نباح عالي

الفقرُ ينبح في الشَّوارع،
يتجول ليلاً في الأحياء التَّعيسة
يوقظُ الجوع النَّائم منذ سنين
على عتبات المَطابخ،
ويقضُّ مضجعَ البرد،
يُبكي أغطيتَه الممزَّقة،
يملأَ الخوفَ بالرَّغبة
فيغتصبُ نساءَ البيوت البعيدة،
ينجبن أطفالاً
لا يشبهون ذاك الرَّجل النَّحيل
على ضِفة السَّرير،
أطفالٌ
خائفون
باردون
جائعون
بِضاعة مثاليّةٌ لسوق المُستعمل
كأي رداءٍ يتيم
يغنّون أناشيدَ الصُّبح،
ويقتاتون منْ ندى الأيَّام الباردة،
يلاحقونَ الفقر
ويرمون عِظامهم بين أنيابه،
يبكي هومن الضَّحك
ويضحكون هم من المَوت،
فوقَ الغيمة
يراقبون الرَّجل النَّحيل،
يتأمَّل صوَرَهم
ولأول مرة يلاحظ الشَّبه بينه وبينهم
يسرح في لَمعة عيونهم
نباحٌ عالٍ مرةً أخرى!
يعانق زوجتَه
وصورَ أطفاله
وينام بهدوء فوق الغيمَة.
أحبُّه…فيكرهني أكثر

أشتاقُ لكَ
فآتيكَ متنكّرة،
يغدر الحظُّ بي كلَّ مرة
فتكرهني أكثر؛
رقمُ بطاقة اليانصيب الخاسر
أنا،
الأرنبُ العالقُ في قبعتك السَّوداء،
العَجلةُ المثقوبة،
الباص الممتلئ،
السَّاعة المشلولة،
رنينُ منبِّهك الصَّباحي،
الاتصال الذي يفضح خيانتك،
النَّافذة المفتوحة في ليلةٍ عاصفة،
الشِّتاء البارد،
المظلةُ المكسورة،
المدفأة المعطَّلة،
بركة الوحل عند باب بيتك،
كلّ التفاصيل القريبة؛
أنا
أقرب من شتائمك
التي تطلقُها كزامور إسعاف
حين نلتقي
تندب عن مشاكلك اليوميّة،
تلاحظ الشبه بيني وبينها
لي وجه بركة الطين،
وصوت رنين الهاتف،
تبتسم خائفاً
تبتعد عن امرأةٍ تشبه كلّ لعناتك
امرأةٌ تذكرك بقبحك،
تهرب مني لحضن أخرى
تبكي على صدرها،
تخبركَ كم أنت جميل
وتخبرها كم تكرهني.

امرأةٌ بكرسيٍّ فارغ

خلقني الله وحيدةً
أتحداه بكلّ غباء
وأتصرف كامرأةٍ عاديّة،
أعود لحضنه باكية
في كلّ مرة
أخطأت يا الله،
لا أنفع أن أكون مع أحد
دوماً أرجع من المواعيد وحدي،
أتركُ كرسيي فارغاً
لامرأةٍ أخرى،
تتقن الجلوس لساعاتٍ طويلة،
تتقن الأحاديث الجميلة،
وتصطنع الضحكات،
دوماً أهرب من العشاق
بعد أن أغرقهم بتفاصيلي؛
أبتعد لآخر الذكرى
وأتلاشى
يحسبونني سراباً مرّ في حياتهم
يمضون
وأنا أبكي في زاوية عمرهم.

عودوا إلى المراعي

الرَّاعي الشيخُ يبكي،
يتجوَّل في مرعاه القَديم
يغني لطُرقاتِ المدينة الجديدة
ويعلِّم عصاه أسماء الشَّوارع والأرصفة،
يرفع عصاه ويخاطب السماء
أعدْ لي سهلي الأخضر
وأعدكَ بأنِّي لن أكفر بعدَ اليوم..
النَّظرات الوقحة تعرّيه،
تطاردُ عَصاه
وجلبابَه الأبيض،
يذكّرهم بموسى
فيثير شهوة الضّحك لديهم؛
عند أقدام ناطحات السَّحاب
يبحث عن مرعاه الفاقع
يرفع الشوارع السوداء،
يتقيأ العشب على الأرصفة
لترعى الخراف الوحيدة في المدينة
-خراف ما قبل النوم –
يبحثُ عن خرافه بين المارَّة،
أحدهم يقود سيارةً فارهة
الزامور يشبه صوته تماماً،
آخرُ يقفُ عند بابَ المصرف
.
.
إنهم نعاجي
تمدّنوا !
ينكرون الكلأ الآن
ويفضلون الفاست فود،
تعلموا السير على رجلين اثنتين
وكأنهم في السيرك،
تاهوا في دروب الحياة
نسوا عندما كان الكون
شمساً ومرجاً أخضر
.
.
تعالوا أنتظركم تحت الشَّجرة
الناي بيدي
سأغني لكم حتى تناموا،
سأكسر العصا
لن أهشّ على ظهوركم بعد اليوم؛
يا سكان المدن الكبرى
أخْرِجوا خرافي من داخلكم
أو عودوا أنتم إلى المراعي.
لستُ واحدة

أشعرُ أن آلاف الأَشخاصِ يسكنُونَني
يمشُونَ تَحتَ جِلدي
خُطواتُهم تُؤلمُني
يشَاركونَني أنْفاسي
شَهيقي أَصبحَ مُخْجلاً
زفيري…تثاؤبي….
بدأَ الأمرُ يُزعجُني
يعيشونَ حياةً طبيعيَّة
يوقظونني مُنتصفَ اللَّيل
على صَخبِ احتفالاتِهم
يَسحَبونَني من عَملي لنَومٍ يحتاجُونه
فأصابُ بالبلادَة والفتُور
أتعبُ من مشَاويرِهم الطَّويلة
أقدامِي لم تَعد تَحتَمل
كلَّ هذه الأَحذيَة
حتّى أنَّ آذاني أُغلقت لإشْعارٍ آخر
فالأصواتُ الدَّاخليّة أشبعتْها
لا أستطيعُ التَّوقفَ عن التَّفكير
قصصٌ لم تَحدثْ معي
تشغَلُني
***
أشعرُ أنَّني أَستطيعُ الطَّيران
أتَجه للشُرفةِ وأحاول
لا بُدَّ هُنالكَ عَصافيرُ تَسكنني
أَرمِي نفسي في بِركة المـَاء
أحَاول أن أُنقذَ الأسماكَ داخلي
***
البارحةَ أخطأتُ
فبَدلَ أن أخلعَ قميصي
سَلختُ جِلدي
كُنت أَودّ أن ألتقيَهم
لكنَّني لم أرَ أحداً
أدقُّ على صَدري
و أَصرخُ
هل من أحدٍ هُنا ؟
قَهقَهةٌ عاليةٌ تدوم
دقائق، ساعات، أيام، سنوات
ولا إجابَة
إلا تجاعيدُهم التي بدأتْ تظهرُ على وجهي.
سنكون بخير
سأَقصُّ شَعري
و أمحو معالمَ وجهي
سأبلِّلُ صوتي
وأعصرُه أغاني و تَراتيل
***
سأقطفُ كلَّ الأزهار الحَمقاء على شُرفتي
أحطِّم أُصصهم الجَميلة
و أنعيهم بقَصيدة
***
سأُنادي القَراصنة
ليُبحروا داخِلي
بسُفنِهم الضَّخمة
و أطرافِهم الحَديديَّة
لينهَبوا ما يُصلحُ ندوبَهم
***
سأصطَادُ الشَّمسَ
و أركُلُها بعيداً
ليتناولَها الفقراءُ هُناك
كَعكةً من نُور
***
أَرمي حِذائي
لأكسِرَ القَمر
أحطِّمُ أسطورتَه
و أجعلُه أقماراً كَثيرة
***
سأَخونُ كلَّ المدن
و أسكنُ البَحر
***
سأتركُ كلَّ القطَارات تنتظرُني
و لن آتي
***
سأَجمعُ الخطواتِ العَالقةَ
في الأحذيَة القديمَة
و أحبسُها داخل سُورٍ عالٍ
***
بمِمحاةٍ صَغيرة
سأمحو كلَّ الطُّرق
و أتركُ الأبنيةَ وحيدَة
***
أصنع سُلَّماً من جماجمَ صَدئة
و أرتفعُ به فوقَ أرضٍ من مَوتٍ و دَمار
عالياً هناكَ
أتكوَّر كجَنين
أهمِسُ لنفْسي
سيتغيَّرُ العَالم قريباً
سنكونُ بخير .
زيّنوا المرجة

سمعتُ أغنية “زيّنوا المرجة”
فبكيت
داخل كلّ دمعة قصة
ها هي دمشق ترتسم مالحةً على وجنتي
الخرائط تصنعها الذكريات.

الشّمسُ قريبةٌ هنا
ورؤوس النّاس ملساء كأعواد الثقاب؛
يوم الحريق قريب،
سأتأمله بهدوء
كقمرٍ صامتٍ في زاوية سماء زرقاء.

الحياة هشّةٌ
نفخةٌ صغيرة من فم الموت
ونتطاير كزهرة كسّار الزبادي
المآذن أعناقُ المدينة،
قطعتْ الحرب بعضها
فسالتْ التكبيرات في الشّوارع؛
وحدي أتجوّل معها
في أحياءٍ مدمّرة
أركض سريعاً
أخاف أن يمسكني اليأس
وأصبح حزينةً كصورتي في المرآة.

في البيت المقابل المهجور
قميصٌ منسيٌ على الشّرفة،
في الليالي الشتويّة
يشتاق لدفء جسد صاحبه،
يعانق حبل الغسيل البارد
ويغفو،
كذا أفعل بوسادتي حين أشتاق لك.

خلسةً أحاول سرقة قدمي ميت
أحتاج لطرقٍ مختلفة،
أنا الذكرى المكررة التي لم يسمع بها أحد،
العشبة المحبوسة بين أحجار الرصيف،
الزّهرة التي لن تذبل على شاهدة قبر ذاك المجهول.

بحذرٍ أتحرّك في الحلم،
أجمع من الزينة ما يكفي لساحات دمشق
صباحاً أغني “زيّنوا المرجة”
أبتسم،
أغمز حذائي الجديد
خطواتكَ ستحملني إلى هناك.
الحب
هو هكذا إذن،
يشبه وجه الله الذي رافق أحلامي الطفولية
وردي اللون كوجنة طفل بعد حمامٍ ساخن
وناعم كورقة الفلّ الخضراء على شرفتي،
هو هكذا إذن،
يحمل من الفرح ما يحطّم مرايا الانتظار
ومن الحزن ما يملأ جيوب أيتام الحرب،
هو شهقةُ مستمرة،
وبسمةٌ عريضة
لا تصفرّ خريفاً ولا تذبل؛
هو أن تنحتني بنظراتك
فأتشكّل بمرونةٍ كما تريد،
أعود لأصولي الطينية
فلا أسمع إلا همس ترابٍ وماء؛
هو أن يقفز الوقت عن أكتافنا عندما نلتقي
كهرٍ مذعور،
هو أن يركض قلبي خلفك مغمضَ العينين
لا يريد مشاهدة خط النهاية؛
هو أن أتورط دون قصد،
وأقص حبل الدلو الذي أوصلني للقمر النائم أسفل البئر،
وأظن طوال الوقت أنك حلم
أو بطلٌ خياليٌ لقصيدة
سيموت بعد أن أضغط “نشر”،
هو أن أقف وسط الطريق
أتمايل هناك مع الريح
وأتذكر ميلان رأسك حين إشعال السيجارة
فيحترق رأسي؛
وأن أتذكر كيف قصصت عليك الحكايات كشهرزاد
فأركض وأكمم أفواه كل الديكة بالقرب،
هو هكذا إذن
غامض كصوتٍ قادمٍ من الغرفة الفارغة،
وواضح كتعاسة أهل هذه المدينة؛
مشرقٌ كشمس ظهيرةٍ صيفية،
وضبابي كوجهك خلف الدخان؛
هو أن أملأ الفجوة المتمددة بيننا بكلمة “أحبك”
ونلتقي عند الباء ضاحكَين
رجل مشغول
أحب ذاك الرجل المشغول؛
أتسلق أكوام أعماله
أتربع هناك،
وأصرخ أنا على رأس القائمة.
***
أحب ذاك الرجل الوحيد؛
أتناثر أمامه، نساءً كثيرات،
أملأ رأسه بثرثرتي
وأهمس “أنا وأنت”
لن تكون لوحدك بعد اليوم.
***
أحب ذاك الرجل البعيد؛
أصنع من قصائدي قوارب ورقية،
أغرق!
دمعي ليس مالحاً كفاية ليرفعها
أمد ابتسامتي جسراً
وحده الفرح سيوصلني إليك.
***
أحب ذاك الرجل
أردد اسمه كلّ ليلةٍ
حتى يأتي،
أتكوّر في كفه
سرٌّ صغيرٌ مخبّأ،
أغفو هناك وأحلم بالرجل المشغول، الوحيد، البعيد.

 

*شاعرة من سوريا