في  مناسبة الذكري الثامنة لرحيل نصر حامد أبو زيد عدت إلي بعض أعماله وحوارات أجراها، كانت البداية مع مواجهة بينه وبين الدكتور عمارة، بعد تلك السنوات علي القضية وما أثير فيها ومن خلالها لم يكن هناك جديد بالنسبة لي  فيما يقولان، غير أن اتصالًا من أحد المشاهدين كان هو اللافت، الرجل سأل أبو زيد بصدق: لماذا من بين كل الموضوعات اخترت تحديدًا هذا الموضوع الحساس؟

أبو زيد رد معتبرًا أن السؤال مهم وبدأ يشرح أنه وجد تفاوتًا في  مناهج التفسير والتأويل سواء في  الفلسفة أو علم الكلام أو في  التصوف، وأنه كمواطن يعيش في  الواقع الفكري  الإسلامي  وجد أن هذه التفاوتات جعلت الإسلام عرضة لأن ينطق بكل الأيديولوجيات السياسيةـ أنه كان دين الاشتراكية في  وقت من الأوقات وغير ذلك، وأن تلك الاختلافات ليست قائمة علي منهجية بل علي التقاط آيات وتفسيرها منفردة وبالتالي  مهدر ما يسمي بالسياق داخل النص القرآني. أبو زيد افترض الجدية في  سؤال المتحدث، ولم ينتبه إلي الصيغة الاستنكارية التي بطنت السؤال، وربما وردت علي ذهنه لكنه فضل تجاوز ذلك إلي ما يريد أن يصل إليه: الاستخدام المتعسف للقرآن علي مستويات مختلفة. فهل كان ذلك جوهر المعركة التي لم تنته إلي الآن أم ماذا؟
في  تلك الحلقة وكثير غيرها تأكيد من أبو زيد علي حقيقة أساسية: إيمانه وتسليمه الكامل بأن القرآن منزل من عند الله، وموحي به إلي الرسول محمد. فأين المشكلة؟ للإجابة نحن في  حاجة بالفعل لقراءة كل ما أنتجه العرب والمسلمون عبر تاريخهم، بداية من القرآن مخلوق أم قديم؟ ثم تحديد موقف وطريقة، من كان علي حق في  الفتنة التي  اشتعلت، ثم علاقة التاريخ ومناقشاته بواقعنا الآن.
تكفير نصر أبو زيد وطرده من الجامعة، وقضية التفريق وما صاحبها، واللعنات التي  انصبت فوق رأسه، وإباحة دمه، ثم مغادرته مصر رغم أنه لم يرد ذلك، وليس انتهاءً بالتشفي  في  موته، كانت سلسلة من الأخطاء المريرة التي  يمكن اعتبارها محصلة طرق التفكير والتعامل مع أي  محاولة للخروج عن النمط السائد والمهيمن منذ قرون.
لكن الأمر ليس بهذه البساطة بالفعل.
الفريق الآخر بعد الضغوط من المثقفين والتيار الذي  يسعي للخروج من سيادة منطق واحد بدأ في  ترويج خطاب آخر مفاده أن دراسات أبو زيد مليئة بالأخطاء والمغالطات بما يكفي  لنسفها من أساسها، وما يتناوله المتخصصون من أصحاب التيار الديني  هم بالأساس أجدر بمناقشته معه، لكن ذلك كان ينبغي  قبل تكفيره والحكم بالتفريق بينه وبين زوجته ثم إجباره علي المنفي الاختياري، ثم أنه يصح كذلك بعد رحيله، فأعماله باقية، ومكانه الساحة الأكاديمية، لكن السؤال الأساسي: إن صح وجود أخطاء فلماذا كان اللجوء إلي المحكمة والسلطة التنفيذية لممارسة القمع؟ لماذا خرجت القضية إلي العامة ضد رغبة أبو زيد نفسه كما صرح أكثر من مرة وتأليب الجمهور ضده وهو لا يملك أي  أدوات للتصدي  لما يحدث بخلاف النقاش والرد بالحجة، وما الذي  بقدرة الرأي  أن يفعله عندما يرفع أحدهم سلاحه استجابة لإشارة الشيوخ علي أحدهم بتهمة أنه ينال من الدين، ويطعن في  كتاب الله؟
أنت هنا أمام أحد افتراضين: إما أن الاتهام بنقص المادة أو الخلل فيها صحيح وعليه فقد تم مع ذلك توظيف القضية لصالح أطراف بعينها، لتكريس هيمنتها. أو أن التهمة باطلة، أو حتي صحيحة جزئيا لكن بما لا يفسد الجوهر الكلي  لعمل أبو زيد، وجري النفخ فيها فقط لتشويه عمله، ولإبعاد ظل مسألة التكفير والتفريق والطرد والتي  لم يعد لها القبول الشعبي  نفسه، فمع أن الكثرة الغالبة مازالت غير راغبة في  التفكير لكن مؤشرات عديدة تقول بأن هناك زيادة لا بأس بها أبدا في  أعداد من يرغبون في  الفهم، ومن سئموا مسألة الاتهامات الجزافية ضد من يسعي للخروج علي النمط السائد، فالنغمة المألوفة بأن الدين يواجه هجمة شرسة من الغرب وبعض العملاء في  الداخل لمنع نهضة الأمة باتت سخيفة فسيطرة رجال الدين الكاملة في  كل البلاد العربية والإسلامية لا ينازعها شيء، المناسك والشعائر تامة، ودور العبادة في  زيادة بفضل الله، القرآن يتلي آناء الليل وأطراف النهار، لكن هذا يترافق مع تردٍ عام في  الأخلاق، وكثرة الفساد، وقلة الرزق، وضعف الحيلة والهوان بين الأمم، فما السبب؟
أبو زيد حذر من أن الإغراق في  الماضي  والتشتت بين التفسيرات والتأويلات يعني  أن يخرج القرآن من بين أيدينا إلي تفسيرات تقتطع الآيات من سياقها الكامل لتذهب إلي أيدي  »من يشترون بآيات الله ثمنا قليلا»‬ وهو ما كان يحدث قبل رحيله ثم انفجر الآن ليتم استخدامها في  محو دول بالكامل، وإبادة شعوب بالكامل، فأين كان بالتحديد الخطأ العلمي  هنا؟!
الأمل الضائع
لكن ما الذي  كان يريده أبو زيد حقيقة؟ من جديد من الصعب مناقشة الأفكار التفصيلية التي  جاءت في  أعماله العديدة، وربما لن يكون محلها أبدًا موضوعًا أو تحقيقًا صحفيًا، لن يكفي  ذلك علي الإطلاق، غير أن المهم أكثر بينما يطل علينا من جديد في  ذكراه الثامنة تذكر القيم المحورية في  تلك القضية، بصرف النظر عن الموضوعات الأكاديمية التي  لها علاقة بقرآن وتنزيله والبيئة التي  نزل فيها، وكيفية التفاعل معه، والثقافة التي  تخللها، بصرف النظر عن كونه (القرآن) مخلوقا أو أزليا، الأهم وما قبل ذلك كله: هل لنا من الأصل حق التفكير والسؤال أم لا؟ هذا ما كان بالأساس وراء قضية نصر كلها، وقضايا أخري مشابهة، هو كان يريد التحرر من الخوف ليس في  علاقاتنا الإنسانية لكن أيضا في  علاقتنا بالله، وليس المقصود بالطبع إسقاط مخافة الله فهذا أمر مختلف تماما، ومع كونه من البديهيات إلا أننا يبدو بتنا في  حاجة للتأكيد علي المسلمات طوال الوقت.
قال نصر في  أحد اللقاءات إن الخطاب المعاصر يعطي  أولوية لصفات الجلالة، صفة الرحمة والمودة والحب، الصفات الرائدة، صفات الجمال التي  تجعل العلاقة مع الله، مع المطلق، علاقة ليست قائمة علي الخوف بقدر ما هي  قائمة علي الأمل، والأمل يجعل حياة الإنسان منتجة، والخوف يجعل حياة الإنسان غير منتجة.
سجون النساء
قضية نصر أبوزيد كانت كاشفة عن أمور مخيفة داخل المجتمع المصري، والساحة الأكاديمية، كاشفة عن حجم الجهل والتعصب المخفي  تحت قشرة رقيقة زاهية من العلم والثقافة بينما ما تحتها يمور في  انتظار الحدث المناسب، وهو ما كان مع حكاية أبو زيد وما جري فيها، فهي  لم تكن مجرد صراع علي »‬المقدس» كما بدا الأمر، أو حاولوا تصويره، المسألة للأسف كانت أبعد من هذا بكثير، تم فيها استخدام الدين، القرآن، الوحي، للوصول إلي تكريس هيمنة ذات أبعاد متعددة، ليس فقط علي مستوي الساحة الأكاديمية إنما أيضًا، إنما كذلك علي العقل الجمعي  للشعب المصري  والشعوب العربية والإسلامية، وفي  القلب من هذا المرأة.
اختارت ابتهال يونس أستاذة الأدب الفرنسي الجانب الطبيعي المناسب لها كأكاديمية ومثقفة أولا وزوجة ثانية، ليس الترتيب هنا ضرورياً ولا يمكن تحديده لكنهما انسجما مع بعضهما البعض وهو غالبا ما أثار غضب الفريق الآخر مدعي  الدفاع عن الإسلام وثوابته.
لم تكن قضية التفريق بين نصر وزوجته والتي استندت إلي أنه مرتد عن الدين وبالتالي لا يجوز شرعا أن تبقي امرأة مسلمة في عصمته سوي رسالة للجميع بالانصياع إلي طريقة التفكير المفروضة، وبعد وقت كما هو معروف من سيرة الفاشيات، فإن التفكير نفسه سيقع في  دائرة التحريم.
الإهانات التي  واجهتها ابتهال بشجاعة وصبر فاقت التصور، الشماتة في  قرار تطليقها من المحكمة ثم عرض أحد الأطراف الأساسيين في  القضية أن يزوجها من آخر من مال الزكاة فضح بوضوح العقلية التي  تسوق المجتمع، في  كتاب تعاليمهم فإنه هكذا يتم التعامل مع النساء، خصوصا إن خرجن عن النموذج المتصور لهن.
د.ابتهال يونس وعت جيدا أبعاد الأمر كله، لماذا تلك الحرب، ما وراءها، في  كلمة دالة قالت: الإسلاميون يعرفون جيدا أن أبوزيد ليس كافرا ولا مرتدا ولا ملحدا، وأنه لو كان كذلك لتركوه لكنهم لن يفعلوا ذلك لأن ما يقوم به خطر عليهم لأنه يقدم صورة مختلفة عن الدين الإسلامي، هو يريد إنارة العقول ورد الاعتبار للعقلانية والعلم، وإثبات أن الدين الإسلامي  مواكب للعصر بالتفسيرات التي  يطرحها وإلغاء الأساطير والأوهام، الأمور الدخيلة علي الدين التي  تحولت إلي أساطير مقدسة، هذا أخطر عليهم من الكفر ذاته.
ليس سرا أن استخدام الدين لتحقيق منافع شخصية هو الغالب علي تطبيق الدين في  المجتمعات العربية والإسلامية بشكل عام، وأننا نساق كالنعاج وراء شيوخ لا يؤمنون بما أمر به الله، بالحرية التامة التي  منحها لعباده في  الاختيار، هذا هو جوهر العلاقة بين السماء والأرض، الإنسان وخالقه، وما يفعله التيار الذي  يحتكر الإسلام لم يفعله الله الذين أعلنوا أنفسهم متحدثين باسمه »‬لو شئنا لآتينا كل نفس هداها» (سورة السجدة الآية 13) وكذلك »‬إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين» (سورة الشعراء 4) كلام الله في  القرآن، الحكم بيننا جميعا، يعني  ببساطة نحن لسنا مسحوبين علي وجوهنا كالبهائم، هذا ضد إرادة الإله أصلا، وما فعله ويفعله المتأسلمون في  قضية أبو زيد وغيرها ليس إلا إجبار المجتمعات علي السير في  الطريق الواحد الذي  يريدونه وهو ما وقفت ضده ابتهال يونس مع زوجها، لهذا كان العقاب الموجه لها عبر العمل علي نزع الصفة عنها كإنسانة وتحويلها إلي أداة متعة يجوز نقلها من يد ليد وهي  في  ذلك بلا حيلة. مد الخط علي استقامته فمن تري؟ بالضبط.. داعش، هذا منطقي  للغاية لأن التكفير واحتقار النساء وتجريم التفكير لا ينتج إلا أمثال تلك النماذج.
ما قدمته ابتهال يونس في  تلك القضية يستحق بالتأكيد الاحتفاء به دوما، ليس في  إطار قضية نصر أبو زيد بل باعتباره أحد نضالات المرأة المصرية في  مواجهة السعي  الذي  لا يهدأ لسجنها، وإرادة ابتهال الحديدية وإيمانها بالحق كما تراه هو الانتصار الذي  لا بد من إعادة تذكره دوما: »‬لو خرجوا علينا بمدافعهم الرشاشة لقتلك لمنعتهم بجسدي».
دائرة التكفير
ربما كانت قصة أبو زيد لتتواري إعلاميا بوفاته مثل كل القضايا علي الساحة المصرية التي  لا تبقي لدرسها أو التعلم منها، تخفت إعلاميا وجماهيريا ثم تنحصر في  نطاق المهتمين والمتخصصين، غير أن الفصل الدرامي  الأخير فيها جاء ليعمل بمثابة وقود الاحتراق الذي  لا يفني ليبقها حية علي الدوام.
وقع عبد الصبور شاهين في  نفس الفخ الذي  عمل علي إيقاع أبو زيد فيه، وجاء كتابه، بعد سنوات قليلة من خروج نصر وزوجته من مصر إلي المنفي، ليثير موجة من الاعتراضات وصلت إلي درجة تكفيره، حاول شاهين استخدام عقله في  عمله »‬ أبي آدم قصة الخليقة بين الاسطورة والحقيقة » محاولا التفريق بين البشر والإنسان ووصل إلي نتائج لم تعجب الكثيرين ورأوها تمثل اجتراءً علي المقدس، ووصل الأمر إلي القضاء!
دافع نصر أبوزيد عن حق عبد الصبور شاهين في  البحث والتفكير، قائلا إن ما نتعلمه أنك إن أطلقت يد الجهل فإن الأمر لا يتوقف أبدًا. يبدو هذا صحيحا جدا.. أليست هذه اللعنة التي  نحيا في  ظلها؟.

((أخبار الأدب ))