إن التراث الإنساني مليء بالسرديات التي تختزل في رمزيتها معاني الوجود الإنساني، الفردي والجمعي معاً. وللسردية صلة وثيقة بالفلسفة، وبالزمن. لا تقتصر هذه الصلة على حقيقة أن الفلسفة لم تستطع يوماً أن تستغني عن السرد في هيكلتها الداخلية وبنائها الأخير، بل تمتد إلى حقيقة أخرى شكّلت موضوع كتاب الفيلسوف الفرنسي بول ريكور الذي ذهب إلى أنه ثمة رابطة بين فاعلية رواية قصة وبين الخاصية الزمانية للتجربة الإنسانية لا يمكن اختزالها إلى مجرد رابطة عرضية، بل هي تقدم شكلاً من الضرورة العابرة للثقافات. فيصير الزمان زماناً إنسانياً بمقدار ما يتمفصل بطريقة سردية، من ناحية. وتبلغ الرواية دلالتها الكاملة عندما تصير شرطَ الوجود الزماني من ناحية أخرى.[i]

يتحقق هذا الاشتراط بين الوجود الزماني للإنسان وبين الدلالة الكاملة للرواية، أفضل ما يتحقق، في مروية النبي إبراهيم. مروية المرويات، وسردية السرديات؛ إذ تشكل هذه القصة مروية مشتركة بين جميع الأديان. لكنها تشكل الرمزية الشمولية للخبرة الإنسانية أيضاً لِما في الإنسانية، وما في “الإنساني” من معانٍ أخلاقية، كالمسؤولية والواجب تجاه الآخر الإنساني المتعدد، تجاه تعددية الآخر اللامتناهية. وأمام هذه القصة تغدو الإجابة عن السؤال: هل هي حادثة تاريخية حقيقية؟ من دون معنى، ذلك لأننا إزاء مروية تتحدث عن الوجود الإنساني بكل ما فيه من إعضال ومفارقة ومن استحالة وإمكان. وأمامها يغدو الفصل بين الفلسفي وبين الديني بلا معنى، لأنها سابقة على كليهما. أضف إلى ذلك أننا لسنا أمام حادثة تاريخية مضت، والأمر يتعلق “الآن” بالتحقق من شخصياتها وأماكنها؛ إننا أمام الخبرة اليومية للإنسان، أمام الحاضر بأشد ما فيه من فرادة وتكرار في آن. نحن أمام أعدل الأشياء قسمة بين البشر- كما سيقول ديريدا لاحقاً.

لماذا “محنة إبراهيم”؟ ولماذا انشغل بها الفلاسفة هذا الانشغال؟ ومن بين أسماء كثيرة نذكر: كانط وهيغل وكيركيغارد وليفيناس وديريدا، وكافكا وبلانشو. منها خلص كيركيغارد إلى ضرورة تعليق “الأخلاق” التي، في رأيه، تُلغي الفردية المقوّمة للإيمان. ومنها خلص ليفيناس، في قراءة مناقضة لهذا الأخير، إلى ضرورة استعادة الأخلاق التي، في رأيه، هي البزوغ الأول للإنسانية. وأما ديريدا فخلص منها إلى ما يسميه “معضلة المسؤولية” التي تُشكّل شرط استحالة الأخلاق، وبما هي كذلك، شرط إمكانها.

السؤال الذي يطرحه الفلاسفة الثلاثة (كيركيغارد وليفيناس وديريدا) هو الآتي: ما الذي يحمل الفرادة إلى قصة إبراهيم؟ لماذا تشكل هذه القصة المروية بامتياز؟ ما هي خصيصة هذه المروية التي، بدلاً من أن تروي مجريات جريمة فظيعة، تحكي قصة الإنسانية والدين؟ ما هو الخط الفاصل الذي منع هذه القصة أو المحنة من أن تنقلب جريمةً داميةً؟ وبدلاً من أن يكون مجرماً، صار إبراهيم “فارس الإيمان”؟

وكذلك ، ما الذي يميز إبراهيم عن أي بطل مأسوي؟ عن أولئك الذين ذكرهم كيركيغارد في كتابه (خوف ورعدة). عن أغمانون Agamemnon ، الذي ضحى بابنته إفيجينيا Iphigénie ليهدّئ غضبَ الآلهة آرتميس Artémis؟ عن جيفتيه Jephté الذي قدم ابنته هو الآخر قرباناً للآلهة؟ عن القائد الروماني بروتوس Brutus، الذي حرص نفْسُه على تنفيذ عقوبة إعدام ابنيه المتهمين بالتآمر مع العدو؟

محنة إبراهيم في مجرد حدود العقل والتاريخ:

هناك من الفلاسفة من اقترب من عدِّه مجرماً. فقد حاكم كانط إبراهيم أخلاقياً، وذلك في حدود مجرّد العقل في كتابه الموسوم (الدين في حدود مجرّد العقل). فكانط يرجح فرضية “الخطأ”، إذ من غير الممكن أن ينقل الوحي لإبراهيم ذبحَ ابنه، يقول:  «أما أن يكون الله قد عبّر عن هذه الإرادة المرعبة [سلب حياة إنسان]، فهذا أمر ليس له من سند سوى وثائق تاريخية (…) وإذا كان يبدو له أنه قد تأتى إليه أيضاً من الله نفسه، (مثل الأمر الذي أتى إبراهيم بأن يذبح ابنه من صلبه كما يذبح خروفاً)، فإنه من الممكن على الأقل أن خطأً ما قد بسط هاهنا هيمنته.[ii]»

يقول كانط :”على الأقل”؛ لأنه يذهب إلى حدّ لوم إبراهيم على عدم رفضه هذا الأمر. “على الأقل” وإلا فإن إبراهيم قام بفعل غير عادل إلى أقصى حد، وبلا ضمير. يقول في كتابه (صراع الملكات):  «نستطيع أن نلجأ كمثال إلى أسطورة التضحية التي كان سيقوم بها إبراهيم بذبح ابنه الوحيد وحرقه بأمر الله (حتى إن الطفل المسكين، ومن دون أن يعرف الأمرَ، أحضر الخشب من أجل النار). كان على إبراهيم أن يجيب هذا الصوتَ الذي يفترض أنه صوت إلهي: من الواضح أنه عليّ ألا أقتل ولدي الطيب، لكن أنت، هذا الظهور الذي هو الله، لهو أمر لست متأكداً منه أبداً، ولا حتى من أن هذا الصوت يرِن إليّ، نحو الأسفل، من الجنة “الفعلية”.[iii]» لقد ارتكب إبراهيم عملاً شائناً بالنسبة إلى كانط، فقد كان عليه أن يشك، وأن يُحكِّم عقله، وأن يُدرك أن القصة يلفّها خطأ ما. أن يشك، على سبيل المثال، وأولاً وقبل كل شيء، أنه ليس في مقدوره أن يدرك اللامتناهي بحواسه المتناهية. وعليه أن يرتاب خصوصاً عندما أمره هذا الصوت بالقيام بأمر مناف للقانون الأخلاقي.

لم يخرج كانط عن حدود مجرّد العقل في تناوله قصةَ إبراهيم، فإبراهيم مُذنب في نظر العقل. لكن إبراهيم مذنب في نظر التاريخ أيضاً. رأى هيغل في إبراهيم رمزاً للعبودية في كتابات الشباب غير المكتملة:  «كان إبراهيم يشرد مع رعيته في أرض لا حدود لها، فهو لم يزرع أو يزيّن ولو قطعة صغيرة من الأرض بحيث يشعر بألفة معها، ويتبناها كجزءٍ من عالمه.[iv]» فهنا تمثل القطيعة الإبراهيمية في نظر هيغل خروجاً عن الحب: «إبراهيم لم يكن يشأ أن يحب، أراد أن يكون حراً من خلال اللاحب.[v]» بل عاش صراعاً مستمراً مع الجماعات البشرية المختلفة، لأنه رفض الملكية والعمل وانسلخ عن الطبيعة. أراد أن يكون طاعة مطلقة، فرفض كل رابط إنساني، واختياره أن يكون خادمَ ربَّه، لهو رفض أن يكون عبدَ أحدٍ. إن ذنب إبراهيم الذي لا يُغتفر هو خروجه عن ثنائية “السيد والعبد”، وهو بذلك خرج عن التاريخ ومشى عكسه. وبسبب هذا الخروج دخل في علاقة تناقض لا تقبل الديالكتيك؛ إذ كان إبراهيم يريد أن يكون سيداً بلا عبد، وأن يعيش في استيهام هيمنة مطلقة. هي جريمة لا تُغتفر في نظر هيغل، دفع إبراهيم ثمنها انفصالاً وتذبذباً وقلقاً. والنتيجة أنه بدلاً من أن يكون سيداً بلا عبد، كان عبداً مرتين: لله وللطبيعة؛ فقد عاش صراعاً مع الجماعات البشرية لأنه لم يكن يستقر في أرض واحدة. وما من رابط إنساني لديه، فبعبوديته لله أراد ألا يكون عبدَ أحدٍ. فهو هجر عائلته ليكون حراً وقائداً. وكان الفعل الأول الذي أصبح إبراهيم من خلاله أبَ أمة هو الانفصال الذي مزّق روابط الحياة الاجتماعية والحب كافة. أما علاقات الشباب الجميلة، فقد قام إبراهيم بصدّها.

حكم إبراهيم، من خلال هذا الانفصال، على مصير شعب كامل بالمأساة. ينظر هيغل إلى هذا الانفصال من حيث هو انفصال الخاص عن الكلي: «المأساة الكبيرة للشعب اليهودي ليست مأساة بالمعنى الإغريقي؛ فهي لا تستثير الخوف أو الشفقة (…) لا تستثير سوى الذعر. إن مآل الشعب اليهودي شبيه بمآل مكبث الذي قفز فوق الطبيعة نفسها، وتعلق بموجودات غريبة عنها، ولخدمتها داس وزهق كل ما هو مقدس في الطبيعة البشرية.[vi]»

“في حدود مجرّد العقل”، و”في حدود مجرّد التاريخ”، كلاهما محكومان بمفهوم للكلي (universal) يستحيل معه أي خروج؛ هيغل لا يرى أي “خروج” عن الطبيعة إلا بوصفهِ سلباً لهذه الطبيعة. هو سلب، وبالتالي، عودة إلى الذات. وهذا لا يعني أن الآخرية غير موجودة في الفلسفة الهيغيلية، بل هي تخضع لديالكتيك السيد والعبد. من هنا كانت جريمة إبراهيم في نظر هيغل جريمة مضاعفة، فهو بعبوديته لإله مطلق (الإله اليهودي) غير قابل للموضعة، أراد أن يكون حرّاً من كل علاقة ديالكتيكية، أن يكون سيداً من دون عبد، فضحّى بالحب والعلاقات الاجتماعية.

إلا أن القراءات التي يقدمها كل من كيركيغارد وليفيناس وديريدا لقصة النبي إبراهيم ستأخذ منحى آخر، وستقوم بما قام به فرويد مع أسطورة أوديب، أو كامو مع أسطورة سيزيف، أي أنها ستقدم قصة إبراهيم من حيث إنها ظاهرة شاملة للوجود الإنساني. سيؤكد فيها كيركيغارد ضرورة الالتفات إلى الصوت الأول، أي الصوت الذي أمر إبراهيم بتقديم إسحاق “أضحيةً”. أما ليفيناس، فسيشدد على ضرورة الالتفات إلى الصوت الثاني، الصوت الذي استعاض عن إسحاق بحمل، مستخلصاً نتائج عِدّة في ما يتعلق بضرورة الانفصال كنمط للعلاقة بين الأنا وبين الآخر. أمّا بالنسبة إلى ديريدا، فهو يرى أن التضحية تمت فعلاً، وأن إبراهيم ضحى بإسحاق، فلا قيمة للصوت الثاني. ويؤكد، بدوره، الإصغاءَ إلى صوت من لا صوت لهم، صوت الأنثى الغائب عن القصة. يُصغي ديريدا إلى الصمت: صمت سارة وصمت الحمل وصمت إسحاق.

إبراهيم كيركيغارد: الإيمان بالأرض قبل التسليم بالسّماء

بيد أن لهذا التشابه بين قراءة كيركيغار قصةَ إبراهيم، وبين قراءة فرويد مأساةَ أوديب أو قراءة كامو أسطورةَ سيزيف، حدود. ففي حين يرى الجميع أنفسهم في البطل المأساوي، ويشعر الجميع بالتوهج والخوف والتطهير (catharsis)، وبالتالي، بالمتعة المختلطة بالأسى، وبالنبل والحماسة والفخر والإعجاب[vii]، فإنه لا مكان لهذه المشاعر جميعها أمام قصة إبراهيم. وإن أحداً ليس في مقدوره أن يرى نفسه في إبراهيم[viii]. يشدد كيركيغارد في كتابه (خوف ورعدة) على الاختلاف بين إبراهيم والبطل المأساوي، كما سيشدد ليفيناس بعده على اختلاف مماثل بين البطل المأساوي وبين القديس. إن لبّ هذا الاختلاف هو أن البطل المأساوي يعمل في صالح الأخلاق ومن أجلها من حيث هي العام. البطل المأساوي يُفصح ويتكلم ويشرح ويفسر ويبرر فعلته أمام العموم. غير أن إبراهيم ابتعد عن ذلك كلّه.

يوجد في قصة إبراهيم كل الأسباب التي تحملنا على الابتعاد عنه، بل وعلى عدّه مجرماً. لكننا، ومع ذلك، نبجله ونمجده:  «إبراهيم عظيم بالقوة التي تستمد سلطانها من العجز، عظيم بحكمته التي يكمن سرها في الحماقة، عظيم بالأمل الذي يتخذ شكل الجنون، عظيم بالحب الذي هو بغض الإنسان لنفسه.[ix]» بهذه الكلمات يصف كيركيغارد إبراهيم الذي “توقع المستحيل”، فصار أعظم ممن توقع الممكن والأبدي.

إلا أن كيركيغارد يضعنا منذ البداية أمام تحذير مفاده، أن إبراهيم “فارس الإيمان” كان يؤمن بالحياة الدنيا، لا بالحياة الآخرة. كان ينتمي إلى هذه الحياة، ويؤمن أنه سيهرم في أرض أجداده، وتجلى حبه لهذه الحياة أبهى تجلٍّ في حب ابنه ووحيده إسحاق. لا غلو في القول إن كيركيغارد يستبعد الإيمان بالحياة الآخرة من دائرة الإيمان، ذاك الإيمان الذي يُضحّي بالحياة الدنيا. لو كان إيمان إبراهيم يقتصر على الحياة الآخرة، لسهل عليه إتمام التضحية، لتيقن أنه سيلقى ابنه في تلك الحياة، في تلك الأبدية التي ستجمعه بمن يحب بصفاء ونقاء. يقول كيركيغارد بنبرة من التشكيك أن الإيمان بحياة أخرى، «إن كان لمثل هذا الإيمان وجود[x]»، كان لينزع عن تجربة إبراهيم صفة المفارقة والإعضال، صفة القلق المتأتية من حب إبراهيم إسحاقَ. بل نستطيع أن نذهب أبعد من ذلك ونقول: إن الإيمان بحياة أخرى، وفق مصطلح كيركيغارد نفسه، ينتمي إلى المرحلة الأخلاقية – أو حتى الجمالية – لا إلى المرحلة الإيمانية. كيركيغارد لم يقل ذلك بصريح العبارة، لكنه فرّق بين الاستسلام للامتناهي وبين الإيمان به. الإيمان بحياة أخرى هو انتصار الزمان في معركة الصراع بين الإنسان وبين الزمان التي تميز المرحلة الأخلاقية، انتصار الزمان من حيث هو تكرار. لو كان يؤمن بحياة أخرى، لتحول إلى بطلٍ مأساوي، كسقراط مثلاً.

«على الله أن يغادر المشهد، وأن يبقى مع ذلك متفرجاً، هذا هو شرط إمكان العصر المأساوي»، هذا ما قاله لوكاتش في مقالته ميتافيزيقا المأساة[xi]. لوكاتش الذي افتتح مقالته بالعبارة الآتية:  «الدراما المأساوية عبارة عن صراع، صراع بين الإنسان ومصيره، والله فيها ليس إلا متفرجاً.» لكن الإله المأساوي يختلف عن إله إبراهيم، كما يختلف معنى الأضحية المقدمة للإلهين؛ في (المأدبة)، يُدرج أفلاطون في معنى الأضحية دلالات تتعلق بالتبادل والمقايضة بين البشر وبين الآلهة. وهذا المعنى يختلف عن معنى الأضحية في قصة إبراهيم، الذي يتضمن هبة لا مقابل لها، بل لا يمكن أن يكون لها مقابل. فأغامنون عندما قدم ابنته قرباناً، كان يريد من ذلك أن تحمي آرتيميس سفنه وهي في طريقها إلى طروادة. إن هذا المقابل هو ما يصنع من تضحية أغامنون أسطورة، هو الذي يجعل أغامنون بطلاً مأساوياً، وهو ما يجعل تقديمها “المسرحي” ممكناً. لكن من السهل انتقاد إبراهيم ورفضه، بل تجريمه؛ ففعله لا غاية له، ولم تكن الغاية من تقديم ابنه أضحيةً خلاص شعب أو الفوز في معركة. هو لا يريد أي مقابل، وفعله كان عبثياً، إبراهيم يؤمن باللامعقول، ولا يمكن أن يندرج فعله ضمن أي حساب إنساني، أي لا يندرج ضمن منطق المقايضة والمقابلة. ففعله كان حبّاً لا مقابل له، لذلك فهو ليس بطلاً، فعلٌ غير مفهوم، و «لا يمكن أن نتعلم منه شيئاً»، كما يقول كيركيغارد.

تصب صنيعة البطل المأساوي في مصلحة جماعة سوسيولوجية أو سياسية، وهذا الهدف ليس موجوداً في التضحية بإسحاق، فهذا الفعل لا يمكن أن يندرج في مصلحة أي شعب أو جماعة. كما أن التضحية التي يقوم بها البطل تقوّمها الجماعة وتحكم عليها باللوم أو بالإعجاب، والبطل يفسر فعلته إلى الناس ويبررها. غير أن إبراهيم، لكي يقوم بالتضحية، كان مضطراً للخروج عن الجماعة، وحفظ هذا الأمر سراً عن إسحاق وسارة، ولم يبرر فعلته، كأن يقول، مثلاً، إن الله هو من أمرني بذلك، أو إن واجبي تجاه شعبي هو الذي حملني على ارتكاب هذا الفعل. لكن لا شيء من ذلك كله.

إن إبراهيم كيركيغارد ليس مُسلِّماً باللامتناهي، فبالإضافة لما سبق ذكره عن تعلق إبراهيم بالحياة الأرضية وعدم إيمانه بالحياة الآخرة، يذكر كيركيغارد أن الإيمان – ذاك الذي استخلصه من تجربة إبراهيم – لا يعني فقدان المتناهي. إنّ الإيمان الذي يؤدي إلى فقدان الحياة الأرضية، فيزدريه كيركيغارد أيما ازدراء، الإيمان الذي يعني التسليم باللامتناهي، يتضمن المقايضة والحساب، وينتمي إلى المرحلة الجمالية والأخلاقية، لا إلى المرحلة الإيمانية. يميز كيركيغارد بوضوح بين “فرسان التسليم باللامتناهي” وبين “فارس الإيمان”:  «إن فرسان التسليم باللامتناهي يمكن التعرف عليهم بيسر: مشيئتهم منسابة واثقة من نفسها. أما أولئك الذين يحملون جوهرة الإيمان، فإنهم عرضة لتضليل الآخرين.[xii]» ويحذرنا كيركيغارد؛ أن تأمل قصة إبراهيم لا يعني التأثر بالإيمان – بمعنى التسليم باللامتناهي -، أو تحويل الماء إلى نبيذ، بل استعادة الماء من النبيذ. فإطار الإيمان لا يحيط المعقولَ،ولا المقابلَ ولا التبادل ولا الحساب. فالإيمان على علاقة مع المستحيل[xiii]، وعلينا هنا أن نتذكر تحديد هيدغر الوجودَ في علاقته مع “المستحيل”. وهنا يقوم كيركيغارد بإيماءة ستظهر نتائجها لاحقاً مع ديريدا. فمحنة إبراهيم لا تؤدي إلى فقدان المتناهي، هذا الأمر يؤكده كيركيغارد غير مرة، ليس اللامتناهي موضوع الإيمان، أو الله. الله في قصة إبراهيم إله شخصي، ليس ذاك الإله الميتافيزيقي الذي لا يأبه بالبشر، وإنما هو على علاقة شخصية مع إبراهيم: «ما ينبغي أن نلاحظه هو أن المرء بهذه الطريقة [طريقة الإيمان بالمستحيل، باللامعقول، بالعلاقة مع المستحيل] لا يفقد المتناهي، بل يكسب كل بوصة فيه.[xiv]»، وإبراهيم  «ينتمي تماماً إلى هذه الدنيا، لا يقل عن أي شخص غرير.[xv]» يقول كيركيغارد إنّ إبراهيم “رجل دنيوي”، بشكل لا يدع أي مجال للشك، حتى أنه لا سبيل لملاحظته، ومن المحال تمييزه عن بقية الحشد. حياته ليست أسطورية،  «يفعل أتفه الأشياء»، «حساباته تافهة»، قد تصل إلى حد «الخسة والوضاعة»، لا علامات للمطلق في عينيه، لن ترى فيه أي إشارة أو رنة حزن أو ابتسامة «تنمّ عن اللامتناهي في تنافره مع المتناهي. أبداً!» إبراهيم ينتزع المتناهي من اللامتناهي. كما يتردد كيركيغارد في وصف ما قام به إبراهيم بالأعجوبة أو بالجلال. هو ينتمي إلى هذه الدنيا، وجود-هنا، هو يمسك الوجود بفضل الإيمان، وبفضل اقتناعه بالمستحيل. القوة، أو القدرة، ليست هي ما يلزم لتحقيق المستحيل، والمستحيل ليس أمراً عصياً يقابل الممكن. الزهد إذاً ليس هو نمط العلاقة مع الوجود، لأنه يعني التخلي، وفارس الإيمان يخلص من علاقته مع المستحيل إلى التمسك بكل بوصة بالأرض: «بالإيمان، لا أتخلى عن شيء، وإنما على العكس، بالإيمان أنال كل شيء.[xvi]» الأمر يختلف بشدة عن النيل في الحياة الآخرة، هذه الطريقة في الوجود تنتمي – كما أكدنا سابقاً – إلى لمرحلة الأخلاقية أو حتى الجمالية. لذلك يرى كيركيغارد أن “استعادة إسحاق” هي أعظم لحظة في قصة إبراهيم، فهي تعني الإمساك بالزماني بفضل الإيمان باللامعقول.

لم يقل إبراهيم لنفسه: «سأضحي بابني، وسيجازيني الله في الحياة الآخرة»، ولم يكن يعرف أنه سيستعيد ابنه في النهاية (ديريدا سيرفض هذه اللحظة، ربما لأنها ستحول إبراهيم إلى بطل أسطوري!)، كان يعرف أنه مُقدِمٌ على ذبح ابنه المحبوب الوحيد، وأنه لا مقابل لهذا الفعل، وأن الأمر عبثي برمته، وأنه لا حياة خارج هذه الحياة، الحياة هنا، ومع ذلك، أقدم على فعلته؛ وهذا أمر غير مفهوم، هو اللامعقول، هذا هو المستحيل! وهذا هو إبراهيم “فارس الإيمان”.

إبراهيم ليفيناس: منظور جديد للإلحاد

قاد تفسير قصة إبراهيم كيركيغارد إلى تعليق “الأخلاق” ونسبها إلى العام. فالأخلاق بالنسبة إليه لا تصون الفرادة. الأخلاق هي العام واللغة والتكرار. لذلك إبراهيم لم يتكلم ويبرر موقفه أمام ذويه، ولو فعل ذلك، لسقط في التكرار وغوايته، في اللغة وعموميتها، ولانمحت فرادة فعله، وتحول إلى بطل مأساوي. إبراهيم ليس أخلاقياً، لا يمكن قبول إبراهيم انطلاقاً من المنظور الأخلاقي، وكانط مُحقّ في هذا الخصوص.

يميز ليفيناس في قصة إبراهيم صوتين؛ الصوت الأول هو الذي أمر إبراهيم تقديمَ ابنه أضحيةً. الصوت الثاني، هو الصوت الذي أمر استبدالَ حملٍ به. وسماع إبراهيم الصوتَ الأول ليس هو ما يشكّل خصيصة هذه القصة؛ فلو اقتصرت القصة على تقديم الأضحية، وعلى ذبح الابن لما تضمنت كل هذه الدلالات الإعضالية والإنسانية. لكن ليفيناس يركز على الصوت الثاني، ويقول إن سماعه هو المسألة الحاسمة في هذه القصة. غير أن سماع الصوت الثاني كان مسبوقاً بشرط، وهو علاقة معينة بين إبراهيم وبين الله. هذه العلاقة التي يسميها ليفيناس علاقة اللاعلاقة، أو الانفصال. ولو علمنا أن الاسم الفلسفي الذي يُعطيه ليفيناس لهذه اللاعلاقة هو “الإلحاد”، لتبين ما تنطوي عليه قراءة ليفيناس من أهمية وفرادة في تاريخ الفلسفة. لنقل بعبارة وجيزة ودقيقة: ما كان في مقدور إبراهيم سماع الصوت الثاني لو لم يكن يرتاب بالصوت الأول. وبذلك يكون ليفيناس قد أنقذ إبراهيم من حكم كانط، الذي رأى في فعل إبراهيم فعلة غير أخلاقية. أما كيركيغارد، بفصله الأخلاق عن الإيمان، وجعله تعليق الأولى شرطَ تحققِ الثانية، وإقصائه الأخلاق إلى العام والعمومية، فقد ضحّى في الوقت نفسه بالأخلاق والإيمان. إلا أن ليفيناس يرى أن سماع إبراهيم الصوتَ الثاني ينقذ الأخلاق والإيمان معاً. لو لم يكن إبراهيم “ملحداً”، لما استطاع سماع الصوت الثاني. ولا شك أن العبارة الأخيرة تنطوي على حدود متناقضة وقول لا يمكن التسليم به بسهولة، بل هو أقرب إلى الجنون. لكن هذا هو فحوى فلسفة ليفيناس الإيطيقة، على وجه العموم، وفحوى قراءته قصةَ إبراهيم على وجه الخصوص.

لكن لمفهوم الإلحاد عند ليفيناس معنى مختلفاً عن إنكار وجود الله. يقصد ليفيناس بـ”الإلحاد” معنى الانفصال. فالعلاقة بين الإنسان وبين الله هي علاقة انفصال. يُعرّف ليفيناس الإنسان في كتابه الموسوم (الكلانية واللامتناهي)بالموجود المنفصل. وحدود هذه العلاقة تفرضها طريقة الله في الوجود، أو – بصيغة أدق – في اللاوجود. فالله لا يُقال بمصطلحات الوجود. الله لا يوجد وإنما يتعالى، يتعالى حتى الغياب المطلق. هو في ما وراء الوجود، أو غير الوجود. وبذلك يكون ليفيناس قد قطع مع تراث فلسفي متجذّر قائم على البرهنة على وجود الله. وهو ما أدى في نظر ليفيناس إلى أشكال من وجود الله “ملوّثة” بالكينونة. لذلك، بدلاً من ضرورة إنقاذ الكينونة من النسيان (الأطروحة التي صاغها هيدغر)، ينادي ليفيناس بضرورة أكثر إلحاحاً، وهي إنقاذ الله من الكينونة[xvii]. إن الخلط بين الله وبين الوجود في تاريخ الفلسفة هو الذي أدى إلى أشكال من وجود الله أبعدته عن مجال “الإنساني”. كالإله الميكانيكي (ديكارت) أو الرياضي (لايبنتز) أو الساعاتي (فولتير). بهذا المعنى، يكون إله ليفيناس غير موجود، غير الوجود أو الماهية، دونَ أن يكون عدماً، إله متعالٍ حتى الغياب المطلق. من هنا يأخذ الإلحاد معناه، أي بوصفه انفصالاً لا يقول أكثر مما ينبغي في ما يخص طرق الله في اللاوجود: التعالي المطلق.

وبما أن الله غير موجود، أو غير الوجود وفي ما ورائه، فالعلاقة معه لا يمكن أن تُقال وفق مصطلح الأنطولوجيا. لا يمكن أن تكون علاقة فهم أو إدراك أو توحّد؛ فكل هذه المقولات ستؤدي إلى اختزال آخريته أو علّوه. إنما العلاقة الوحيدة الممكنة هي اللاعلاقة أو الانفصال. وحدّا هذه العلاقة هما وجود منفصل، ولامتناهٍ يتعالى حتى الغياب المطلق. الاسم الفلسفي لهذا الانفصال هو الإلحاد. لكن الإلحاد هنا لا يعني الدلالة التي اكتسبها تاريخياً، الإلحاد وفق هذا المعنى إلحاد أنطولوجي، هو مجرّد واقعة أن الموجود موجود. يقول ليفيناس في هذا الصدد:  «نقصد بالإلحادية هنا موقعاً سابقاً على إنكار الإلهي أو إثباته . (…) إنه وبلا ريب لمجد عظيم بالنسبة إلى الخالق أن يكون قد خلق موجوداً قادراً على الإلحاد.[xviii]» ويُعرّف في الموضع ذاته الإلحاد، فيقول: هو «أن نعيش خارج الله، في بيتنا، أنا وأنانية. النفس، في بعدها النفسي، هي إتمام للانفصال، وهي ملحدة بشكل طبيعي.» وبهذا يقرب معنى الإلحاد هنا من مفهوم “الإيمان الدنيوي” لدى كيركيغارد، أو عدم التضحية بالمتناهي من أجل اللامتناهي. هذا “الإلحاد” (الانفصال) هو الذي جعل إبراهيم يتمسك بالأرضي، وبإسحاق، ويفوز به في نهاية المطاف. ويذهب ليفيناس حدّ جعل

الانفصال شرط سماع الكلام الرباني[xix]. لذلك فهو يركّز في قراءته قصةَ إبراهيم على الصوت الثاني، فيقول: «أن يطيع إبراهيم الصوت الأول أمرٌ مدهش، لكن أن يكون قد احتفظ إزاء هذه الطاعة بمسافة كافية ليكون قادرًا على سماع الصوت الثاني – هذا هو الجوهري.[xx]» هذه المسافة هي التي منعت محنة ابراهيم أن تتحول إلى جريمة دامية، هي التي منعت أن ينقلب مجد الله مأساة، وهي التي أعادت إبراهيم إلى الأخلاق.

إبراهيم ديريدا: السّرّ وصوت من لا صوت لهم

يرى ديريدا أن التضحية تمّت، وإبراهيم قدم إسحاق ذبيحة حقاً، فهو لا يُقرّ بعملية الاستبدال الأخيرة. إبراهيم أقدم فعلاً على التضحية بابنه، وإن روت القصة نهاية غير ذلك. وما ترويه هذه القصة إنما هو معضلة الأخلاق أمام تعددية الآخر. ما ترويه هذه القصة هو المعضلة، معضلة الأخلاق ومعضلة المسؤولية. فمحنة إبراهيم هي  «الشيء الأعدل قسمة بين البشر.[xxi]» إنها بنية الحياة اليومية. وإن كان لا بد من الاعتراف بأخلاقية تعلمها هذه المحنة، فهي التخلي عن كل قانون أخلاقي. الأنا هنا في إعضال ومفارقة، إذ عليها أن تستجيب إلى الآخر الكلي – الله – وفي الوقت نفسه إلى الآخرين. لكن ماذا لو كان قانون الآخر الكلي هو عدم الاستجابة إلى الآخرين؟

رفض ديريدا أن يكتب في الأخلاق، ولذلك انتُقِدَ أشد الانتقاد. وتحدث عن رفضه هذا بمرارة في كتابه (Donner la mort): «يُقال إن الفلاسفة الذين لا يكتبون في الأخلاق لا يضطلعون بمسؤوليتهم. وكأن من واجبات الفيلسوف أن يضيف فصلاً آخر وآخر في الأخلاق إلى مؤلفاته، ولا شك في أنه سيعود في ذلك إلى كانط. ما يجهله فرسان الضمير هؤلاء، هو أن “التضحية بإسحاق” تمثّلُ الخبرة اليومية والأشد عمومية للمسؤولية. لا شك في أن القصة فظيعة وغير مسبوقة، وبالكاد نستطيع التفكير فيها: أبٌ يمنح الموتَ ابنهَ المحبوب، حبَّه الذي لا يُعوَّض، لأن الآخر، الآخر القدير طلب أو أمره بذلك دونما أيِّ شرح. أيُّ جريمةٍ فظيعة هذه، قياساً بالحب والإنسانية، بالعائلة والأخلاق![xxii]»

من الواضح أن ديريدا يرفض الأخلاق بمفهومها الكانطي. ولا يُصغي ديريدا إلى الصوت، بل إلى الصمت؛ صمت إبراهيم أمام استجواب عائلته، صمت يُترجمه ديريدا بمصطلح “الخيانة”. إن الوجه الآخر لإطاعة الآخر الكلي هو خيانة الآخرين. كل استجابة لآخر هي خيانة لآخرٍ آخر: معضلة. إن الآخر الكلي (le tout autre) الذي يشكل شرط إمكان الإيمان لدى كيركيغارد وشرط إمكان الإيطيقا لدى ليفيناس، يرى فيه ديريدا شرط استحالة كليهما.

يرى ديريدا في “قصة إبراهيم” تمثيلاً لما يُسميه “معضلة المسؤولية”: محنة الأنا أمام تعددية الآخر. فإبراهيم، وباستجابته لأمر الآخر الكلي (الله)، خان أولاً ابنه المحبوب، إسحاق. كما خان سارة، التي تركها في حيرة من أمرها ولم يشرح لها أمر الله. إن أي استجابة لآخرٍ هي خيانة لآخرٍ آخر. لذلك فهو يرى في “الآخر الكلي” اسم استحالة الأخلاق، لأن الآخر الكلي – الله –  «غائب وخفيّ ومنفصل وكتوم – في اللحظة التي ينبغي فيها إطاعته.[xxiii]» إله متعالٍ حتى الغياب – كما قال ليفيناس -، إلا أن ديريدا يرى أن هذا التعالي والانفصال الكلي قد يمحو أثره، وقد ينقلب مجده مأساة.

يرى ديريدا أن محنة إبراهيم تمنعنا من التوصل إلى صوغ مفهومٍ عن المسؤولية. فعادةً ما ربطت الفلسفة بين المسؤولية وبين التبرير أمام العموم. لكننا هنا أمام مسؤولية مطلقة تتطلب الحنث والإخلاف بالأخلاق، لأنها تتطلب السّرّ، وتتطلب الصمت وإنكار الأقارب. لم يحفظ إبراهيم السّرّ لأنه أراد إنقاذ إسحاق:  «صمته، أي واقع أنه لم يكشف سرّ التضحية المطلوبة، ليس الهدف منه حتماً إنقاذ إسحاق.[xxiv]»

المسؤولية تقتضي الصمت والسّرّ. أمّا الأخلاق فتستوجب الكلام والعلنية:  «بكلمة واحدة، يجب أن نُضحي بالأخلاق باسم الواجب.[xxv]» والتضحية بالأخلاق تعود إلى واقع أنه ثمة آخرون كثر، وديريدا يصوغ الترابط بين الإنسان الآخر وبين الآخر الكلي والمطلق، أو الآخر الكبير، فيقول إن كل آخر هو آخر كلي[xxvi]. إن محنة إبراهيم تتحدى الفكر المفاهيمي وتضعه في مواجهة موته ونهايته. لا يمكن الوصول إلى مفهوم عن المسؤولية لأن المسؤولية تقتضي أن نكون غير مسؤولين أمام الآخر.

غير أن ما يلفت ديريدا هو غياب المرأة:  «كيف لا ننتبه (…) لغياب المرأة؟ إنها قصة أب وابن، قصة بشخصيات ذكرية، وقصة تراتبيات بين الرجال: الله الأب، إبراهيم، إسحاق؛ المرأة، سارة، وهي التي لا نُخبرها بشيء، من دون أن نتحدث عن هاجر أيضاً.[xxvii]» هل تَدخّل المرأة في القصة كان ليغير شيئاً في كونية القانون ومنطق المسؤولية؟ يرى ديريدا في هذه القصة تضحية بالمرأة أيضاً، وذلك خلافاً لما يحدث مع التضحية المأساوية، حيث المرأة حاضرة بقوة.

لسنا جميعاً إبراهيم أو إسحاق أو سارة، لكننا نتقاسم مع إبراهيم السّرّ نفسه، ذلك السر الذي لا نعلم عنه شيئاً ولا يمكننا قوله للآخرين. لكن ماذا يعني أن نتقاسم السر؟ هذا لا يعني أن نعرف ما يعرف الآخر، فإبراهيم لا يعرف لماذا طلب إلهه هذا الموت منه. ولا يعني أن نتشارك الإيمان، لأن الإيمان ينبغي أن يبقى صيرورة فردانية مطلقة. يُشير ديريدا إلى أن كيركيغار شدد على أنه لم يكن في مقدوره أن يفهم إبراهيم؛ لم يكن يفهمه وليس في وسعه أن يفعل مثله، لكنه يُبجله ويسميه “فارس الإيمان”. ويرى ديريدا أن هذا هو الموقف الوحيد الممكن أمام إبراهيم:  «إننا نتقاسم مع إبراهيم ما لا يقبل التقاسم، نتقاسم سّرّاً لا نعلم عنه شيئاً، لا هو ولا نحن. أن نتقاسم سراً ما لا يعني معرفة أو كشف السر، بل يعني تقاسم شيء غامض: شيء مما لا نعرفه وليس في مقدورنا تحديده.»[xxviii]

خاتمة

ركّزت القراءات الثلاثة السابقة على اتصال المتناهي باللامتناهي؛ فإبراهيم، عندما يمنح ابنه الموت، فهو يمنحه أيضاً اللهَ. والتضحية بالسعادة الأرضية هي أيضاً تضحية بالزمان وبالله. لقد جعل ليفيناس الإقامة في الأرض (البيت والمرأة والأنا) شرطَ ضيافةِ الآخر، اللامتناهي في المتناهي.و يؤكد ليفيناس أنه، داخل ثنائية المتناهي (fini) واللامتناهي (in-fini)، اللامتناهي ليس نفيَ المتناهي وإنما باقٍ في داخله، لتُعبّر البادئة (in) بالأحرى عن ضيافة وليس عن نفي. وكذلك شددنا على التمييز بين الإيمان وبين الاستسلام عند كيركيغارد، لإبراز هذا التشابك بين قطبي المحنة.

ما هي محنة إبراهيم، في نهاية المطاف، غير هذه المعضلة التي تسم الوجود الإنساني، ويتحدد ما هو “إنساني” من خلالها، والتي تقتضي من كل واحد منّا أن يُضحي بعلاقته مع آخر للإيفاء بوعده أمام آخرٍ آخر، ماذا تعني سوى ما قصده ديريدا بـ “معضلة المسؤولية”. تحت عنوان “النزاع[xxix]“، يمرّ موريس بلانشو سريعاً على التضحية بإسحاق، لكن ليس من دون دلالة عميقة، فيقول: «… فمحنة إبراهيم ليست في التضحية بابنه فحسب، بل بالله والوقت. فالابن هو مجيء الله على الأرض في المستقبل. والزمان هو الأرض الموعودة، أي مكوث الشعب المختار ومكوث الله في شعبه. إذا ضحى بابنه سيضحي بالزمان، وهذا الزمان لن يعود إليه في أبدية ماوارئية. فالماوراء هو الآتي، هو مجيء الله في الزمان. الماوراء، إنه إسحاق.[xxx]

***

المراجع المعتمدة:

بول ريكور: الزمان والسرد، ت: سعيد الغانمي وفلاح رحيم، مراجعة: جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد، بيروت، 2006.

إيمانويل كانط: الدين في حدود مجرد العقل، ت. فتحي المسكيني، جداول للنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 2012.

والتر كاوفمان: التراجيديا والفلسفة، ت. كامل يوسف حسين، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1993.

سورين كيركيغارد: خوف ورعدة، ت. فؤاد كامل، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، 1984.

Hegel, On ChristianityEarly Theological Writings, The University of Chicago, 1948.

  1. LUKACS, “The Metaphysics of Tragedy”, in Soul and Form, The MIT Press, Cambridge, 1971
  2. Lévinas, Totalité et infini, Martinus Nijhof, 1971.

Lévinas, Noms propres, FATA MORGANA, 1976,

  1. Derrida, Donner la mort, Galilée, 1999
  2. Blanchot, L’espace littéraire, Gallimard, 1955.

***

الحواشي

[i]يكتب ريكور بهذا الخصوص:  «إن الزمن يصير زمناً إنسانياً ما دام ينتظم وفقاً لانتظام نمط السرد، وأن السرد بدوره، يكون ذا معنى ما دام يصور ملامح التجربة الزمانية». الزمان والسرد، ت: سعيد الغانمي وفلاح رحيم، مراجعة: جورج زيناتي ( بيروت: دار الكتاب الجديد، 2006)، ص 19-20.

[ii]كانط، الدين في حدود مجرد العقل، ترجمة فتحي المسكيني (بيروت: جداول للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، (2012، ص293.

iii] Cité dans La raison ardente: religion naturelle et raison au XVIIe siècle, Jacqueline Lagrée, Hugo Grotiu, p. 92, n 1.

iv]Hegel, On ChristianityEarly Theological Writings, The University of Chicago, 1948, p. 185.

[v] Hegel, Ibid., p. 185.

vi]Hegel, On Christianity, p. 217.

[vii]يعرف أرسطو التراجيديا في كتابه في الشعر:  «هي محاكاة فعل نبيل تام، لها طول معلوم، بلغة مزودة بألوان من التزيين وفقاً لاختلاف الأجزاء، وهذه المحاكاة تتم بواسطة أشخاص يفعلون، لا بواسطة الحكاية، تثير الرحمة والخوف فتؤدي إلى التطهير من هذه الانفعالات.» والتر كاوفمان، التراجيديا والفلسفة، ت. كامل يوسف حسين (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1993)، ص57-58.

[viii] «أقتنع بكل تواضع أن البطل [المأساوي] يكافح عن قضيتي (…) فأنا أتأمل نفسي في البطل، ولكنني في إبراهيم لا أستطيع أن أتأمل نفسي.»، خوف ورعدة، ترجمة: فؤاد كامل (القاهرة: دار الثقافة للطباعة والنشر، 1984)، ص47-48. وخلافاً للتطهير والحماسة اللتين نشعر بهما أمام التمثيل المأساوي، يقول كيركيغارد إنه يشعر بالشلل أمام إبراهيم:  «أنا في هذه اللحظة بالذات أشعر بالشلل»، ص47. وخلافاً للنبل الذي نشعر به أمام البطل المأساوي، تثير قصة إبراهيم فينا شعوراً بالانهيار:  «عندما أصل إلى الأعالي، أهوي من حالق»، ص48.

[ix]خوف ورعدة، ص32

[x]المرجع نفسه، ص36.

[xi]G. LUKACS, “The Metaphysics of Tragedy”, in Soul and Form, The MIT Press, Cambridge, 1971, p. 152.

[xii]خوف ورعدة، ص53.

[xiii]المرجع نفسه، ص37.

[xiv]المرجع نفسه، ص52.

[xv]المرجع نفسه، ص54.

[xvi]المرجع نفسه، ص65.

17 تعني مقولة “إنقاذ الله من الكينونة” حصر مجال عمل الأنطولوجيا، وفصله عن الإيطيقا. وإذا ما استطاعت الإيطيقا حدّ الأنطولوجيا، عبر شرح دلالاتها وتبيان أصلها، تقدمت عليها وأصبحت هي بمرتبة الفلسفة الأولى.

xviii] E. Lévinas, Totalité et infini, Martinus Nijhof, 1971. p. 52.

[xix]  «إن أعجوبة الخلق تقوم على خلق كائن أخلاقي، وهذا يفترض الإلحادية»، Totalité et infni, p. 88.

xx] Lévinas, Noms propres, FATA MORGANA, 1976, p. 113.

xxi] J. Derrida, Donner la mort, Galilée, 1999, p. 112.

xxii]Ibid., p. 112.

xxiii]Ibid., p. 83.

xxiv]Ibid., P. 86.

xxv]Ibid., P. 96.

[xxvi]هي ترجمة من ترجمات عديدة ممكنة للعبارة: “Tout autre est tout autre” (Donner la mort, . P. 98)

xxvii]Ibid., P. 107.

xxviii]Ibid., p. 112.

xxix] M. Blanchot, L’espace littéraire, Gallimard, 1955, p. 55.

xxx]Ibid., p. 57.

((الأوان))