كوليت مرشليان:فرنسا تحتفل بمئوية الشاعر الكبير أبولينير (1880 – 1918) ثوري تمرّدَ على الثورة وتقليدي تمرّدَ على التقليد!

appolinaire44
مئة عام على رحيل الشاعر المتعدّد، والمتنوّع، هو الكلاسيكي والثوري، الرمزي والدادائي والسوريالي… والغنائي. فهو من روّاد السوريالية، وتسميتها تعود إليه (وليس لأندره بريتان)، وكتب منها نصوصاً مميزة وخاصة، مع حرية احتفاظه بهامش استمر في مجمل مراحله الأدبية: أي التوازن بين ما هو ثوري (دادائي – سوريالي)، وبين ما هو تاريخي (رومانسي – رمزي)؛ ونظن أن هذه التعادلية، جعلته يتمرد على النظريات المقنّنة، التي ترفض كلياً الماضي، وتنفيه، في ادعاء، ابتكار قصيدة جديدة، بمواصفات مضادة، وبمناخات مختلفة. فهو كان «رؤيوي» السوريالية المفتوحة، وداعم كل الحركات التشكيلية والمسرحية الجديدة: كالتكعيبية، والوحشية، ودافع لفنانين كبار وحاول توضيح ما وراء أعمالهم التي التبست بغرائبها على كثير من العقول المحافِظة.

شارع حرّ، بكل ما تعني الكلمة. لم ينأسر بنمط، أو بأسلوب، أو بنظرية، تعامل مع هواجسه وحالاته وتجاربه (في جو تغييري) بما يناسبها من شكل…

فهو سوريالي وغير سوريالي، ورمزي وغير رمزي، ورومانسي وغير رومانسي: أو الأحرى إنه كل ذلك، وهذا بالذات ما كوّن عنده «أسلوباً» بلا أسلوبية، ونظرية تتجاوز النظرية. إنها لعبة الجدلية الخصبة، بين ما هو جديد وقديم، بين ما هو ثوري وتقليدي.

وبعد موته، احتفلت به فرنسا، من نافذتين «شهيد الحرب»، وشاعر الطليعة.

قد يكون أهم تفصيل في حياة الشاعر غيّوم أبولينير (1880 – 1918) الذي تحتفل فرنسا بمئويّة رحيله هذا العام هو سبب موته المبكر (38 عاماً) وتحديداً إصابته على جبهة القتال بعد انخراطه في صفوف الجيش خلال الحرب العالمية الأولى بشظايا قذيفة انفجرت بالقرب منه. وإذا (كان) لم يصمت جرّاء الإصابة المباشرة عام 1916 فإن عدم تعافيه من جرحه وضعف جسده المتواصل الذي جعله يستسلم إثر إصابته بفيروس الانفلونزا الإسبانية جعل أصدقاءه الشعراء وكل محبّي شِعره يصرّون على اعتباره شهيد حرب، فأطلقوا عليه صورة التصقت بذكراه وهي أنه «آخر شهداء الحرب» إذ مات قبيل إعلان انتهائها «إثر جرح ظلّ يعانيه ويؤرق حياته حتى قضى عليه»، مع فارق زمني ما بين الإصابة والموت كتب فيه عشرات القصائد وأسس خلاله مع شعراء آخرين لما سيكون ظاهرة العصر الشعرية التي أطلق عليها هو بنفسه تسمية «السوريالية» وتحديداً عبر رسالة كتبها لصديقه بول ديرميه يشرح فيها برنامجاً عرض له، واعتبر أن هذا العرض يفوق الخيال ويفوق الواقع فسمّاه «سوريالي».

وإذا كان ابولينير محسوباً على فرنسا كونه عاش كل تجربته الشعرية والنقدية فيها فهو بولندي الأصل ومولود في إيطاليا. وكانت أمّه من سلالة أسرة نبيلة في بولندا، أما والده فلا يُعرف عنه شيئاً كما لم يعرف عن ابنه إلا اسمه: فرانشيسكود اسبيرمونت، وقد هاجر أبولينير مراهقاً إلى فرنسا واتخذ اسم جدّه من جهة أمّه «أبوليناروس» وهو أيضاً اسم مشتق من «أبولون» إله الشعر.

طفولة قلقة

في جوّ قلق عاش أبولينير طفولته متنقلاً مع والدته وأخيه ما بين إيطاليا وموناكو وبلجيكا فعرف التشرّد والحرمان بغياب الوالد والنسب الشرعي، ولكن مع وصوله إلى باريس أتيح له أن يتابع دراسته ويكتشف شغف المطالعة فوجد خلاصه بعد وقت قليل في الكتابة وسرعان ما أصبح أحد أعظم شعراء بداية القرن العشرين في فرنسا بموهبته الأدبية الخارقة. فهو كان الشاعر والصحافي والناقد الأدبي والفني والناشر وكان صديقاً لكبار الرسامين حيث لعب إلى جانبهم دور المدافع الشرس عن الفن الحديث، وواكب كبار الشعراء الذين شكّلوا «حلقة السورياليين»، كما واكب الدادائية أي أمثال بريتون، والديار، وفيليب سوبو وأراغون… وبريفير وارطو… وبريفير وارطو…

والمعروف أنه اشتهر بالقصائد البصرية المتصلة بالفن التشكيلي. واعتبر موقع أبولينير في مطلع القرن العشرين وكأنه على تقاطع وكل التيارات الفنية والأدبية المتجاذبة التي سادت المرحلة. فهو يمثل أيضاً المرحلة الانتقالية الخصبة التي تحققت في الشعر الفرنسي بين 1900 و1920 أي من الرمزية إلى السوريالية. وفي العام 2013، أي بعد 95 عاماً من رحيله صدرت أعماله كلها عن دار غاليمار التي وضعت يدها على كل مؤلفاته وامتلكت كامل حقوق التصرف بها. منذ خمسة أعوام صارت أعماله الشعرية وغيرها في متناول الجميع ولأي اقتباس في المسرح والغناء والسينما والتلفزيون وقصائد له مثل «جسد ميرابو» و«كحول» و«أغنية العاشق غير المحبوب» و«إنها تمطر» و«الخريف العليل» و«وداع الفارس» ستصبح عبر اقتباسها المتواصل عناوين حب وشعر بامتياز. فقصائد الحب لديه مجبولة بالحزن والتعاسة وكأنه في كل مرة كان يعيش خيبة علاقة غرامية، كان يتذكر كل الحرمان والشقاء في طفولته، فصبغ قصائده بحزن عميق ارتسم صوراً شعرية رائعة: «تحت جسر ميرابو – يجري السين/ وحبنا/ أعليه أن يذكّرني/ الفرح يأتي دوماً بعد الألم/ يأتي الليل، تدق الساعة/ تمضي الأيام وأنا باقٍ…».

الفقر في باريس

في باريس عرف أبولينير العذاب والفقر قبل أن يتكرّس كشاعر، وعام 1900 وبناء على رغبة والدته دخل إلى معهد تقني وتعلم «الاختزال» والطبع على الآلة الكاتبة ليتوظف في أحد المصارف لكنه لم يستمر طويلاً في هذه المهنة، وبعدها انتقل للعمل إلى جانب أحد الكتّاب المغمورين حيث كان يدوّن له ما يمليه عليه من رواية متسلسلة كان ينشرها في جريدة «لو ماتان» لكن الأخير لم يدفع له أجره، فقرّر الكتابة وكانت أول مقالة له عام 1901 في مجلة «تاباران» النقدية الساخرة وأول قصيدة منشورة له في مجلة «فرنسا الكبرى» وكان توقيعه: ويلهام كوسترويزكي.

حياة عاطفية

عاش ويلهام أو أبولينير في ما بعد حياة عاطفية صاخبة تنقل فيها من علاقة غرامية إلى أخرى مع خيبات دائمة ترجمها شعراً: «آني بلايدان» عام 1902، تلتها حقبة غرامية انتهت بقصائد حملت العناوين التالية: «آني» و«أغنية العاشق غير المحبوب» و«مهاجر لاندور رود» و«رينان».

عام 1903، أسّس مجلة شهرية وكان هو مدير تحريرها «وليمة أوزوب» نشر فيها قصائده إلى جانب أعمال أصدقائه الشعراء. عام 1907 التقى الرسامة ماري لورانسان التي عاش معها قصة حب عاصفة استمرت سبعة أعوام، وفي هذه الأعوام بالذات توطدت صداقاته مع الشعراء والرسامين وكتب أجمل قصائده.

وعاش أغرب قصة عام 1911 واتهم بسرقة لوحة «الموناليزا» الشهيرة من متحف اللوفر وذلك بسبب صداقة ربطته بأحدهم وكان الأخير قد سرق منحوتات صغيرة سابقاً من المتحف، فأدخل إلى السجن لأسبوع كامل وأثّرت هذه الحادثة كثيراً عليه.

عام 1913، وعن منشورات «ميركور دو فرانس» صدرت مجموعته الشعرية «كحول» وتضم كل مؤلفاته ابتداء من العام 1898.

الجيش الفرنسي

وفي آب 1914، كانت أولى محاولاته للدخول إلى الجيش الفرنسي لكن طلبه رُفض لأنه لا يملك الجنسية الفرنسية. فسافر إلى مدينة نيس وهناك وبعد محاولة ثانية، تمّ قبوله إذ كان قد قدّم طلب الحصول على الجنسية.

وفي نيس تعرّف إلى لويس دوكوليني – شاتييون التي أغرم بها وكتب لها بعد هجرانها له: «قصائد إلى لو» الشهيرة.

من الجبهة، ومن مواقع القتال، كتب إلى «لو» أجمل ما لديه وكانت هي تعترف له بحبها لرجل آخر، وبعد محاولات للقاء بها لم يفلح، وذات يوم تعرّف إلى «مادلين باجيس» في القطاع الذي كان يقلّه في طريق العودة من موعد مع «لو»، وتبادل معها أجمل الرسائل كتب فيها من الجبهة قسوة القتال ولوعة الحب وجمالية القصائد.

الإصابة

في 9 آذار 1916، حصل أبولينير على الجنسية الفرنسية ولكن بعد أيام قليلة وتحديداً في 17 آذار أصيب في رأسه بشظايا قذيفة فنقل إلى باريس للعلاج وهناك لم يتعافَ سريعاً وخلال تلك المرحلة كتب: «الشاعر المقتول» مجموعة قصصية كان لها وقعها الإيجابي ورحّب بها النقّاد ترحيباً حاراً.

السوريالية

أما سنوات أبولينير الأخيرة، أي من 1917 إلى 1918 فكانت حافلة وبعد أن أعفي من عمله في الجيش بسبب إصابته كثّف نشاطه الأدبي والفني، وبصدفة عفوية ابتدع لفظة «السوريالية» التي مهّد لها عن طريق أول عرض مسرحي «سوريالي» له وهو «أثداء تيريزياس» وبعدها عبر قصائده التي عرفت محاولاته الجريئة وكانت هذه القصائد تتميّز بالجديد والمبتكر ورفض كل مألوف وتقليدي، فكان مختلفاً في كل ما تخطه يده إن في الكلمات أو في ما يوحيه من رسومات، فكان يطلق العنان لإبداعه ويكتب قصائده على أشكال متنوعة، هنا امرأة، هنا حصان، هنا قلم، هناك مطر سطره في قصيدة «مطر» بحروفها المرسومة فيقرأها القارئ وكأنها خيوط المطر المتساقط من الورقة..

دافع أبولينير عن نظريات شعرية كان يطلقها مع كل قصيدة يدوّنها، وقد صار اسمه في باريس في تلك المرحلة يسطع في أي حركة تجديد في كل أنواع الفنون التي كان المجتمع الفني بأسره يرفضها، فدافع عن «التكعيبية» في مقالاته النقدية ووقف إلى جانب صديقه بيكاسو يوضح خلفيات ودلالات الرسام في لوحاته التكعيبية التي أصبحت في ما بعد من أهم أعماله.

وفي الشعر، وفي خروجه من الرمزية إلى السوريالية، عرف أبولينير كيف يحافظ على الموروث الشعري والموروث اللغوي، وفي أقصى درجات التجديد في شعره كما في كل الاتجاهات الإبداعية التي دشّنها أو ساهم مع غيره في تدشينها من السوريالية إلى التكعيبية إلى الوحشية والمستقبلية والدادائية بقي متمسكاً بموقعه بين التحديث والتقليد. كان أبولينير يقول بأنه في مساره الأدبي، لم يرغب يوماً بالنظر إلى الماضي ولا إلى المستقبل، بل كان يريد أن يتبع حركة الزمن الحاضر، كما صرّح بأنه «وهو يكتب وإذ يعبّر عن كل ما يجده مميزاً أمامه، فكان يصبو إلى خلق تيار شعري شامل، لا أثر لأي مدرسة سابقة فيه، بل تيار لبداية القرن العشرين، زمن تجدد الفنون والكتابة والمسرح…» وقد شاركه فيه كل شعراء السوريالية من أندريه بروتون إلى لويس أراغون وفيليب سوبو وبول ايلوار وروبير دسنوس وغيرهم… حيث أي عمل فني لا يرتبط بأي نظرية أدبية بل يأتي من خيال، من أحاسيس آنية… لكن أبولينير لم يعش طويلاً فقد ترك أرض المعركة في الشعر ورحل باكراً، ولم يستطع أن يدرك ورشة السورياليين والدادائيين في كل ما أنجزوا من بعده. تريستان تزارا كتب من بعده: «لا يستطيع أحد أن يتجنب مصيره، لا يستطيع أحد أن يتجنّب الدادا…»، كما استمرت من بعده الروح السوريالية إلى أبعد ما فكّر به أبولينير في حياته.

مات غيوم أبولينير مع انتهاء الحرب ومدفنه في مقبرة «بير لاشيز»، مقسم 86 الخاص به، انشغل به أصدقاؤه لفترة سنوات وبخاصة بيكاسو لإنجاز ما يليق به وبما قدّمه، وقد أقيم مزاد علني بيعت مقتنياته من بعض الأعمال لماتيس وبيكاسو وذلك في العام 1924 لتأمين مبلغ لتنفيذ مقبرة مغايرة، غير أن الأمور رست على قبر يحمل لافتتَين تضم مقتطفات من كتابه «كاليغرام» إلى جانب ثلاث مقاطع من قصيدة له بعنوان «هضبة» تختصر كل مشروعه الشعري، وأيضاً كاليغرام شعري بالأخضر والأبيض بشكل قلب يُقرأ كالآتي: «قلبي مثل شعلة نار مقلوبة».

((المستقبل))

No Comments Yet

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *