سبهري فضاء أخضر
لاشك ان سهراب سبهري واحد من كبار الشعراء الإيرانيين المعاصرين. رسام وشاعر, لوحاته تقطر شعرا, وقصائده ترسم حالات شعرية, للتجربتين مصدر واحد. هذا المصدر كما يبدو لنا علاقته الصوفية مع الطبيعة ومكاشفته الخصبة للإيقاع السري لكل خفقة حياة للبشر والأشياء, وحنينه إلى الجذور. وكما هو وحيد في حياته كذلك في أسلوبه الشعري. انه دائما خارج التيارات, الأفكار السائدة, الاتجاهات السياسية والتي في بلد مثل إيران وللأسف ما هي سوى طعم شديد الإغراء. لهذا السبب توجه برؤيته وبدون توقف إلى اللحظات المليئة بحضور الأحداث المعجزة التي في كل لحظة, ومع كل استرجاع للأنفاس, تنجز المصير اللامرئي لكوننا.

وهذا لا يعني أن سبهري خارج عصره. على العكس من ذلك فروح عصرنا, والانحدار التدريجي للقيم, وظهور فكرة البحث عن الجذور تجد صداها في أعماله. ولكن قلق الشاعر ليس بيأس روح تائهة متباكية على الأطلال المتفحمة للزمن, إنه بحث عن نبع حيث تنبثق كل تجربة إنسانية.

طفل الصحراء, من قاشان التي يعشقها ويلجأ إليها معظم أشهر السنة, فارضا على نفسه نظاما شبيها بنظام التنسك, في العزلة والصمت يعيش وحدته, يحسها, ويقطرها, خالقا منها جدارا هشا يحيط به كهالة النور, مخدرا بهذه الشفافية, مستسلما لنزوته, يمارس موهبته رساما أو شاعرا: متنقلا بين الريشة والقلم, متعاطيا الاثنين بذات البراعة وثبات البديهة.

على حافة تنتظم صفوفا حول الصحراء الوسطى لإيران, مثل حبات فيروز سبحة, تبدو قاشان مركزا لكوكبة من الواحات الساحرة. الخضرة المفرطة على خاصرة جبل تتفتح على ينابيع من المياه العذبة النقية, حيث تلجأ أشجار الصفصاف والحور, والعنادل والسنونو, خالقة وسط رحابة الأرض المجدبة سيمفونية خاطفة, سرابا من الانتعاش والراحة, حيث صفحة التاريخ فارغة كالسراج المقفر للوقت. يعرف سبهري وبتفرد محطات الصحراء هذه. سجادها الأخضر الذي يستقبل الخطى المهتاجة للحجاج, رؤية القبب الزرقاء المشعة في لازورد السماء, إن طوبوغرافيا ارض السراب هذه هي ما يعيد إنتاجه بهياج روحي في قصيدته, كما في رؤية تشكيلية في لوحة.

متجذر في أرضه كأي شاعر أصيل, يرتوي من النسغ المرضع لوطنه, هذا النسغ سواء شئنا أم لم نشأ, في بلد ذي تراث شعري ضخم كإيران له نكهة روحانية.هناك في الواقع ما يشبه الروحانية الطبيعية تمتزج بعبقرية اللغة الفارسية, روحانية تنبعث من هيئة أسلوبها المليء بالغموض, من التعدد المتزامن للكلمات الممتدة على العديد من اللهجات, من التماسك النموذجي للصور التي تحتويها. كل حب يمكن أن يسمو إلى حب إلهي, كل مقهى مكان للفسق ومكان لنسيان الذات, فيها يمكن لكل نظرة أن تكتسب الشفرة القاطعة لرؤية تأملية. ولكن ورغم تشربه بهذا الجو الرؤيوي فإن سبهري يتجنب كل الكليشيهات السهلة التي يزخر بها الأدب التقليدي الإيراني. وريث شرعي لذاكرة خصبة, يعيشها في سياق معاصر لزماننا الحائر, في هذا العصر حيث يسود (صعود الفولاذ), حيث (الأرض السوداء مرعى للرافعات). وبإيحاء من رعب هذا الاغتراب الكوني يتحول وبفضل حركة عودة, حينا في (رعب شفاف) وحينا في (حميمية متموجة للفضاء المقدس), وحينا آخر في (نافورة تنبثق منها اساطير الارض).

الموضوع الخالد للروحانية في إيران يجد لديه شكلا متحررا من الأماكن العامة التي ترتادها تقاليد غنية بالصور, شكل يدفعنا للتفكير أحيانا في مراثي ريلكه, و في البحث عن الوردة الزرقاء لدى نوفاليس, وفي الحنين المسائي لطاغور و في العفوية اللحظية لفكر الشرق الاقصى. وبخلاف العديد من شعرائنا الحديثين يمتلك سبهري ثقافة كونية. لقد قرأ كبار الشعراء المعاصرين من الامريكتين وآسيا. يقظ الفكر في نغمة الأعالي, غاسلا عينيه في نسمات الأراضي الشاسعة, سبهري طفل الصحراء الإيرانية الذي يرى عالم اليوم بحياء هلع التجريد.

لا يرغب في أن يحد شجرة نسله السهل الإيراني. يذهب للبحث عن أسلافه الأسطوريين في سلالة (نبتة معجزة من الهند) كما لدى (عاهرة خرافية) من آسيا الوسطى. سبهري يحب آسيا. ما يكنه من حب للطبيعة يربطه بقربى مع كبار شعراء الطبيعة في اليابان والصين. ومن ذلك إقامته الطويلة في اليابان, حيث درس الحفر على الخشب على يد معلم ياباني علمه فن تجريد الفراغ الذي يعد اليابانيون أساتذته.

حبه للهند فتح آفاقه على اللغة الأساسية للأساطير. طفل الصحراء هذا أقام طويلا في فرنسا وأمريكا.

لو سرنا على خطى باشلار في البحث عن (الخيال المادي) لسبهري, لقلنا بأنه شاعر العنصر السائل و منتزع الجوهر المائي. ولكن العنصر المقصود هنا ليس المياه النائمة الخاملة رمز الوعي العميق للذات, كما نجدها عند ادغار الن بو, ولكن الماء كعنصر أصيل يطهر الروح, معمدا إياها في حركة مد لولادة دائمة, الماء كمادة شفافة تجري في الأوردة اللامرئية لكل الأحداث, الماء كمبدأ خيميائي للتحولات: ذاك الذي يثير الشلالات الصغيرة الضاحكة في الحدائق, ذاك الذي يخفق في جداول العزلة, الذي يحلم في قنوات الري الرهيفة, الذي ينام في مرآة بساط نعس, ذاك الذي يسقي نظرة الصباح المنعشة, متفتحا كما القبلة الحذرة في الندى الخافت للتواصل.

سيبدو لنا بان الشاعر يعيد إنتاج النشيد الدائم الحضور للإلهة (اناهيتا) الحارسة القديمة للماء في إيران, لهذه الأرض الشديدة الغيرة من دموعها, ألا يلقي ذلك على عاتق الشاعر استخلاص المادة الكريمة بجهود صبورة وأدعية مستمرة. وللعنصر المائي لدى سبهري علاقة باللون الأخضر, وليس مصادفة أن يكون عنوان اجمل مجموعاته الشعرية (الفضاء الأخضر) فاللون الأخضر للنبوة المحمدية هو أيضا فيض الغلة الخصبة للطبيعة, هناك حيث تنبت الشجرة ينمو العشب ويتفجر البذر النائم من الأرض, وهو الاستقبال الرطب لواحة فيها يتزاوج الماء والخضرة ليصبحا رمزا لكل حياة كما لكل بعث.

إنها ارض (اكسفارناه) حيث لجأ ذات زمان زرادشت, وهي أيضا الجزيرة الخضراء الواقعة في البحر الأبيض على قمة الجبل العالي حيث ينبثق نبع الماء المندفع تحت شجرة عملاقة. وهناك أيضا المعبد حيث اختفى الإمام الغائب, سيد الزمان, والذي سيأتي في آخر الزمان ليختم دائرة عيوننا. الماء والخضرة هما المصدران اللذان ينهل منهما طفل الصحراء بنظرة صافية كالماء, وخضراء كالأراضي الأسطورية للخيال يكتشف سبهري النعاس الكوني الذي يضم الواقع الراهن, وهذا النعاس (الأخضر كحلم الإله) هو ما يعنيه عندما يقول لجميلة عزلته:

حينها

احك لي قصة القنابل التي تساقطت أثناء نومي,

والخدود التي بللها الندى ساعة غفوتي,

وكم من البطات عبرت فوق البحار

وهذه الأوقات المضطربة,

حيث تعبر سلاسل المدرعات أحلام الأطفال,

أخبرني: تحت أقدام أي ملجأ أوثق الكناري الخيط الأصفر لغنائه.

وراء خلفية عصرنا يتفتح العمق السحيق لنعاس الشاعر الذي يشبه (مايا) فيشنو:

النائمة على سريرها الثعباني, ترى في خيالها تفاهة الحالة البشرية التي تتفجر كالفقاعات على محيط المياه الأولى.

والى هذه النظرة المليئة بنعاس سحري يجتمع ملمح آخر ألا وهو الفكاهة. فكاهة تتكون من سخرية وشفقة, فكاهة تدين السخف الملازم لأكثر عاداتنا اكتسابا وعادية, وما يثيره الحدث الأكثر تفاهة من سخرية متأصلة مثل (هذه البقرة التي شبعت من رعي النصائح) أو (البغل المحمل بالحكم والأمثال العقيمة) أو (الجمل الحامل على ظهره سلة مليئة بالمفاهيم الفارغة) أو هذا اللاهوتي الكتابي الذي يصارع رغما عنه إناء خزف يفيض أسئلة معلقة. بإيجاز أنها كل المواعظ المجانية التي نسرف فيها بلاتمييز, كل(المفاهيم الأخلاقية) التي نفرضها على أقاربنا معتقدين أنفسنا اكثر حكمة منهم. كل الحكم والأمثال اللامجدية التي نؤلفها من جانب إلى جانب, معتقدين حلنا للغز الكون.

لان النصائح التي تكثر من أكلها النفس تشبعها وبتخمة, وهو إشباع يحتوي على خوار ثقيل لبقرة مثلما السلة مليئة بالمفاهيم الفارغة, مع اعتقادنا بإصلاح ذواتنا, إلا أنها تبقى خاوية ولا معقولة في جوهرها , لأن كل معيار أخلاقي يبقى دائما محدودا بنظرتنا إلى العالم, وإذا اعتقد اللاهوتي بحل كل الإشكاليات في عالمه المصنوع من معتقدات مسبقة, فانه يبقى صحيحا بأنه يصطدم باستمرار كذلك بإناء الخزف المليء بالأسرار التي حين تسقيه تتركه عطشانا.

إذا بقي عمق لعبة العالم هذه حلما يتبخر كفقاعات الصابون, لماذا لا يكون ما فوق الواقعي واقعيا, واكثر واقعية من العالم المألوف للواقع ? ألم يعلمنا شاعر كنوفاليس بان الشعر اكثر واقعية من الواقع? فالواقع ليس كما هو كائن بل كما يتجلى لنا, وهذا التجلي يعتمد من جهة أخرى على المستويات المتفاوتة لحضورنا أمام الأشياء. بمعنى آخر, يعتمد الواقع, إما على عتمة نظرتنا, وإما على شفافية التجلي والذي بتوسعته اللامتناهية لحقل الاحتمالات يكشف عن الإجابات العليا تاركا إياها من جهة أخرى تبدو كما هي.

هل يخضع مثل هذا التجلي حتميا لذات الشروط المكانية والزمانية التي تتحكم في الحالة المدهشة لعالمنا الحساس?

يضاف إلى هذه النظرة النافية حيث تختلط السخرية بما فوق الواقع خلجات من الشفقة والرأفة: فالشاعر منجذب بنظرة تتفهم العبث الضروري للوجود محاولة حمايته, مساندته وحبه (لا اضحك عندما ينفجر بالون) (لا اضحك عندما تشق فلسفة القمر نصفين). هذه النظرة لها أصالة تلك التي في السابق تنكر فراغ الواقع لتحل مكانه واقع الحلم. والموقع الذي تلتقي فيه كلتا النظرتين, واحدة تدحض عبث الشيء والأخرى تشهد عليه, وبالعكس فالوجود هو بالتحديد نقطة التقاء هذا اللغز المتفتح مثلا في الابتسامة الغامضة لبوذا.

هذا الموقف المتناقض, والذي من جهة يكشف الفراغ الجوهري للأشياء, ومن جهة أخرى يتركها تنغلق كما هي, مساندا ومشجعا لها على ذلك, هاتان الحركتان المتكاملتان للشد والتراجع, للتأكيد والنفي, للدفع والجذب هو ما يشكل الملاذ الأخير, المظهر المدهش للغز بمقداره الرهيف كجوهر الحلم ينسج الشبكة اللامتناهية للأشياء.

إن في تلميح سبهري الموجز الى نفاق وسطحية المشرعين يتخفى أيضا صراع قديم في الأدب الفارسي وضع وعلى مر الأزمان المفكرين الأحرار أو (الإباحيين الملهمين) في مواجهة مفوضي السلطة من (المحتسبين) والمراقبين والمفتشين. هذا التعارض حري بعدة مستويات من التطبيق: على مستوى المعرفة, سيكون صراع العقل والحب, على مستوى السلوك الأخلاقي هو صراع المفتشين ضد الفاسقين الملهمين (المتصوفة), وعلى مستوى الدين, وبالمعنى الواسع للكلمة سيكون الصراع بين الطريقة والشريعة. إن كل فارسي مثقف, يعرف وبالتجربة العتيقة بان أية مزايدة أصولية في الشريعة, تغشي النفس اكثر من إيقاظها. وهذا الاعتداء يصبح متعصبا إلى درجة أن الدين ولعدم رضائه عن دوره التقليدي يجهد في التحول إضافة إلى ذلك إلى أيديولوجية سياسية.

ان سبهري ليس غنوصيا, إنه كائن عميق التصوف, والصوفية التي يعتقدها والتي خاض تجربتها هي تلك المرتعشة في أشعار جلال الدين الرومي وفي النظرة الرؤيوية لحافظ و في السكر المدوخ للخيام.

ونواجه هنا مسألة أساسية: هل سبهري متصوف بالمعنى التقليدي للكلمة ? نعتقد بان الإجابة بالنفي: هو كذلك بطريقته الخاصة, ولكنه طفل عصره إلى حد لن نتمكن من وصفه بالمتصوف التقليدي, كما هي حال بعض متصوفتنا الذين يتبعون بلا عناء السلسلة التراثية المتتالية. إن لدى سبهري توحدا لطيفا بجميع الكائنات وميلا يقارب الاحيائية والتي بفعلها تنتشر الروح فيما لا يحصى من مجموعات كوكبية حاضرة في كل الأشياء:

في الوردة التي تصبح جهته إلى مكة في هذا النبع الجاري الذي يصبح غطاء لرأسه في الصلاة في نبض النوافذ الذي يصبح وضوءه وفي هذه الكعبة التي في كل مكان, على حافة الماء وتحت أشجار السنط, كما هي في المدن والحدائق, بينما حجره الأسود الليلة المنيرة للروح و(الإشعاع الحي للأرض).

الشاعر يتناثر في غبار الحاضر, كل شيء هو وسيلة لعيد الظهور, الكل يصبح مرآة عاكسة لأحد المظاهر المتعددة للكائن, كما لو أن فعل حضوره في العالم يشاركه فيه الكون بمجمله.

هذه الرؤية المسماة بوحدة الوجود, حيث يتوحد الكائن تقدم الكثير من التجانس مع الاتجاه التقليدي في التصوف وعلم الكلام الإيرانيين ولكن يضاف إليهما هنا مظهر خاص بسبهري بذاته وهو ما يؤالفه مع تقديس الطبيعة كما نجده عند المعلمين الكبار لفكر الشرق الأقصى

إن نظرة الرسام لديه تتحقق في الأحداث اللامنظورة التي تسكن عالمنا المحيط: الانبثاق العفوي لتويج الوردة, طيران النزوة لدى الطائر الذي يحط بخفة على غصن, التسرب المتلاشي لجدول ماء رائق, رائحته تستشعر الرطوبة المعطرة بمطر طازج, العبير المتناثر لذبال الغابة المنتشر في الهواء. إن أذنه حساسة لأشد الأصوات خفوتا, ولأكثر الهمسات غموضا: كالخفقان اللامسموع لزيز يستيقظ, أو (انسياب القرنفل في تموجات الفكر) أو (الاهتزاز الرهيف للمادة), أو غناء عصفور: (اصغ انه الطائر الأبعد في العالم, ذلك الذي يغني !) وهذا النوع من الاحتفاء بالطبيعة غريب على الشعر الفارسي, والذي يبقى رغم تدفقاته الغنائية وحماسته الاسطورية شعرا اكثر انفتاحا على الشحنات العاطفية للإيقاعات الوجدانية, اكثر من حساسيته تجاه الإدراك المرهف الذي تفصح عنه الأشياء هذا التوجه الطبيعي لدى سبهري نحو الطبيعة ستدعمه اقامته في اليابان ودراسته للشعر والفن الصيني والياباني. إن في مجموعته (شرق الحزن) والتي كتب قسمها الأكبر في اليابان, مقاطع ترسم لنا الجو المدهش للهايكو الياباني.

ولكن فترة الاختمار والبحث ستجد ذروة اكتمالها في مجموعته (فضاء أخضر) وهي ذروة رؤيته الشعرية للعالم. يسمي سبهري هذا العالم (الواحة في اللحظة) أو بالفارسية (هيجستان) أي (لا مكان) والتي خلفها (تبقى مظلة الرغبة مفتوحة دائما) و(حيث ظل شجرة البق يمتد حتى الأبدية). و الهيجستان, ارض اللامكان التي كونها الشاعر ليست المقصودة بالمفهوم (نا كوجا آباد) بلاد لا نعرف أين, والتي أبدعها في القرن الثاني عشر الفيلسوف الصوفي السهروردي مؤسس مدرسة الإشراق. هذا المفهوم يرمز إلى الطقس الثامن. ارض الصور المعلقة بمعنى عالم الصور النمطية و ارض الرؤى, وعن هذه الأرض يقول سبهري:

هناك خلف البحار مدينة حيث النوافذ تفتح لفيض الكائن ومن على أسطحها يتأمل الحمام إشراق الصعود البشري في يد كل طفل في العاشرة يورق غصن المعرفة حيث الشمس شاسعة المدى كاتساع العين في صحوها الصباحي.

هذه العين المتسعة في صحوها الصباحي تعبر بالتحديد عن عين ذلك الكائن المنفتح على ارض الرؤى. ومع هذه الأرض يأتلف مفهومان ليشكلا العنصر المجرد للطبوغرافيا الشعرية لسبهري: هما الوقت والصديق.

في هذا الفضاء الشعري تمتد اللحظة نحو بزوغ الحدث, والحدث هو نفسية أو (حال), حضور منفتح على (الوقت). الوقت هو هذه اللحظة حيث الزمان والفضاء ليسا سوى وحدة متلاحمة لأرض الرؤى.

وعلى هذه الأرض المفتوحة على الفضاء الخلفي (المكاشفة), وفي هذا الوقت حيث يتأمل الشاعر (عقارب النافورة تبعثر الوقت على ميناء الحوض) وحيث يهب نسيم الصديق (ناشرا الدهشة تويجا.. تويجا). في هذا الوقت المستدير (كجسد طائش لحمامة فجأة هناك) بمعان أخرى من حيث تأتيني رسالة الصديق.

في شعر سبهري طبوغرافيا من (الفضاءات الخلفية), كفضاء ما خلف البحار, وفضاء ما بعد ختام الأصوات, خلف جدران اللبن, خلف الأسيجة والعرشان الشبكية. فالفضاء الخلفي هو الخط الفاصل بين أرضنا الجغرافية و أرض الرؤى, أي أرض (اللامكان) حيث يقيم الصديق. انه الجسر الذي يقذفنا (حتى الصخرة المستحيلة للصديق), أنها (العتبة) وهي كذلك الثغرة الشاغرة للحديقة حيث تتناغم شجرة الصنوبر, الفزع, و ذاتي).

العشرون قصيدة التي تشكل مجموعة (فضاء اخضر) تتحرك في هذا الجو شبه السحري للانتظار المقيم في الفضاء الذي يفصل (جفون الليل) عنوان القصيدة الأولى و(النبض الرطب للفجر) عنوان القصيدة الأخيرة في المجموعة. أليس كل شعر ليس سوى بحث عن صديق في عالم غاب فيه الصديق ? ولكن نحو أي حقل مجهول يدعونا هذا الصديق ? انه نداء للعودة إلى الجذور, عودة إلى (النافورة حيث تنبثق أساطير الأرض) وعلى سؤال الفارس أي (رسول القاضي)) يجيب عابر يحمل غصنا من النور بين شفتيه:

ليس بعيدا عن الشجرة في زقاق كثيف الشجر

أشد خضرة من حلم الإله

حيث الحب أعمق زرقة من ريش التفاني

تذهب إلى أقصى الدرب

المنبثق من وراء البلوغ,

ثم تعود إلى وردة العزلة

وعند خطوتين من الوردة تتوقف

قرب النافورة حيث تنبجس أساطير الأرض

هناك سيرجفك فزع شفاف,

و في الألفة المتموجة لهذا الفضاء المقدس

ستسمع حفيفا:

سترى طفلا يقيم في أعالي صنوبرة منسولة الورق

به توق لافتتان حضانة عش النور

ستسأله:

أين دار الصديق ?.

كأن جميع الثيمات الأساسية للطبوغرافيا الشعرية لسبهري تكثفت في هذه القصيدة. نحو نافورة الأساطير يدعونا الصديق. ولكن ماذا ستفعل بنا الأساطير ? لقد أسست الأسطورة العالم, انه لا يجيب على سؤال (لماذا ?) ولكن على (من أين ?) يعني على سؤال الجذور إن الأسطورة بتأسيسها العالم جعلته قابلا للسكن, والشاعر مستجيبا لنداء الصديق وللفعل الكوني لتأسيس العالم من جهة ولاكتشاف نواة كينونته من جهة أخرى. وفي نقطة الالتقاء بين الاثنين, يؤسس الشاعر عالمه ويبني بيته.

إن معظم المفكرين والشعراء المعاصرين الكبار سواء تي.اس. اليوت , والاس ستيفنز, ريلكه, رينيه شار, هايدغر, بوبر, غوستاف يونغ, أي. نيومان, يجهدون لاكتشاف – في ظل غياب الألوهية وعلى أنقاض المعايير الثقافية, في هذا العالم الذي تحول الى صحراء (ارض خراب) – أساس قادر على تأسيس عالمنا المخيب للآمال ! سواء كان ذلك في (النقطة الجامدة للعالم الدائر) لاليوت, او في الفكر الاحتفالي لهيدجر, او في (النسغ الخالد) لريلكه, ام في الانبثاق الجديد للاوعي الجماعي الذي يتحول إلى بركاني في عالم مهشم الرموز ومحطم القيم, نلتقي دوما بذات الجهود: جهد لتجاوز العدمية الصدئة لعصرنا ولاكتشاف مصدر جذر لغبار المعرفة الذي يتراكم بعضه فوق بعض.

في هذا السياق يكتسب الشاعر (دورا عموديا) كما يقول لنا ستانلي رومان هوبر مستشهدا بأبيات للشاعر اودن, دور إذا أمكنني القول ينحى باطراد نحو الميثولوجيا ناهضا في الأعالي, وحيدا في مواجهة المصير, تخلت عنه الآلهة الهاربة, يخدمه مهد أمومة الطبيعة, على عاتقه إعادة تأسيس عالم بالبحث المباشر في المصادر الحية لذاكرة منسية, ذاكرة شبيهة في شحوبها بشحوب الوجه الباهت لأصنامنا الحالية.

وسواء أكان عصرنا هو (عصر الخيبة) أو عصر الانتظار, أو ليلة معتمة للروح, فهذا لا يبدل من الجوهر, فالشاعر أو المفكر عليهما لوحدهما إكتشاف ما اسند إليهما منذ البداية: رسالة الصديق والنافورة التي تنبثق منها أسطورة الأرض .

هذه الأصوات التي يعيد الغرب اكتشافها (ولكن وبدون شك هل هناك غرب مختبئ لا ينساها البتة ?) بعد معاناته لأهوال الوعي الشقي, بعد مسحه كل المآسي التي خضع لها (حيل العقل) وبعد ان عاش حتى أعماقه تجربة العدمية, إنهاء التعبير الرمزي, والتخلص من الميثولوجيا دلالة واضحة على التجديد وفي ذات الوقت دلالة على الأمل.

بيد أن هذه الثيمات المعاصرة جدا والحية جدا, كانت وباستمرار موجودة في إيران وما تزال في أيامنا هذه تعيش حياة سرية رغم الأخطار, الخارجية والداخلية المهددة لوجودها.

الرسالة المتفردة للأدب الإيراني الرفيع لم تعرف أبدا في الغرب, موضوع الجذور الذي يشغل الغرب في يومنا هذا كان قد كتب وأعيدت كتابته, عاشه المجتمع, وجرب حتى الدوار من قبل شعراء إيران الكبار. وثيمة الصديق تبقى المحور المركزي لفكر حافظ. فهناك طبوغرافيا للفضاء حيث يموت الصديق في الثنايا المتموجة لفكره, في حديقة قلبه الساحرة, وفي الأزقة التي تضيع في متاهة الدوار.

حافظ خالق مؤسس حين يعلن بمباهاة: (تعال لنغلق القبب السماوية ولنؤسس قاعدة بناء جديد). أول أبيات مثنوي الرومي تبدأ بنداء جارح للناي, وبه لوعة الغريب لاكتشاف أرضه وهو بعيد عنها في غربته. انه لمن المفيد بدون شك متابعة كل جغرافية الرؤية لدى كبار الشعراء الفرس, والكشف عن مدى راهنية رؤاهم ومطابقتها لزمن الشدة, ومن المفيد أيضا الإشارة إلى مدى تشابه عالمهم مع الإبداعات المذهلة للصوفية التأملية. وبدون أن نقصد مقارنة ريلكه بسبهري, نقول أيضا بأنه في آخر أعماله يبحث سبهري في التفكير شعريا, بمعنى بالبنيات ذاتها التي تفرضها عليه الرؤية الشعرية للعالم مستمدا إلهامه من الفكر المشدود إلى أقصاه, من عفوية الحالات العاطفية للذات, انه يحاول بمعنى آخر التحرك في مناطق يقترب فيها الفكر والشعر من بعضهما, حيث لم يعرفا الطلاق الذي فصلهما فيما بعد. ولكن هناك عقبة يصطدم بها سبهري, وهي مشكلة اللغة الفارسية, التي تميل كثيرا إلى غنائية الحالات الشاعرية والتجانسات الصوتية للملحمة.

واللغة الباطنية الصوفية تصر بعض الأحيان شاكية الاستبداد الذي يفرضه سبهري في أعماله الأخيرة. فالشاعر يلوي بشدة أوتار اللغة حتى لنخشى انقطاعها في أية لحظة ورفضها خدمة قيثارة وحيه. باختصار فالمشاكل التي يصادفها سبهري, هي من جهة إمكانيات اللغة الفارسية – فإذا كان للفارسية مصادر لا محدودة, فلها كذلك حدودها, وانه أمام هذه الحدود يقف سبهري – ومن جهة أخرى يتلمس الطريق لشعر غير مؤكد لم يجد وسيلة التعبير المناسبة, ولكن هاتين المشكلتين ليستا سوى مظهرين لذات العقبة:

كيف نعبر عن غنائية تتكون من فكر خالص في لغة ترفض ذلك, ولا تتقبل مزيدا من مثل هذه التحريفات لقانونها الأساسي ?

ربما على حل هذا اللغز سيعتمد مستقبلا نجاح أو إخفاق هذه الحقبة الجديدة للشعر الفارسي ?

سبهري واختراق المألوف

سهراب سبهري قلم وريشة يأخذانا إلى زمن التقاء اللون والحرف والصورة, لا أفق لكتاباته التي تتقاطع وكتابة التأسيس لدى (نعمة يوشيج – 1895- 1959) حيث الاختراق

الجميل لقرون من الكلاسيكية المكرسة.

لم يسجن قصائده في ابتذال الحدث اليومي والعادي,ولم يقيدها بالآني فهي يد تمتد إلى اللامكان واللازمان, هي بصيرة نافذة في عمق الحركة الخفية للكائنات والأشياء.

منذ الخمسينات تتداولها الأجيال قراءة وتأثرا.

مع أحمد شاملو 1925- 2000 و فروغ فرح زاد 1935- 1967 حفروا بسكاكين قصائدهم في لغة قاسية, الصورة الجميلة لبهاء الشعر في توقه إلى الحرية.

سبهري بصوته وأسلوبه امتاز – كما يقول منوتشهر آتشي الشاعر والكاتب الإيراني المعاصر – بأجواء خارجة عن رتابة الواقعية الصلبة, بسيط في التصوير, يخلق حوله فضاءات روحانية وشرقية (جريدة الحياة 30/5/ 2001).

هنا محاولة للمس ورصد تجربة متفردة من خلال النص, البيوببلوغرافيا والدراسة التي كتبها الشاعر والمفكر داريوش شايغان, صديق روحه ومترجم قصائده إلى الفرنسية

هذه القصائد التي سهر الشاعر الذي يتقن الفرنسية على مراجعتها.

وقد حاولنا من جهتنا مطابقة القصائد التي ترجمناها من الفرنسية مع النصوص الفارسية قدر المستطاع.

سهراب سبهري, من مجموعة (شرق الحزن – 1961)

منتهى وحدتي

أنت أيها الجدير بدوار الأعالي

غناؤك يتردد على ذرى الفجر

تنهض في الحال نبتة للصلاة

أخلق جسرا يقذفني

حتى صخرة الصديق المنيعة

جسر من صلصال عذاباتي

أنا هناك, مثل خزف العتمة,

وتقطير الأسرار الأزلية

رأس يستند إلى حجر, وهذا الهواء الصافي,

وشجرة الدلب التي تتفتح على الفكر,

والروح المترعة بفيض الصديق

كم هو رهيف نعاسي,وكم هي عالية سحب الصلاة,

كم هي جميلة غابة الحياة, وأنا في منتهى وحدتي!

وحيد أنا

وأطراف أصابعي تجوس ينبوع الذاكرة,

الحمام ينتفض على حافة الماء,

وضحك الموج ينتشر,

النحلة تجني خضرة الموت,

وهذا البهاء يتفتح في القبضة المرتخية للريح

بك أنا ممتلئ, يا ثغرة مشرعة في حديقة

حيث تتناغم الصنوبرة, الفزع, وذاتي

الآن هاهي ساعتي:

أيها الباب المشرع على الأعالي!

أيتها الدرب الموصلة إلى اللوتس الصامت للرسالة!

صخب الخطوة

تغضن يموج وجه بركة

تفاحة تتدحرج على الأرض

خطوة تتوقف, الزيز يغني

صخب, قهقهة: وليمة تفض حال الانتهاء

نعاس يصعد من العين صوب السماء

عابر يغادر وحيدا, عابر يذهب دوننا

قيد يتفتت: أنا حلقاته الصغيرة

جرة تتهشم: أنا محتواها

هل لهذه الصخرة علاقة بي?

وهذه النحلة, هل ستحلق باتجاهي?

صورة تتفتح. أين المرآة ?

ابتسامة تشرق. أين الشفاه?

موجة تنهض. أين البحر?

أشم بلسما في كل مكان, حاسة الشم بذاتها تفوح

من الجهات جميعها تنتهكنا الأشياء, هرج هنا, مرج هناك

ذاهب الى الأقاصي:

وهي تعود, هي تعود.

من مجموعة (فضاء أخضر- 1967)

نور, أنا, ورد, ماء

لا سحب

لا رياح

جالس على شفير حوض:

سمك يسبح مرتعصا, نور, ورد, ماء و انعكاسي

بهاء عذري لعناقيد الحياة

أمي تقطف الريحان

خبز, ريحان و جبن,

سماء صافية,

شجرة البيتونيا يغسلها المطر

خلاص وشيك: ينشب في ورد الحديقة

كم من المداعبات لا يسكبها النور الحالم في كرة النحاس !

السلم الطالع إلى قمة الجدار

ينزل النهار على الأرض

خلف الابتسامة تختبئ أشياء عدة

ثقب في جدار الزمن

أرى عبره وجهي

كثيرة الأشياء التي أجهل سرها !

أعلم أني سأموت يوم أقتلع قذاة من العشب

أنطلق إلى القبة السماوية:

ألست مجنحا?

أشق دربا في العتمة:

أليست الفوانيس سلاحي?

كلي نور, ممتلئ برمل الضفاف, بالأغصان و بأوراق الشجر

ممتلئ بالطرقات, الجسور, الأنهار, الأمواج,

يفيض مني انعكاس ورق الشجر على الماء

ولكن كم هو عميق خواء ذاتي !

دار الصديق

الى أ. سعدي

(أين دار الصديق ?)

صوت فارس يدوي في الفجر

حينها تتوقف السماء, ولعتمة الرمل يقدم عابر غصن النور من بين شفتيه,

مشيرا بأصابعه إلى شجرة حور بيضاء:

(ليس بعيدا عن الشجرة في زقاق كثيف الشجر

أشد خضرة من حلم الإله

حيث الحب أعمق زرقة من ريش التفاني

تذهب إلى أقصى الدرب

المنبثق من وراء البلوغ,

ثم تعود إلى وردة العزلة

وعند خطوتين من الوردة تتوقف

قرب النافورة حيث تنبجس أساطير الأرض

هناك سيرجفك فزع شفاف,

و في الألفة المتموجة لهذا الفضاء المقدس

ستسمع حفيفا:

سترى طفلا يقيم في أعالي صنوبرة منسولة الورق

به توق لافتتان حضانة عش النور

ستسأله:

(أين دار الصديق ?)

إختلاج ظل الصديق

طويلة كانت الطريق إلى الشكل المبهم المبشر بالقرية,

مليئة عيوننا بما يراه قمرها,

الليل ينساب في اكمامنا

نعبر واد محل

ملء آذاننا حكايات خضراء للمراعي,

تفيض حقائبنا بصدى عنيد للمدن البعيدة

الخشونة المتناسقة للأرض تتسرب تحت خطانا

أفواهنا تتلذذ – لحظتها – الراحة المتجددة

نعالنا خفيفة كأجنحة النبوة,

تنزعنا من الأرض مع أوهى النسمات,

عصانا تلبس ورق الربيع الخالد.

مع كل مواربة لأفكارنا تتكشف سماء

ومع خفقة الجناح المأخوذ بالفجر تخفق أيدينا

جيوبنا كانت مليئة بزقزقة صباحات الطفولة

كنا رفاق الحب

دربنا يحاذي القرى المتآلفة والفقر,

يذهب في غيابه إلى لا منتهى الصفاء

نصل إلى حافة غدير, نطل فيه بنظراتنا:

الليل يتبخر على وجوهنا

وفي أذن الصديق جواب لصوت الصديق

مشمس

نصغي لصخب الماء

ماذا تغسلون في جدول العزلة ?

ثوب اللحظة صاف من البقع

وفي شمس نهاية ديسمبر يتفرغ

صدى الثلوج,

حبل الرؤية,

قطرات الوقت المعلقة

الطراوة تتشرب في القرميد,

تغور في عظام النهار

عم نبحث إذن ?

أبخرة الموسم تغلف كلماتنا

الفم بيت زجاجي للنبات حيث يتدفأ الفكر

هنالك أسفار تلمحك في الطرقات الضيقة لأحلامها

وفي القرى النائية, تبتهج الطيور بلقائك

لماذا لا يدرك الرجال

بأن زهرة الكابوسين ليست مصادفة,

وعين طائر الذعرة ذو الذيل الهزاز

تلبس ظل الأنهار التي جرت بالأمس ?

لماذا لا يدركون

بأن الهواء جليدي

في الورود المستحيلة ?

في بستان رفاق الرحلة

نادني

صوتك بلسم

صوتك كالنسغ الأخضر لهذا النبات الغريب

الطالع في أقاصي الوجع الحميم

في الثنايا الرحبة لهذا الوقت الصامت

أنا أشد وحدة من الأثر المعزول لغناء

يتلذذ الفراغ المتعرج للأزقة

تعال لأحدثك كم هي فسيحة عزلتي

العزلة التي لم تستطع التنبؤ بالاقتحام الليلي لحضورك,

وهذه خصيصة الحب

لا أحد هنا

تعال, فمعا سنختلس الحياة,

وبين لقاءين سنقتسمها

تعال, سنسعى لفهم شيء عن جوهر الحجر

و بعدها, سنسرع نحو اكتشاف الأشياء

أنظر عقارب مسقط الماء

وهي تبعثر الوقت على ميناء الحوض

تعال لتذوب ككلمة على سطر صمتي

تعال اصهر في راحة يدي الكوكب المتوهج للحب

في هذه الشوارع الضاجة بالعتمة

أخاف الاقتران المريب بين الشك واللهب

أخاف الأسطح الخرسانية التي تثقل عصرنا

تعال لتنزع خوفي من المدن

حيث الأرض السوداء مرعى للرافعات

في عصر تقديس الفولاذ,

افتح لي فضاء حيث تتساقط الفاكهة,

احمني تحت الأغصان,

بعيدا عن الاصطفاق المعتم للمعادن

إذا توجب وصول مكتشف المناجم الصباحية

لا تنسى أبدا تنبيهي

سأصحو حين يبزغ فجر الياسمين خلف إشارات أصابعك

حينها

احك لي قصة القنابل التي تساقطت أثناء نومي,

والخدود التي بللها الندى ساعة غفوتي,

وكم من البطات عبرت فوق البحار

وهذه الأوقات المضطربة,

حيث تعبر سلاسل المدرعات أحلام الأطفال,

أخبرني: تحت أقدام أي ملجأ

أوثق الكناري الخيط الأصفر لغنائه

ما هذه البضائع البريئة التي تصل مرافئنا,

والتي لا تعي أبدا الموسيقى الإيجابية للبارود,

وأي مذاق تفرزه نكهة الخبز المجهولة

في قصر الأنبياء ?

مشتعل بروح وهاجة كنار الاستواء,

سأجلسك على عتبة بستان

من (عدم كلي , إبصار كلي – 1977)

والآن سقوط الألوان

شبيه بسر الولادة,

ترافق اللحظات السنة العالقة بين جفنين

في الأعالي المتصببة بالمواعيد

ينتصب رويدا رويدا

محراب النور

كانت الواقعة منسوجة برهبة مقدسة

تغور في الهيكل الأساسي للحجر

وفي قبضة الكثافة الطرية للهواء,

يدندن صوت في الريح

شوق الصديق

من مستهل المطر

وحتى أقاصي الخريف,

كان الفضاء مليئا

بالمحن الهاربة كريش الحمام

وعند توقف المطر

كان المشهد في فوضى

السهول الواسعة المبللة

تزول فجأة

وفي أفواهنا المليئة انتظارا

يسيل قوس قزح.

هذا المساء حضور مطلق

هذا المساء

سيشرع لدخول الكلام

باب الحلم الغريب

ستكون للريح كلمتها

ستسقط التفاحة,

تتدحرج على عفة الأرض المرضعة,

ستبلغ الوطن الغائب لليل

سينهار سقف وهم

ستبصر العين

الضمير الكئيب لسلطان النبات

سيتسلق لبلاب,

ملتفا حول رؤيتنا للإله

يفيض سر ككأس مترعة

ستتعفن ببطء جذور زهد الوقت

على طريق الظلمات

ستطلق الشفاه الناطقة بالماء شررا

وسيكشف قلب المرآة الأسرار

هذا المساء سيهز النسيم القادم من حارة الصديق

جذع الروح,

ناثرا الدهشة تويجة تويجة

في أقاصي الليل

ستجرب حشرة في أعماقها

الحصة الخصبة من العزلة

من جوف كلمة (فجر)

سينهض الفجر.

خطوات الماء

قربانا لليالي الصامتة لأمي

خطوات الماء هذه.

آت من قاشان

حياتي لم تكن على قدر من القسوة

لدي ما أعيش به, طرف من ذكاء, شيء من مهارة

أم أرق من ورق الشجر

أصدقاء أنقى من الماء الجاري

و إله موجود في مكان ما, قريب:

بين أوراق القرنفل,

وتحت شجرة الصنوبر السامقة,

على الوجه اليقظ للماء,

في قوانين عالم النبات

مسلم أنا

لي في اتجاه مكة وردة

وكغطاء رأس للصلاة ينبوع

ولي النور كتربة للصلاة

السهل سجادتي

أتوضأ على ارتعاش نوافذ الضياء

يسيل القمر في دعائي

تسيح الوان قوس قزح

عبر ورعي يشف الحجر

كم هو شفيف بلور صلاتي

أستهل الصلاة عندما تثير الريح

أذان المؤذن على منارة السرو

أبدأ صلاتي حين يسبح العشب

بتكبيرة الإحرام,

عندما تقوم الموجة استجابة له

قبلتي على حافة الماء

قبلتي تحت أشجار السنط

قبلتي نسمة في مهب من بستان الى بستان, من مدينة الى مدينة

الضوء الساطع للحديقة المزهرة حجري الأسود

آت من قاشان

أحترف الرسم:

أحيانا وبسحر الألوان أخلق قفصا

وأبيعه لكم, يا أصدقائي,

لينتعش فيه قلبكم الوحيد

بغناء نباتات الخشخاش السجين

ليس سوى الوهم, سوى الوهم !

أعرف بأنه في حوض لوحتي

لا تنساب أية سمكة

آت من قاشان

ربما يكون أسلافي

نبتة معجزة من الهند

أو إناء خزفي من تلال (سيلك)* الأثرية

ربما لي كسلف

عاهرة خرافية من بخارى ?

موت أبي أعقبه هجرتان للسنونو,

موسمان لسقوط الثلج,

موسمان من النوم على السطح, في ضوء النجوم

مات أبي خلف موكب الوقت

كانت السماء زرقاء حين وفاته

قفزت أمي من سريرها جاهلة لماذا

صارت أختي تزهو جمالا

عند موت أبي كان جميع الشرطة شعراء

سألني البقال:

(كم رطلا من البطيخ تريد ?)

أجبته:

(بكم تبيع غراما من سكينة الروح ?)

كان أبي يرسم أحيانا,

يصنع آلات (تار) * ويعزف بطريقته

كان خطاطا ماهرا

حديقتنا تمتد الى الطرف المظلل من المعرفة

هناك حيث تنعقد رابطة الكائن والنبات

حديقتنا كانت مركزا لالتقاء البصر, القفص والمرآة

ربما كانت حديقتنا القوس الذي تصفه الدائرة الخضراء للسعادة

في ذلك اليوم قضمت في الحلم فاكهة الإله النيئة

شربت ماء نقيا من كل فلسفة

قطفت توتا نقيا من كل علم

عندما تتفجر قشرة رمانة

تصبح اليد دافقة للرغبة

عندما تهم القبرة بالغناء

يجيش القلب بوهج الحب

حينا تلصق العزلة وجهها بالنوافذ

وخز الرغبة يؤجج الأحاسيس

يستسلم الفكر للألعاب المسلية

لم تكن الحياة غير مطر عيد وربيع,

شجرة دلب مسكونة بطيور الزرزور الساحرة

لم تكن الحياة حينها,

سوى مايشبه طواف عرائس ونور,

نفحة من الحرية

لم تكن الحياة حينها

سوى حوض موسيقى

ابتعد الطفل بخطى خافتة, ثم اختفى في طريق النحل

طويت حقائبي, هاجرا مدينة الأحلام الرهيفة

ملء قلبي شوق إلى النحل

توجهت إلى وليمة العالم,

ويممت صوب سهل الكآبة,

ناحية الورق المفرط للعرفان,

صوب الشرفة المضاءة للمعرفة

تجاوزت درجات الدين

إلى الأزقة الضيقة للشك,

إلى الهواء المنعش للانفلات

إلى الليلة الرطبة للحنان

حيث رأيت شخصا في الجهة الأخرى للحب

توجهت صوب المرأة,

حتى ضوء اللذة,

حتى خفوت الرغبة,

حتى خفقان جناح العزلة

كم من أشياء لم أشاهدها على هذه الأرض:

رأيت طفلا يتنشق عطر القمر

رأيت قفصا بلا باب حيث يسرح النور

سلما روحانيا يتسلقه الحب

ليصل إلى سقف عالم الملكوت,

رأيت امرأة تخفق النور في هاون

في الظهيرة على مفرش بسط الخبز, الخضار,

صحن من الندى ووعاء ساخن من الحب

رأيت شحاذا يطرق من باب لباب

مستجديا غناء القبرات

وكناس شوارع ساجدا أمام قشرة بطيخ

رأيت نعاجا تقضم طائرات ورقية,

حمارا يقاسم الشعير سره,

بقرة أتخمها علف (النصائح)

رأيت كتابا بحروف بلورية,

قرطاسا خلقه الربيع

بعيدا عن الخضرة, رأيت متحفا

وبعيدا عن الماء مسجدا

وقرب سرير لاهوتي يائس

رأيت إبريقا خزفيا يفيض أسئلة

رأيت بغلا محملا بحكم وأمثال عقيمة,

جملا حاملا على ظهره سلة ملؤها مفاهيم خاوية,

صوفيا يجر في خرجه اسم إله غائب

رأيت قطارا ينقل نورا

رأيت قطارا يحمل اللاهوت,

و كم كان ثقيلا حمله !

رأيت قطارا محملا بالسياسة

(كم كانت فارغة حمولته !)

رأيت قطارا محملا ببذور اللوتس وبغناء الكناري,

وعلى ارتفاع آلاف الأقدام

بدا وجه الأرض من كوة الطائرة :

تاج الهدهد

بقع أجنحة الفراشات

ظل الضفادع في الحوض

سرب ذباب في درب العزلة

ومن شجر الدلب إلى الأرض المستضيفة لرغبة العصفور الشفافة

و بلوغ الشمس

وتزاوج العروسة بالفجر

سلالم تصعد إلى القنن الملتهبة للشهوات,

سلالم نازلة إلى كهوف الثمالة,

سلالم تقتحم قانون فساد الوردة,

تقود إلى الإدراك الرياضي للحياة,

تصعد حتى الإشراق

سلالم تتوقف عند ذروة تجلي الكائن

أمي هناك في الأسفل

تغسل الفناجين في ذاكرة النهر

كانت الدنيا جلية في الأسفل:

تفاقم هندسي للإسمنت, للحديد والحجر

أسطح بلا عصافير, مئات الباصات

باعة ورد يدللون لبيعه

وبين شجرتي ياسمين

علق شاعر أرجوحة

تلميذ يرمي بحجر جدار المدرسة

طفل يتف نواة مشمشة

على سجادة رثة حيث يصلي أبوه

وعلى خريطة جغرافية,

يستقي ماعز من ماء قزوين

صدرية ترفرف في الريح على حبل غسيل

رغبت عجلة العربة في إيقاف الحصان

رغب الحصان في نوم الحوذي

تمنى الحوذي مجيء الموت

هجرة البذرة إلى تويج الزهرة

هجرة اللبلاب من بيت إلى بيت

إغفاءة القمر في ماء الحوض

انبثاق زهرة الثلج من القشرة الصلبة للأرض

جريان غصن الكروم على أطراف الجدران

مطر الندى على جسر النعاس

فرح منطلق من هاوية الموت

هرب الحدث من الناحية الأخرى للكلام

صراع الكوة و رغبة النور,

صراع السلم والسيقان المنطلقة نحو الشمس,

صراع العزلة والصوت الهارب,

صراع كتل الكمثرى وفراغ السلة ,

صراع رمانة مع الضرس التي تقضمها,

صراع الببغاء وفصاحة الكلام

صراع سخونة الجبهة وبرودة تربة الصلاة

انقضاض قيشاني المساجد على السجود

انقضاض الريح على صعود فقاعات الصابون

انقضاض فيالق الفراش على برنامج (مكافحة الآفات)

انقضاض اليعاسيب على عمال السباكة

انقضاض ريش الكتابة على حروف الرصاص الثقيلة

انقضاض الكلمات على فك الشاعر

فتح قرن على يد قصيدة

فتح حديقة على يد زرزور

فتح شارع على يد تحيتي سلام

فتح مدينة بكاملها على يد خيول خشبية

فتح عيد على يد عروستين و بالون

مقتل دمية صغيرة خنقا تحت وسادة القيلولة

مقتل حكاية في زاوية درب النعاس

مقتل كآبة بقرار متعجرف للنشيد

مقتل القمر بنيون مستبد

مقتل صفصافة باكية بأمر الدولة

مقتل شاعر مرهف على يد زهرة الثلج

كل شيء كان مرئيا على الأرض:

(القانون) يسود حي اليونانيين

البومة تغني في (الحدائق المعلقة)

تدوي عبر ممر خيبر,

تدفع الريح صوب الشرق الباقة الشائكة للتاريخ

ينساب قارب محمل بأريج على بحيرة (نيغين) * الوادعة

وفي بنارس, في زاوية كل طريق

ينير قنديل ازلي.

آت من قاشان

ليست مسقط رأسي

لقد أضعت, ويا للأسف, مدينتي

بحماس وغضب,

بنيت بيتا في الطرف الآخر لليل

هنا في هذا البيت قريب أنا من الاسم المجهول الرطب للعشب

اسمع دوي تنفس الحديقة,

صوت العتمة المنسابة من ورقة الشجر,

صرير سعال الضوء خلف الشجرة,

عطس الماء في شقوق الصخور

السنونو متقطرا من سقف الربيع,

اصطفاق درفات نوافذ الوحدة,

الهمس الشفاف للحب الذي يغير بغموض جلده,

رغبة الأعالي الكثيفة وهي تدوي في الجناح ,

سلطة الروح في تصدعها بصرير ساخر

أسمع خطى الوجد,

الوطء القاسي للدم في الأوردة,

النبض الصباحي للآبار حيث يطير الحمام

الحمى المسائية في قلب أيام الجمعة

أسمع سريان القرنفل في مواربة الفكر,

الصهيل الشفاف للحقيقة في البعيد

أسمع الرعشة الخفيفة للمادة

ورثاثة نعال الأيمان على درب الوجد

و طبطبة المطر:

على أجفان الحب الندية,

على موسيقى البلوغ الحزينة,

على الغناء الإرجواني للرمان

وضجة واجهات الفرح في انهمارها الليلي

وتمزيق قرطاس الجمال,

و مضخة الريح التي تملأ وتفرغ جسد الغربة

قريب من جذور الأرض

أجس نبض الورد

أصيخ إلى القدر السائل للماء, الاخضرار المألوف للشجرة

تسري روحي في العفة الطرية للأشياء

روحي ما تزال يافعة,

أحيانا وبقوة الرغبة يخنقها السعال

روحي العاطلة تتفرغ لاستقبال الأشياء:

تعد قطرات المطر ومفاصل القرميد

روحي محسوسة كحجر

على الطريق

لم أشهد البتة حقدا بين شجرتي حور

لم أشهد البتة صفصافة تبيع ظلها للأرض

وشجرة بق تهب غصنها للغربان

حيث ترتعش ورقة يبتهج برعم التوق

عمدتني ثمالة شجرة خشخاش في دوار الصيرورة

مثل جناح حشرة أعرف وزن الفجر

مثل مزهرية أصيخ إلى همس التكاثر

مثل سلة مليئة بفاكهة أشهد حمى التحولات

مثل كهف مقفر أقف على حدود السأم

مثل منزل على شاطئ البحر

أرقب تدفق الموج الذي يدعوني إلى إيقاعه الأبدي

من الشمس حيث تشاء ! من الاتحاد مثلما ترغب !

من الفيض كما تريد !

أكتفي وبسهولة بتفاحة,

مثلما أكتفي بعطر بابونج,

أكتفي بمرآة, بود شفاف

لا أصرخ عند انفجار بالون

لا أسخر حين تشق فلسفة ما القمر نصفين

أعرف حفيف جناح طائر الفري,

لون ريش الحباري, واثر حوافر اليحامير

أعرف جيدا منبت الراوند, ساعة قدوم الزرزور,

موعد غناء الحجل و موقت موت النسر

أعرف كيف ينهض القمر في حلم الصحراء

أعرف حضور الموت في تويجة الرغبة,

وسعادة بمذاق التوت يولدها العناق الشهواني

الحياة بمجملها عادة جميلة

للحياة أجنحة بسعة الموت,

اندفاعة مدوخة كالحب

الحياة ليست هذا الشيء الذي ننساه أنت و أنا,

بعد فقدانه في عش العادة

الحياة هذه اليد الممدودة لقطاف وشيك

لأولى التينات السوداء من الفم اللاذع للصيف,

ما تمنح الشجرة من بصيرة للعيون المتعددة للحشرات,

غرابة إحساس الطيور المهاجرة,

صفير قطار ينحرف في حلم جسر,

الحياة ظل يتناسل في المرآة,

وردة (بسلطة الأزل),

هي: أرض تتكاثر بخفق قلوبنا,

هندسة ساذجة ورتيبة لتنفسنا

علينا بغسل عيوننا

علينا ان نرى بطريقة مختلفة

علينا بتطهير كلماتنا

على الكلمة بذاتها ان تتحول الى ريح,

بذاتها تتحول الى مطر

علينا بطي مظلات المطر

علينا البقاء تحت المطر

على الفكر والذاكرة أن يتشرباه

علينا اتباع المدينة في استقبال المطر

لقاء صديق تحت المطر

نبحث عن الحب تحت المطر

نتوحد وامرأة تحت المطر

نستسلم للهو تحت المطر

نكتب, نتحدث أو نزرع نباتات الدودية الأرجوانية تحت المطر

فليست الحياة سوى تعميد أبدي,

وضوء في نافورة الحاضر الأزلي

لنرفض الكتاب حيث لا ريح تهب,

كتاب حيث الوردة لا تضوع طراوة,

هناك حيث الحياة سجينة فضاء الرؤية

لا نتمنى البتة أن يغادر الذباب أصابع الطبيعة

أو أن يترك الفهد عتبة الخلق

ستتألم الحياة حين تفتقد الدودة

كما يختل نظام شجرة محرومة من قضم الطفيليات

وعندما يفنى الموت ,

عبثا ستبحث يدنا عن شيء ما

وإن خذلنا النور,

سيتحول منطق الطيران الحي

ولنعلم: قبل خلق المرجان

كان فراغ دائم يسكن فكر البحار

خلفنا يجر تعب التاريخ,

خلفنا تصب ذاكرة الموجة في الضفاف

قواقع الموت الباردة

فلنذهب صوب البحر,

نرمي فيه شباكنا

نستخلص الطراوة

لنخطف من الشاطئ حبة رمل,

لنجس بهذه الإشارة

الثقل الهش للوجود

ونحن في الحمى علينا أن لا نسب ضوء القمر

(أحيانا وأنا في الحمى رأيت القمر نازلا إلى الأسفل,

حيث تطال اليد سقف الملكوت

رأيت أيضا طائر النغر يجيد الغناء

أحيانا حتى الجروح الغائرة في باطن قدمي

تدربني دون مواربة على وعورة الدرب

أحيانا عند سرير المرض تتراكم الورود كسطح البرتقالة

يضيء شعاع القنديل الكون)

علينا أن لا نهاب البتة الموت:

هو لا ينهي حياة الحمام

ليس زيزا منقلبا على ظهره

الموت يتجول في الفضاء الذهني لشجر السنط

يسكن الواحة الطرية للفكر,

الروح الليلية للقرية, يبشر برسالة الفجر

الموت يذوب في الفم مع عنقود العنب

يغني في حنجرة طيور أبو الحناء

يلون جمال أجنحة الفراشات

أحيانا يقطف ورق الريحان

ينتشي ببعض كؤوس الفودكا

جالس في الظل أحيانا يرميك بنظرة

نعرفها جميعا

ألا يملأ أوكسجين الموت الرئتين باللذة ?

علينا أن لا نغلق أبدا الباب أمام الكلام الحي للمصير

الذي ينادينا رغم ختام الأصوات

ليست مهمتنا فض سر الوردة

فعند الضرورة نستطيع أن نسبح في سحر الزهرة

ننصب خيمتنا في الطرف الآخر من المعرفة

أو نغمس أيدينا في سحر ورقة

نجلس بعدها إلى طاولة الوليمة

وعند الفجر, حين تشرق الشمس نولد من جديد,

نطلق بحرية حماسنا

فلنسق بالعذوبة حس الفضاء,

باللون, بالصوت وبالنوافذ

ولندع السماء تتسرب بين مقطعي الكائن

لنفرغ ولنملأ رئاتنا بنسمة الأبدية

لنخفف الكاهل الرهيف للسنونو من حمل المعرفة الثقيل,

لننزع الأسماء عن الغيوم,

وعن أشجار الدلب, والبعوض, والصيف

ولنستعر الآثار الندية للمطر,

نتسلق أعالي الحب

ونفتح الباب للإنسان, للنور, للنبات, للحشرة

وربما علينا اتباع

نداء الحقيقة

بين الرؤية السحيقة للوتس

وراهن قرننا.

قاشان, شنار 1964

المص—-ادر:

– رسول القاضي: شخص مكلف بحمل رسائل القاضي في روما القديمة.

) داريوش شايغان: درس في سويسرا, بريطانيا وفرنسا.- 1968 نال الدكتوراه عن رسالته (دراسات هندية)- 1970 عمل بروفيسورا للحضارة الهندية والفلسفة المقارنة في كلية الآداب بجامعة طهران.- صدر له بالفارسية (ديانات وفلسفات الهند)- آسيا في مواجهة الغرب 1977 – استقر في باريس, عين مديرا لمعهد الدراسات الإسماعيلية حتى 1988 – صدرت له مجموعة شعرية بالفرنسية (من بحر إلى بحر ومن ضفة إلى ضفة)1972-

الهندوسية والصوفية 1979

– النفس المبتورة 1989 (صدرت ترجمته العربية عن دار الساقي)

– منذ 1989 يتردد على الجامعات الأمريكية لإلقاء محاضرات والمشاركة في مؤتمرات.- يصدر مجلة أدبية باللغة الفارسية: إيران نامه.

الهوامش:

– سيلك: موقع أثري قرب قاشان.

– بحيرة في كشمير.

– سهراب سبهري (1928 – 1980)

– بيو- ببلوغرافيا:

– ولد بإيران سنة 1928 في قاشان حيث درس المرحلتين الابتدائية والثانوية.

– تخرج في معهد الفنون الجميلة – طهران وفاز بالجائزة الاولى سنة 1953.

– صدرت مجموعته الشعرية الاولى (موت اللون) سنة 1951.

– سافر الى بريطانيا واستقر في فرنسا سنة 1957 حيث درس الليتوغرافيا في معهد الفنون الجميلة – باريس.

– فاز بالجائزة الاولى في بينالي الفنون التشكيلية – طهران 1960.

– امضى عدة شهور في اليابان حيث درس الحفر على الخشب على يد معلم ياباني.

– صدور ديواني (هشيم الشمس) و (شرق الحزن) سنة 1961.

– سافر الى الهند وباكستان حيث امضى عدة أشهر سنة 1965.

– صدور مجموعة (خطى الماء) و قصيدته الطويلة (مسافر).

– صدور مجموعة (الفضاء الأخضر) 1967.

– المشاركة في بينالي باريس, العرض في جاليري بنسون – نيويورك 1969.

– العودة الى باريس حيث استقر في مدينة الفنون لمدة سنة, 1973.

– صدور مجموعته الشعرية الكاملة (ثمانية كتب)

و مجموعته الأخيرة (عدم كلي, إبصار كلي) 1977.

– وفاته في 1980 .

– صدور مقالاته (الغرفة الزرقاء) في طهران و مجموعته(خطوات الماء) بثلاث لغات: الانجليزية والفرنسية والالمانية في النمسا 1990 .

– صدور مختارات من شعره في باريس (ترجمة داريوش شايغان) 1991.

داريوش شايغان
ترجمة : يعقوب المحرقي
شاعر ومترجم من البحرين

 

((نزوى))