر الإنسان مخلوقًا مخلدًا بلا أمل في حياة بعد الموت. ويرى أن الناس يواجهون دائمًا عدم مبالاة الطبيعة الواضح، مع تيقنهم بالموت وشعورهم بالتفسخ الأخلاقي والمادي الذي يحصل حولهم.

((معابر))

http://maaber.50megs.com/issue_march17/depth_psychology1.htm