تهدف هذه الإضاءة إلى كشف الستار عن مدارجِ الوصول إلى معاني هذه المجموعة وليس لدراستها بشكل يجمع بين النهج الأكاديمي والرؤية الذاتية فالعنوانُ كأحد عتبات النص، مستخدماً المصطلحات المألوفة في هذا السياق، هو انعكاس الذات على مرآة الآخر ومنعها من التآكل والتلاشي بأن تدخل في طقوس بعثية تستدعي النداءات النمطية أمام مذبح الذات وتقديمها قربانا غير معلن عنه كي تبقى في حضرة الآخرْ.

تقع المجموعة في ثلاثة أبواب هي “قالت أمي: سيدةُ الكون أنتِ، أدخل إلى دهاليزك المعتمة لترى النور، ولا مستور بين طيات الكلام”، تقسيمات تبدو خاصة بالشاعرة والبحث عن مسوغات لها يحتاج إلى البحث عن علاقات تربط قصائد كل باب ببعضها البعض وهو أمر في حد ذاته يطرح سؤالا ماذا لو لم تكن هناك تقسيمات هل ستقدم المجموعة دلالات مختلفة؟

هناك الكثير من الأمور المفصلية التي ترسم حدود المجموعة وتفرض ذاتها أيضا لتشكل الإطار العام الذي يلملم الأفكار ويجعل منها غلافاً يحميها من التناثر وأنا أسميها الأدوات التي استخدمتها الشاعرة بشكل واعٍ أحياناً أو تبعاً لما تتطلبه القصيدة لتأخذ شكلها النهائي.

الصوت في المجموعة هو صوت أنثوي بامتياز مصبوغٌ بطريقة زاهيةٍ وبألوان صافيةٍ تمهد لأن تمرر فكرة مفادها أنَّ العلاقة بين الذكر والأنثى علاقة أزلية وتظهر في الاتكاء على قصة أدم وحواء وكذلك قصة سيدنا يوسف مع زوجة العزيز وكذلك على الدلالات التي تنبع من حتمية الاشتهاء والابتغاء من أجل ديمومة المشهد البشري.

الصورة الشعرية في المجموعة منسجمة مع نفسها من حيث التركيب والتأثير ومن حيث البداية والمهارةِ في إنهائها بدون إسفاف أو تسرع أو افتعال فأنت تنسحبُ مع مجرى السرد الصوري بطريقة هادئة تستطيع أن تؤتي أكلها في ذائقة القارىء ومخيلة المتلقي دونما عسر في القراءة وامتصاص مدلولاتها. والصورة في أغلب الأوقات تنبع من فكرة تجاوز المألوف وكسر رتابة المستهلكِ من العلاقات بين المفردات وهذا بدوره يتتطلب جهداً ذهنيا ومعرفياً لأن الغاية من الشعر أيضا القفز عن المحلية والأمتداد نحو الصورة الإنسانية المشتركة حتى وإن نبعت من حالات محلية خاصة فالثقافات جميعها تشترك في اللاوعي الجمعي الذي يربط الجنس البشري بمحدودية الفكرة والصورة مهما تجاوز الخيال أبعاده المعروفة.

الشاعرة فاطمة نزال تستدعي الأسطورة في نصوصها ولكن بشكل محسوب وغير مرهق إذ تميل إلى استخدام أسطورة معروفة لا تتطلب خلفية معرفية واسعة وتوظفها أيضا بشكل يجنبها الإنزلاق في هاوية الإستعراض المعرفي الذي يمارس نوعاً من الإرهاب ضد القارىء وتتماسك لديها الفكرة المطروحة على قاعدة أن النائم لا يحتاج أكثر من رأس دبوس ليصحو وكذلك أحاسيس المتلقى.

هذا ينقلنا إلى القاموس الشعري المستخدم في ثنايا المجموعة فهو يحتوي على قائمة مفردات يندر أن تجد بينها كلمة تستدعي استشارة معجم أو تصطدم مع ذائقة القارىء وهذا ليس ضعفا

بل قوة في استخدم الأبسط لتوصيل الأعمق وهذا ما استخدمه وليام وردزورث الشاعر الانجليزي الرومانسي في القرن الثامن عشر على سبيل المثال في توظيف المعاني البسيطة في توصيل غايته.

هناك صوفية ناعمة تسري في جسد المجموعة وتنقل لنا مدى الألفة بين الشاعرة ورؤيتها لما هو وراء الماديات والشفافية التي تنم عن نسيج أنثوي مضبوط بشكل يجعل القصائد جميعها تسبح في مزاج مترابط شعوريا وليس فكريا لان كل قصيدة تشكل وحدتها الخاصة بها في حين الترابط بين جميع قصائد الديوان يجب أن يكون مبنياً على تناص داخلي مع القصائد نفسها واستدعائها بين الفينة والأخرى لكي يشكل الديوان في مجمله لوحة فسيفساء مكتملة.

الشاعرة صاحبة فلسفة مدفوعةٍ بتجربة تأخذ أبعادها من استخدامها للاشارات التراثية والوضع الذي يضفي خصوصيته على المجمل الفلسطيني ولكن بصورة رمزية بعيداً عن المباشرة واللون الخطابي الثوري الذي يغلب على الشعر النضالي.

هذه إضاءة سريعة علها تكشف للمهتمين بشعر فاطمة نزال المفاصل التي تميز كتاباتها وأنا على يقين أن كتاباتها القادمة ستظهر لنا المزيد من طاقاتها الابداعية التي تضيف إلى المشهد الأدبي الفلسطيني والإنساني

السبت ٣٠/٦/٢٠١٨