هل قرأتم من قبل ديوانا واحدا يفتتح كل قصائده بـ “عَيْناكِ”؟

إذا ما كتبَ السيّابُ “عيناك غابتا نخيلِ”، وكتب إيليا أبو ماضي “عيناكِ والسحر الذي فيهما”، وكتب نزار قباني ” عيناك ليالٍ صيفية، وعيناك عصفورتان دمشقيتان”، وغيرهم كثيرون كتبوا “عيناك”، ربما يكونوا آلافا… إلاّ أنَّ الشاعر علاء الغول في ديوانه “تركواز” كان مختلفا عن الجميع، إذ يقدم لنا ديوانا كاملا بقصائده المائة جميعها تبدأ بـ عَيْناكِ.. هذه النار الشعرية، أو هذا الاحتدام الروحي لا نجده إلا عند القلة.. هذا الإبداع يمكنه أن يقهر عملية النَقْد ويجعلنا نُشرْ بالإعجاب حتى لو كنا في نفس الوقت نشعرُ بالاستهجان، وليس هذا فحسب، بل إنه حيث يظهر رغم أنه يكون مصحوبا بما يتنافى والعقل؛ فإنه يغطي بسطوعه كل الأشعار التقليدية المجترة من حوله بحيث لا ترى شيئا سوى روعته..! و”عيناك” هو الوتر الذي عزف عليه علاء كل قصائد تركواز.. لهذا أطلقت عليه “قيثارة الريح” وهي “آلة موسيقية من وتر واحد حين يُعزف عليها تصدر نغمات متعددة مع نسمات الهواء، وتنسب هذه الآلة لـ “عوليس” وهو إله الريح في الميثولوجيا اليونانية.” (بنيلوبي مري: العبقرية تاريخ الفكرة، ترجمة: مجمد عبد الوهاب، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ع 208 ص170)

هل عرفتم من قبل شاعرا يكتب قصيدتين يوميا وبشكل متصل؟

إنه الشاعر علاء نعيم الغول، الذي بدأ مشروعه في أيلول من العام الرابع عشر بعد الألفين، وكنت أحسب أنه سينهي مشروعه “الألف قصيدة وقصيدة” بعد ألف يوم دون توقف، فاستمر يكتب يوميا قصيدته حتى القصيدة السبعمائة، وفي هذا الديوان “تركواز” فاجأني الشاعر بأنه كان يكتب قصيدتين في اليوم، وبشكل منتظم؛ فذيل قصيدته الأولى بيوم الخميس الفاتح لكانون الأول من العام السادس عشر بعد الألفين، والقصيدة الأخيرة من الديوان جاءت في يوم الاثنين الموافق للتاسع من الشهر التالي.. تماما خمسون يوم بمائة قصيدة، وبهذا يكون قارب من اكتمال مشروعه الألف قصيدة إن لم يكن قد اكتمل فعلا.. هذا الفيض والدفق الشعري المتسارع عند الشاعر علاء الغول لا يمكنه إلا أن يقهر الناقد ويعذبه وقد يحتاج زمنا أكبر بكثير من زمن الفيض لدى الشاعر كي يستبطن المرام ويكتشف الصور ومدلولاتها…

مجموعة “تركواز” هي المائة الثامنة من قصائده الألف، جاءت بغلاف رومانسي جميل، يحمل لوحة للرسام النمساوي كريستيان سكلو Christian Schloe، وهو فنان موهوب يجمع بين الرسم والتصوير الفوتوغرافي وتشتهر لوحاته بالغرابة والخيال المحيّر، إنه يخلق الوهم من الصفاء داخل تكوين غريب ومربك على الرغم من أنه قد يكون لا معنىً كبيرا وراء عمله، وهو لا يترك أي أدلة على التفسير ويترك للمشاهد تفسيرات كثيرة مثيرة للاهتمام، واحتمالات لا نهاية لها من الروايات التي نحلم بها، ولوحة تركواز هي لوحة كما سماها الفنان “Set your heart free دع قلبك حرا” وهي لفتاة جميلة ذات شعر خمري طويل يطير في الهواء وعيون سابلة وحالمة تخفي ألوانها، مع انحناء رأسها قليلا باتجاه شعرها المتطاير، تحمل في يدها اليسرى مرآة، أو علبة أنيقة بالقرب من قلبها، ينطلق منها للأعلى فراشات باللون التركوازي الذي يعبر عن الصفاء والفرح والأمل والاعتزاز بالنفس بثقة عالية ليغمرنا بفيض من الراحة والطمأنينة والهدوء.  إذن اختيار علاء لهذه اللوحة ليس عبثيا، إنها فاتحة الديوان وهي بدلالاتها تختصر كل شيء. (قراءة من الكاتب بعد مشاهدته للوحات سكلو)

“عيناك وقتُ اللوز قبل دقيقة.. عيناك معترك.. عيناك لي وجع الأغاني.. عيناك نهرٌ لم يصل للبحر.. عيناك أوجاع التظاهر بالرضا.. عيناك صوت الريح.. عيناك أن تصل الطيور مع المساء.. عيناك فجر مدينة بعد انتهاء الحرب.. عيناك كهف فاض به البحر..عيناك مائلتان أكثر للنعاس.. عيناك وقت ليس يكفي لاجتياز المفترق.. عيناك من صنع الندى.. عيناك أوسع مرتين.. عيناك أني لا أمانع نزهة مفتوحة.. عيناك وعد لم يكن كذبا.. عيناك تشتعلان بي.. عيناك جندٌ أُنهِكوا وتورطوا في الحب.. عيناك عصفور تبلل وانتفض.. عيناك صامتتان.. عيناك نافذتا فنار.. عيناك أرصفة الثلوج.. عيناك قشر اللوز.. عيناك ساعة حائط.. عيناك آثار البخور.. عيناك نصف فراشة..عيناك فاتحة الرحيل.. عيناك فرو حول ياقة معطف.. عيناك زادي أين كنت وكان قلبي.. عيناك نصف جزيرة في الأرخبيل.. عيناك شرفات.. عيناك أسماء الموانئ.. عيناك ألوان الصدف.. عيناك أوعية الزجاج.. عيناك طعم الموز.. عيناك واسعتان.. عيناك أول شارع فتح المدينة.. عيناك أعوام مضت.. عيناك متسع وماء.. عيناك وشم في مكان دافئ.. عيناك دافئتان.. عيناك باب حديقة.. عيناك أسئلة المسافر.. عيناك غيم من بعيد.. عيناك لي تبغ.. عيناك أطراف الجدائل.. عيناك حاضنتا سماء.. عيناك آخر لحظة في الوعي.. عيناك تمتلأن بالقصص.. عيناك أرصفة.. عيناك مشكاة.. عيناك أدعية البقاء.. عيناك آيات الشروق.. عيناك قهر العاشقين…..”    تلك هي بعض من افتتاحيات قصائد من الديوان، وهي ليست وصفا، أو تغزلا في عيون المعشوقة أو الوطن، بل هي ذلك كله وهي مدخل للإحالات الإنسانية والحب المفقود ليس لدى الشاعر فحسب، بل لدى إنسان هذا العصر “الذي صار فيه مجموعة كائنات كفت أن تكون بشرا، بل موادً نمطيةً خلقها التعليم القياسي، ومحشورة في المكاتب والورش أو المزارع والمصانع، وحتى الشرطة وما شابهها… جميعهم تثيرهم كل يوم وكل لحظة الأخبار المعلنة والتي تبثها في العالم المراكز الإلكترونية، بالطبع هذه الكائنات شوهتها وشيأتها الفضائيات الإعلامية وما شابهها من المواقع في الشبكة الإلكترونية بما تبثه من أخبارٍ وفنونٍ سوقية.. أما الفنان المبدع؛ فهو وحيد بحكم الواقع ومن خلال عجزه عن التكيف مع تلك الكائنات قد حافظ على الخصلة الإنسانية الأكثر قيمة.. وهو ليس بالشيء المضر إذا بالغ أحيانا وقطع أذنه ليكون أكثر قربا من الإنسان الحي، وليس من الآخر الشبيه بالموظف اليقظ وراء مكتبه الوزاري، أو الشرطي مثلا… هل رأيتم ضابط شرطة أو حتى كاتبا (موظفا) قطع أذنه لحبيبته..؟؟” (أرنستو سباتو: الكاتب وكوابيسه، ترجمة: عدنان المبارك، أزمنة للنشر والتوزيع، عمان 1999، ط1، ص 27.)

إذن شاعرنا علاء يقدم لنا شعرا إنسانيا يحاول فيه إعادة الروح إلى الجسد، إنه يعيد لنا أنطولوجيا الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر فالوجود الحقيقي، لديه ينطلق من تحمل الإنسان لمسؤولياته واختياراته وقدرته على اتخاذ القرارات بوعي كامل بالأوضاع والظروف التي تحيط به.أما الوجود الزائف، فيرى هايدجر أنه “الوجود النمطي الغارق في الحاضر، حيث ينفصل الشخص عن اختياراته الذاتية وإمكانياته الخاصة، ويصبح تابعاً لإرادات الآخرين، فيسقط في حالة الاغتراب التي ينعزل فيها عن ذاته ويتحول وجوده إلى شيء غريب عنه؛ فالحياة اليومية على سبيل المثال تفرغ الذات من وجودها الحقيقي، وتصبح مهددة من طرف الآخرين ولا تشعر بوجودها الحقيقي..” https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D9%86_%D9%87%D8%A7%D9%8A%D8%AF%D8%BA%D8%B1

صيغة الأنا والأنتِ أو كاف المخاطبة عند الشاعر علاء في “تركواز” والتي امتلأ بها الديوان وكأنها أسلوبا خاصا به دون غيره، ليست للتعبير عن العاطفة والشجن بقدر ما هي مخاطبة نصف المجتمع الأنثى تأكيدا على شراكتها حياتنا، بل هي الحياة جميعها.. في التفاصيل اليومية هو يغوص عميقا لسبر أغوار الذات وصولا إلى تلك المنطقة الغامضة المشتركة بين الذاتيات التي تحتل الذات الواحدة… اختيار علاء لعيون حبيبته ليس إلا مدخلا لكافة الحواس، فالعين هي جهاز من أجهزة الحواس الخمسة التي يملكها الإنسان، لكنها أم الحواس جميعها.. وبها يتعرف الإنسان على كل الأشياء، وبدونها يفقد الإنسان أهم مدخلا للحواس الأخرى… ويكفي أن نقول أن العين هي رمز للحياة؛ فمن يبصر يرى الحياة ومن لا يبصر تبقى الحياة لديه غامضة وتخفي عنه حقائق كثيرة لن يراها أو يدركها…

من يقرأ قصائد “تركواز” قد يستمتع ويستلذ بالصور الجميلة والمركبة الباذخة في تعبيراتها ومدلولاتها العميقة والمثيرة المحيرة.. لكنه يخرج منها كأنه لم يقرأ شيئا، سوى أنه يحمل في داخله الأمل والحلم والقلق.. بالضبط  مثل الانطباعات التي تتولد لدى مشاهد للوحات سكلو.. هي الرسالة الرئيسة التي يريدها علاء أن تصل للمتلقي، إنها رسالة تربوية بامتياز، وهي لا تخص مجتمعا بعينه، بل تخص الإنسان أيما كان، كيف لا..؟ فالإنسان يضع لمرات عدة الفوضى فوق النظام، والحرب فوق السلام والخطيئة فوق الفضيلة والتدمير فوق البناء.. هذه هي حالة الحقيقة العبثية التي يعيشها الإنسان، لكن الشاعر يسحبنا إلى حياة أخرى مفعمة بالأمل من خلال الحب، ليؤكد لنا من خلال رؤيته وأسئلته الاستنكارية كنفي للواقع، وأسئلته الواقعية التي تحثنا على البحث والإجابة، بدلا من الهروب إلى العبث.. رغم التأكيد على “الحياة” التي جاءت ضمنيا ومجازيا في كل قصائد الديوان، إلا أننا يمكننا رصد تعبير “الحياة” بكثافة في تركواز كما يلي:

ـ لما كل شيء في الحياة معاند… ص 8 / الحياة توقعات نصفها وجهي ونصفها أنت.. ص 10 / تبدو الحياة مناورات للنجاة وليس ينجينا.. ص 10 / تقف الحياة على حدود مبهمة النافذة.. ص 13 / من رضابك أو رذاذ الفل في شفتيك تدفعنا الحياةُ عن الجبل.. ص 21 / قطرة الشهد التي امتزجت بماء الكأس أرتشف الحياة كأغنية.. ص 23 / نبتة قد أزهرت تعني الحياة حقيقة ستزول.. ص 27 / أخيرا سوف تتركنا الحياة على الطريق.. ص 30 / طلقات الرصاص من المسافات القريبة لن نفرط في دقائق بيننا بل لن نخاف هي الحياة.. ص 32 / الحب ماء رائق ما كل في النفس يمكن أن يقال هي الحياة حبيبتي زهرات واد.. ص 39 / ما لست أعرفه يظل لدي مدعاة لأسعى في الحياة بلا كلل.. ص 40 / يكتمون الحب خوفا من عيون العابرين وليس أجمل من حياة لا تحاط بمقلقين ومُتعَبين كم الحياة أحبها متفائلا.. ص 41 / الحياة شوارع مفتوحة ومدينة أخرى ويبدو دائما في القلب حب واحد.. ص 42 / بين نهديك اللذين تحررا وردا وزهرا واشتهاء للحياة وزخرفات الضوء.. ص 45 / أنثى تعيد حكاية العشاق منك هي الحياة كقطرة في البحر أين وجودنا منها أحبك.. ص 47 / غريبة هذه الحياة وشأنها ألا تجامل من يعاني من يضل.. ص 50 / حظنا أن الحياة مصابة بدوار بحر أوصلتنا للمكان المستحيل.. ص 53 / لما الحياة هنا ازدراء للحياة تشنجات لا تريح وفي حب منك يكفي لاجتياز توقعات.. ص 54 / مالذي جعل النساء محاربات في قبائل غير مؤمنة بجدوى الحرب هل تعني الحياة الموت.. ص 60 / متى نصير فراشة خضيرة فرت من القفص المعلق والحياةُ حبيبتي تغيير أكياس الوسائد والملابس قبل النوم.. ص 60 / لا أخالف ما تمنيت والحياة على دواليب الهواء.. ص 62 / حيث نلحق بالحياة ولا نفرط بالذي بيني وبينك.. ص 70 / ما لدينا الآن أجمل والحياة بنا ولا نحتاج تسويقا.. ص76 / غريبة هذي الحياة ونادر قلب يحب وممتع صوت النساء.. ص 83 / واختلاق مبررات ذات معنى واحد أما الحياة فقد تبين أنها فقط انتصار.. ص 86 / هي الحياة مضايقات وارتقاء صادم.. ص 92 / لا أريد من الحياة سوى الحياة وليس يغريني الذي يغري.. ص 97 / هي الحياة حدودها ما يُشتهى ونناله ما نبتغيه وتستعيد الروح فيه.. ص 99 / أين الحياة وأين أنت كم المسافة بين أجزاء الحقيقة.. ص 100 / الحياة كأي قوس شد عن عمد.. ص 100 / وامتثلنا للذي قال الحياة تغيرات وانتهاز للهدوء.. ص 103 / والحياة مسافة معزوفة.. ص 107

الشاعر يؤكد لنا أن الحياة هي الهدف، كما أكد لنا أنها هي العيون، ورغم أن الحياة مليئة بالتناقضات إلا أن اللذة فيها أننا كيف نحيا وسط هذه المثيرات وليست المتناقضات..؟ كيف لا وإنسان اليوم في حالة توتر دائم؟، وهو يقف وجها لوجه أمام الدمار والموت والتعذيب والوحدة. إنه إنسان الحالات المتطرفة، وقد بلغ أو على وشك البلوغ، نهاية وجوده. وشاعرنا في تركوازه عندما يصف أو يفحص، لا يمكن أن يكون شيئا آخر عدا كونه شاعر الحالات الاستثنائية.. إن الشاعر علاء قد أجاب على معظم أسئلة الوجود.. وكما يسميه هايدجر (وجودي أصيل) حيث القلق هو الذي يأتي بـ (الأنا) إلى هذا الوجود الذي يسميه هايدغر (الوجود- في- العالم)، وهذه «الأنا» في هذا الوجود تستشعر بصورة قوية بـالعزلة، والتي هي (الصورة الأساسية للشعور بالموقف الاصلي)، فالقلق يعري الذات الإنسانية ويساعد الإنسان على تأكيد ذاته وان يكون هو نفسه، فالوجود المفعم بالقلق الوجودي هو الوجود الأصيل، أفراد قلائل هم الذين يختارون (الوجود الأصيل) وهذا يعني قبولهم في معايشة القلق، وذلك بهدف تأكيد ذواتهم وتأكيد تفردهم كأفراد يسعون إلى معرفة حقيقتهم ومعرفة معنى وجودهم الخاص، فالحياة لا معنى لها، لكن مع الاستمرار بها الإنسان هو الذي يمنح الحياة معناها والوجود معقوليته، وهو في الفلسفة الوجودية صانع لنفسه عبر ذاته التي يستحثها القلق، وأن يكون الإنسان هو ذاته فهذه صفة من صفات الوجود الأصيل، إلا أن الذات لا يمكن أن تكون هي نفسها إلا إذا تمتعت بالحرية. (هايدجر، ويكيبيديا، المرجع السابق)  وقصائد تركواز جميعها تؤكد حضور الإنسان بفعله وبسكولوجيته، بحلمه وبآماله وتطلعاته، ومن هنا جاءت المشاركة الفعلية لمحاكاة المشارك الحقيقي لاستمرار الحياة بكينونتها وصيرورتها في صورة الأنثى الحبيبة والزوجة المدينة أو الوطن.

قصائد تركواز كما امتلأت بصورة الحياة وتعبيراتها للتأكيد على وجودية الإنسان، جاءت الصورة الثانية كمعادل للحياة أيضا، وكذلك كمعادل للون التركواز الذي اختاره الشاعر عنوانا لقصائده، التركواز هو لون البحر الذي يكوّن سبعين في المائة من كوكبنا الذي نحيا عليه، إذ تكررت صورة البحر كثيرا في الديوان وربما هي صورة رئيسية تحتل خيال الشاعر وكينونته ليست في مجموعة تركواز فقط ! بل هي صورة قد نجدها في معظم قصائد علاء وشاعريته، وإذ نشير هنا لبعض من صورة البحر كما وردت في قصائد تركواز، وقد يأتي باحث آخر ليجمع كل صور البحر في شعر علاء الغول. صورة البحر التي نركز عليها هنا.. ليست كل شيء في ما يتعلق بالبحر ومدلولاته أو مكوناته وملحقاته، بل ركزنا فقط على بعض الصور التي حملت تعبيرا مباشرا للبحر:

ـ هكذا سينال مني البحر يجعلني أسيرك.. ص 7. / بعيدا في السماء أرى بقايا البحر تنثره الطيور على البيوت.. ص7 ./ عيناك نهر لم يصل للبحر.. ص10./ وبعد وقت ما سنفتقد الكثير وليس يسعفنا الندم لسنا كهذا البحر لسنا جائعين.. ص11./ وأن نكون معا أمام البحر أن نطوي رسائل ثم نتركها.. ص13./ عيناك كهف فاض فيه البحر نام فيه الخائفون.. ص15./ يمكننا معا تبديل لونينا على ضوء الشموع قبالة المرآة أو باب الحديقة أو على رمل البحر بين الليل والعبث الذي ملأ الأصابع..ص 18./ واخضرار البحر في آيار ناعمة ملامحنا أمام عيوننا.. ص23./ ونلحق بالشوارع في مدائن من بلاد خلف هذا البحر.. ص28./ ويبدو البحر قبل الليل أنثى لا تفكر في الذين استوقفوها عند باب الورد.. ص31./ هكذا البحر الجميل ذاكرة يحطمها الهواء.. ص36./ والصيف لي ريش النعامة فوق صدر صبية تركت هواء البحر أشهى خلفها.. ص40./ فاستعدي يا حبيبتي الجميلة للهروب معي بعيدا حيث يقف البحر أهدأ راغبا في النوم بين الغيم والنورس..ص41./ أين قهوتنا وصوت البحر أين مدينتي يوم انتشلنا البحر من ريش تناثر من رصاص أزَّ منتقما من الفرح.. ص43./ …

هكذا تأتي صورة البحر في شعر علاء لتؤكد ما ذهبنا إليه في تحليلنا المتواضع؛ فهو يرى في البحر حبه وحلمه وأمله، يرى فيه مدينته ووطنه وملجأه وكينونته، يرى فيه ذاكرته وأنثاه التي يحب ويرى فيه حكايات العشاق، يرى فيه الصيف وكل الفصول، لهوه وتسليته ومناجاته، يرى فيه مخلصه من العذابات، ويرى من خلاله الرحلات والسفر.. يرى فيه جزر الأحلام.. ويرى فيه التاريخ والجغرافيا.. البحر حبه وزاده وزاد حبيبته.

شاعرنا في تركواز كما في باقي أشعاره يختار كلماته بدقة وعناية فائقة وثقافة واسعة يسحبنا لنبحر عميقا لنتنفس هواء الفكر الروحي والتاريخي والفني من خلال الأسطورة التي يسقطها في شعره كدلالة على واقعنا، نعم! إنه الفنان الشاعر الذي لا يبحث، بل يجِدْ ويخلق.. ثم يلقي علينا مسئولية كبيرة في البحث مما قد وجدَ وخلقَ.. رغم أنني ضد التوضيح أو الإشارة في الغموض الذي قد يتلبس المتلقي في الفهم؛ فالمتعة واللذة تكمن في أن يبحث المتلقي عن ما يروم إليه الشاعر.. في قصيدة “شاهدرخت” ص 63. يسقط الشاعر أسطورة أصحاب الرسْ كما ورد ذكرها في القرآن الكريم، وأساطير الأولين يسقطها على واقع غزة، وما آل إليه الحال فيها.. كالصنوبرة (شاهدرخت) التي كانوا يعبدونها أصحاب الرس.. فهو يقول: شاهدرخت/ عيناك أقرأ فيهما ما لم يرد في السفر/ غزة أصبحت فيما أراه صنوبرة/ صوت النبي يئن تحت بيوتنا/ لا الريح تسكته ولا رعد تعالى/ ما الذي سيحل بالبلد الصغيرة/ أيها الرب الكبير أنا فررت إليك في نفسي/ وأعرف أن طعم الماء مختلف/ وفي قلبي عيون فاض منها النهر/ يجري فيه عمري مسرعا/ وحبيبتي شرفاتها مسكونة بالبحر والقهوة/ أحبك عن قريب سوف يكسبنا العناق/ توحدا مستسلمين وفائضين على سرير/ موصد بالعطر والشبق المدوي/ في مصابيح السقوف الخافتة/ عما قريب لن نفكر في الذي بيني وبينك/ إذ سنقفل خلفنا باب الماهوجاني صامتا/ نحيا معا.     إذن غزة هي الصنوبرة التي يعبدونها من يحكمونها، ولا يريدون التنازل عنها رغم صوت النبي الذي هو صوت أهلها الذين يصرخون في وجوه حكامها، لكن لا حياة لمن تنادي… فاكتفوا بتسليم أمرهم إلى الرب، فهو مخرجهم وأملهم ولسوف يقف بجانبهم ويخلصهم من الاستعباد… الشاعر يسحبنا إلى الأمل في وصفه لحبيبته غزة التي تطل على البحر وتشرب القهوة، فيخاطبها بالحب والعشق الذي سيؤول قريبا إلى عناق فوق سرير معطر في غرفة رومانسية، ولن يعودوا للتفكير فيما جرى… ويقفلون خلفهم باب الماهوجني من الخشب الجميل والغالي الثمن كتعويض عن حجم التضحية الكبيرة التي دفعتها غزة وأهلها على مدار سنين طويلة.. ليحيوا معا بهدوء وأمان..

صورة أخرى لغزة، تماثل الإسقاط الأسطوري، لكنه اسقاط مسرحي هزلي من ثقافة أخرى غير ثقافتنا.. وردت في قصيدة عنونها الشاعر بـ Vaudeville  (فوديفيل) وهو مصطلح مسرحي يعبر عن اللهو، ظهر في أمريكا الصناعية بعد عام 1880 كشكل من أشكال الترفيه الشعبي، ومن ثم تطور إلى شكل من النضال الطبقي والعرقي والعلاقات بين الجنسين والهوايات..، وفيما بعد قدمت فوديفيل كعمل مسرحي عروضا مسرحية هزلية موجهة إلى أرفع الأذواق الثقافية، والجماهير التي شملت النساء والأطفال؛ فكان لها صدى واسعا، وأثرا كبيرا في حملات وتنظيم التطهير العنصري في المدن الأمريكية كبوسطن وفيلادلفيا ونيويورك وبروفيدانس، أواخر القرن التاسع عشر. (تلخيص وقراءة من الكاتب لما ورد في العديد من المجلات)

قصيدة فوديفيل Vaudeville صفحة 58: عيناك مشكاة لآلئ في مرايا أفرطت/ في الصدق ما هذي المدينة وهي تَتَعرّى/ كشفت عمن أباحوا رجمها في ساحة الجندي/ في أسواقها الملأى بمن قطعوا الطريق/ على الذين يصدقون بأن غزة لا يضاجعها/ غريب خلف حائط مدرسة/ واستنزفوك مدينتي حتى رأيتك ترقصين/ على الطريق أمام من يلهون في أثداء نسوتهم/ نهارا ينهكون شفاههم في الإبتهال / ولا تزال صدورهم مبلولة مما تفيض/ به الغواية يا مدينتي التي دللتها حتى/ استدارت أصبحت تفاحة/ تركوك ترتجفين من برد الأسرّة/ يا حبيبتي الجميلة تقرأين الآن/ عن أشياء تجعلنا نحب لقاءنا سرا/ وبعد الليل.  ساحة الجندي المجهول في غزة، كما هي معلم تاريخي بارز في غزة أصبحت ساحة للنضال ضد الانقسام؛ إذ اعتادت التنظيمات والأحزاب والمؤسسات المدنية في غزة تنظيم وقفات الاحتجاج والنضال ضد الانقسام أو النضال ضد السلوك الاستبدادي الذي يحكم غزة.. هذه هي الصورة العبثية للنضال ولو أنها استمرت في التكرار كشكل مسرحي هزلي لا يغير من الواقع شيئا، وكأن غزة أنثى تعرت من حشمتها وكشفت زيف من يناضلون لتحريرها.. وكالعادة يسحبنا علاء إلى الأمل والحب والخصلة الإنسانية التي لا يستمسك بها سوى الفنان الشاعر…

الشاعر علاء الغول يخوض تجربته الشعرية بالشكل السردي لكل قصائده فريدا دون أن يشاركه أحد من الشعراء، بعد أن استلهم التراث الشعري والأدبي عربيا وعالميا؛ فهو يقدم لنا قصائده بشكل قصصي يحاكي بها محبوبته التي قد تكون كما أسلفنا، المعشوقة أم الوطن أم الأنثى شريكته الأساسية في هذه الحياة، تأكيدا وإصرارا على مناصفتها وحضورها دائما وفي كل الحالات.. فجاءت شاعريته بلغة أيروتيكية خجلة أحيانا، وصريحة أحيانا أخرى لكسر دائرة الاستبداد اللفظي التقليدي في الشكل والإيحاء والمجاز والصور الشبقية.. ليضع القارئ أمام نفسه، وأمام شعوره بالحميم من خلال المواقف الإنسانية الوجدانية في العلاقة بين الرجل والمرأة في فضاء رؤيوي مشحون بالوعي الأيروتيكي، وإن كان الديوان بأكمله هو مخاطبة أيروتيكية للأنثى، وتمثلَ في تقديم كل قصائده بعيناكِ، إلا أنني اخترت بعض من الصور والعبارات الموحية للأيروتيكية:

… بعيدا كل شيء بات يغريني وفي عينيك/ ما يكفي لأهدأ مرتين وأختفي والقلبُ/ وقتٌ ربما يكفي لينبضِ فيك وقتا ما. ص7.  .. إلاّ إني أراك الآن دافئة كقطّ في فراش/ للشتاء وفي شفاهك بسمة أو دعوة/ أو وشوشاتٌ مربكة. ص9.  .. أعلم أن في أيامنا ما ليس في أحلامنا/ والوقت أنت فشاركيني الدفء واقتربي كثيرا/ حيث يُلصِقُنا العناقُ بوشوشات الروح/ بالبذخ السماوي الذي يسري رقيقا في القبل/ ما أجمل الأحلام حين تصير واقعنا نحققها. ص12. .. فجأة في الظل أو تحت المطر/ كيف التحرر من نوازعنا أخيرا بالقبل. ص15. .. وغالبا تستسلم الأيادي على كتفيك/ أنظر في عيونك علني أستحضر الترف/ الذي بين الشفاه ونكهة تغري وعادات/ التودد لا تزال تطيعنا ونطيعها ترف العناق…. ونهاية لم تكتمل أو للعناق توقعات لا تراعي/ ما الذي في نيتي والحب أوله الذي/ بين العيون وما يظل من القبل. ص18. .. عانقيني في مصب النهر واغتسلي معي/ في الشمس لا الأسماء تعرفنا/ ولا حتى المكان سيكترث. ص19. .. وأنا أحب ولا أبالغ في قصيدتي/ التي خبأت في نهديك نقرأها معا/ في غفلة المرأة في الغرف/ التي لا تشتهي ما نشتهي. ص30. ..

أخيرا ما قدمناه ليس إلا إشارة أو إشارات سريعة لشعر علاء حاولنا أن نستخرج من محاراتها اللؤلؤ، ولا يمكننا إلا أن نقول: إن الأدب هو الميدان الأكثر حرية في هذا العالم لتكسير البنى التقليدية وقيمه وماضيه وحاضره، والبناء عليه ببنى أكثر قرباً من عالم الإنسان الطبيعي القريب من عالم الطبيعة وبقية الكائنات. بمعنى أن نعري البشاعة فنياً بعيداً عن التقرير التاريخي أو غيره عبر الأدب لنبي أشكالاً جمالية مكانه. فالإبداع هو الذي يفسح المجال للذهن أن يخرج عن التقليد، ويذهب بالخيال إلى عوالم أجمل وأكثر رقياً. وهذا الإبداع وحش جميل كاسر يقتحم المألوف والمعلن والمكرر ويكسره، يكسر المقدس والعوالم القديمة والطقوس المبرمجة ليبني على أنقاضه عالماً آخر، فلم يعد الإنسان وحده مظلوماً من الإنسان في هذا العالم نتيجة سلوكه وممارساته العدوانية، إنما هناك اعتداء على الحجارة والأنهار والقمر والغلاف الجوي والسماء والأرض والطقس. إذاً هناك ميادين كثيرة على المبدع تناولها وتعرية النشاط الإنساني القائم على التدمير الممنهج لكل أشكال الحياة، أن يكون خروجاً عن المألوف. فالأدب في محنة حقيقية، ومن ليس لديه مسوق قوي عليه أن يفكر جيداً قبل العمل، فإما أن يكون عملاً مميزاً وجديداً، ويكسر جدران التقليد أو يصمت ويجلس في مكانه. هناك تلوث أدبي يعاني منه الأدب نتيجة ابتذال العمل واستسهال الكتابة سواء في الشعر أو القصة أو الرواية. وهذه الأعمال يجب ألا تكون لحظة انفجار خاطر أو ضغط أزمة نفسية أو اجتماعية أو تاريخية، إنما ثقافة وبحث جاد وإطلاع عميق على ثقافات العالم بكل ألوانها سواء الفنية أو الأدبية أو الاجتماعية أو التاريخية. فلا يغرنكم الأسماء المشهور، فإنها ستنتهي بموت أصحابها، وستبقى الأسماء البراقة كالذهب الصافي مثل شكسبير وهوميروس وجلجامش وسرفانتس والطيب الصالح وغيرهم.. وكلنا يعرف أننا اكتشفنا عظمتهم ليس في زمنهم، بل ربما بعد موتهم بكثير.. نأمل أن يكون علاء واحدا منهم..