وأنا أقرأُ في ديوان “الفِراش المغناطيسي” للشاعر أسعد الجبوري وقفت مليا عند قصيدته “غابة في الفراغ” وأدركتُ أنَّ نسيجها البنيوي والعلاقات التي تحكم المفردات والتراكيب اللغوية تضرب عميقا في العديد من الأساليب التصويرية الحداثية سواء تأثراً بالتوجهات الجديدة للتعابير الشعرية أو اعتماداً على رؤيته ولغته الخاصة. والأمر سيان حين يتعلق بالذائفة وما تتركه القصيدة في القارىء العادي والمتمرسْ.

في البدء وجدتُ نفسي في مواجهة واضحة مع سيريالية المشهد وكأنني أمام لوحة سيلفادور دالي The Temptation of St. Anthony والتي تنبع من اللاوعي من لحظة لا تختلف عن حلم غرائبي مفاجىء يستدعي الأشياء غير المتجانسة والتي لا تقبل أن تكون معاً في الواقع المضبوط بمنظومة الوعي وهيمنة العقل على مجريات الحدث، إنها لحظة القفز عن المتوقعِ والعادي إلى الضفة الأخرى من الفراغ الوجودي الذي نبحث عنه في لحظة تعليق الشعور والتكذيب أو كما أطلق عليها الشاعر الرومانسي كوليريدج عام ١٨١٧ suspension of disbelief من أجل الاستمتاع بالصورة المفاجئة بكل تفاصيلها التي تنفصل عن المألوف والمتوقعْ.

والنقطة الثانية هي الرمزية الجريئة ولا أقول المفرطة في الغموض والتي استدعت إلى ذهني قصيدة روبرت براونينغ Sordello وهي التي قال عنها الشاعر الفريد تينيسون أنه لم يفهم منها سوى سطرين الأول والأخير، حتى براونينغ نفسه قال عن بيت فيها أنه حين كتبه لم يكن يعرف معناه إلا الله وهو وبعد فترة لم يعد يعرف معناه إلا الله. ومع ذلك أصبحت Sordello بعد عقود عملا بطوليا عند عزرا باوند وسوينبيرن. وقصيدة الشاعر أسعد تمتلىء بالعلاقات الرمزية التي تخلق مفارقات ليس بالسهل التعاطي معها للوهلة الأولى ولكن تحتاج لأن يخلق القارىء بينه وبين اللغة نوعاً من الألفة والتراضي المنطقي و الالتفاف على الفهم السريع والمباشر الذي تعودت أن تقدمه القصيدة الكلاسيكية.

والنقطة الأخيرة التي وجدتها واضحة هي تبني القصيدة بشكل متعمد أو تلقائي ما نسميه  بتيار الوعي أو كما يعرف في النقد الغربي The stream of Consciousness والذي نراه واضحا في أعمال جيمس جويس وفيرجينيا وولف حيث تتقافز الأفكار بشكل مفاجىء وحسب ما يطرأُ على الوعي في لحظة الصحو وليس هناك قدرة يمكنها ان تتحكم بما يأتي على الذاكرة من صور وتخيلات.

هذه القصيدة لم تكن سوى إنموذج لتوضيح مفردات النص عند الشاعر أسعد الجبوري المدهش والغني بأفكاره وثقافته وتجربته في ديوانه الجميل والذي يحتاج فعلا الوقوف عليه كاملاً.

 

 

 

“غابة في الفراغ”

 

مرةً أخرى..

يستعيدُ الحالمُ عظامَهُ خيوطاً من بركةِ الرماد.

ينادى على التاكسيات الشبيه بالغيلان،

ويغادرُ نفسهُ القديمة.

مملٌ البقاءُ.

مفجعٌ الظهرُ جسراً. .

وليس بين هضاب الأرواح المتلاطمة غير الموتِ بأوراقهِ الجُمرُكية

المتطايرة فوق طرقٍ موشاةٍ بحيوانات ضاحكةٍ ،

وبما لدينا من صورٍ لمصارعين أشداء

يهدّمون في اللغةِ القباب،

من أجل أن يحرروا ترابها العالي من النوم ومن ميكروبات الخرافات على خط زوال الشمس

في رحلة التشويش العظيم.

مرةً أخرى..

ضميرُ المفرد الغائب الحاضر المجهول.الذاهب العائد التائه ما بين مناجم القول وبين ثياب الجبال المرتقة بجرعات صغيرة من الغيوم.

ثمة تعابير نافيةٌ للسكون على الورق وفي بطون العنادل.

وثمة امرأةٌ تكتب لرجلٍ مذكراتها بغاز النتروجين ،

بعدها  تعمل له ملحقاً

يستوعبُ كل ما فيه من خداعٍ وذئابٍ وأثواب نومٍ شاخرٍ

ومدّ شخصاني في تاريخ الأفدنة