بريد السماء الافتراضي

973-1057

 

 

كان مضطجعاً على أريكة من الإستبرق ،وفوق رأسهِ امرأةٌ تحملُ مِرْوَحاً يَدَوِيّاً لاسْتِجْلابِ الْهَوَاءِ إلى جسدهِ الملفوفِ بقطعةٍ من الحرير .لم نكن نعرف أن كان ذلك الرجلُ نائماً أم متألماً من تعبٍ ،أم أنه في مجرى تأمل عميق.

وفي اللحظة التي اقتربنا من تلك الأريكة الفخمة،نهض أمامنا ضِّرْغَامٌ من الضْوارِي ،سرعان ما اهتزتْ منه فرائصُنا فزعاً.

آنذاك نهض أبو العلاء المعري على اضطراب أصواتنا،فَهَدأ من روعنا قائلاً: هذا الأسدُ  حارسي الشخصي. أسدُ المعرفة ،لا حيوان الغابة.آنذاك،التقطنا الأنفاسَ مُهدئين العاصفةَ التي اندفعت في أعصابنا على حين غرة.فيما كان المعري يقهقهُ،وهو يتناولُ القداحةَ، لإشعال السيجار الكوبي الذي وضعه بفمه قائلاً :

أن طعم هذا التبغ لا يُضاهى أبداً.لقد وصلني من صديقي الرئيس فيدل كاسترو.

آنذاك ،وجدنا في شرحهِ مدخلاً للحوار.فسألناه على الفور:

 

■ وما القاسم المشترك الذي جمع ما بين السيد كاسترو وبينك يا أبا العلاء ؟!

ـــ ليس غير العصيان.هو كفرَ بأمريكا وأعلنَ عصيانَ بلاده عليها وجهاً لوجه،وأنا كفرتُ بعقول الأصنام،فأعلنتُ العصيانَ على المعلوم من الفكر الحجري،وكذلك على المخفي من ديانات عقل الباطل والبطالة والخوف.

 

■ ماذا يظنُ أبو العلاء المعري أنه كان:شاعراً فيلسوفاً أم من مشايخ الأئمة القدامى ؟

ـــ أنا أدركُ بأنني مخلوقٌ تعذبَ بنار المعرفة،ولا أظنُ أنني كنت في غير تلك الصورة .

■ والمعرفةُ .أهي عقلٌ من طين ،كما جسد المخلوق من الأديم الذي سبق وأن تحدثت عنه؟

ـــ عقلُ العارف طينٌ مشويّ بنار الوجود حتى مرحلة الخزف أو الفخار.وعقلُ الجاهل من الوحل على الدوام.وعليك حساب الفرق ما بين الاثنين.

■ هل تظنُ أن العقلَ يجب أن يُربى تربيةً دينيةً،كي يكون صالحاً مقاوماً للخطايا والفساد والشكوك ؟

ـــ لا أنصحُ بذلك.فكلّ الديانات قائمة على توريث السيوف والآلام .وليس سهلاً،أن أرى عقلاً ،لا يخرج من رأس صاحبه،كعقل ذاك الذي تخرجَ من مدارس اللاهوت القائمة على المقدّس والمدّنس الذي يشمل الأحكام والتمثلات التي تتعلق بأهم الأوضاع والعلاقات التي هي دينية بجوهرها على حدّ تعبير – غاستون بوتول –الذي يشير إلى أن السلوك الديني هو ثبات مدهش من خلال المدنيات التي تأتي ضمن إطاراته الرئيسية:

أ- قبل كل شئ يأتي شعور الاحترام الوجل،إزاء قوى خارقة،يجب تحاشي إزعاجها وتهدئتها بواسطة القرابين.ان شعور الخوف هذا يسود في الأشكال الدنيا من التديُّن.أما الأشكال العليا،فيصبح دقيقاً ناعماً،ويفسح المجال للعبادة والحب والثقة والتدفق الصوفي.لا اله الخوف يُخلي المكان لإله الحب.

ثم تأتي مفاهيم الواجبات إزاء الآلهة وظاهرة الصلاة وفكرة التضحية والنذور وفكرة التقديس والتقشف وفكرة العقوبة والخطيئة والتكريس ثم فكرة الكهنوت

■ هل كل ذلك يأتي بمثابة إعلان للسيطرة على العقل،من أجل استحداث ذهنية خاصة بالماورائيات الميتافيزيقية للبنيات البشرية ؟

ـــ ما أعرفهُ عن الذهن، أنه محطةٌ للمنطق،وليس زريبةً للدواب.

■ أنت حاولت بناء العالم المحيط بك ،بناءً فلسفياً،لا ينسجم مع عامة الأمة الغارقة بمجموعة من المذاهب الشبيهة بالآبار المظلمة التي يتنابذ فيها شيوخٌ ،ويتصارع فيها فرسانٌ، ولا يتكاثر فيها سوى الدم والجراد. ألا ترى ذلك مُحبطاً لك وللآخرين من أتباعك ومريديك ؟

ـــ ان المهمة التي يتوخاها الفيلسوف على حدّ تعبير –هوسير- هي بلوغ علم شامل للعالم .معرفة شاملة.نهائية ،مجموع حقائق قائمة بذاتها عن العالم القائم بذاته.

■ ولكنك مثل (ادموند هوسير) لم تصل الهدف ،ولم تدرك تلك الحقيقة القطعية ،لا في المعرة السورية ولا في بغداد يوم كانت العراق جمهورية آداب الدنيا.أليس كذلك ؟

ـــ لم استخدم الفلسفة بين الناس استخداماً يشعلُ زيتاً ليحرق عن عمد،ولا صابوناً ليزيل الأوساخ عن  الأعين المصابة بالغشاوة ،أو من أجل رفع المياه البيضاء عن النظر.فمثلما كانت تجربتي الفلسفية في العراق تكسيراً للأصنام العقلية،بقيتُ على ذات النهج الذي يرتكز على تحرير العقل من هيمنة الأوهام العلوية منها أو السفلية.

■ بأي عين كنت تنظر للكون يا أبا العلاء ؟

ـــ بالعينين اللتين تبرعتُ بنورهما لكلّ من أَصْلَدَ بالعتمة وعاش على حافة الهاوية.

■ كأنك كنتَ تضخمُ من حجم اليقين الخاص بك. ذاك اليقينُ الذي أخذت منه قوتك لتنشأ وتكون المعري ربيب الزنادقة أمثال ابن الراوندي وأبي حيان التوحيدي على حدّ قولهم ؟

ـــ لست معنياً بالانجرار وراء جماعات اللا منطق ممن تجشؤوا فتاوى بقتل عقل العارف ،صانع المنطق ومصنع الحقائق. فالعقل هو الجزء الوحيد في جسد الإنسان الذي لا يمكن اعتباره قطعة غيار يمكن استبدالها بواحدة أخرى.

وما لزمتُ به نفسي في ((لزوم ما لا يلزم)) ليس للآخرين حق الالتزام به ،عندما يبحثون في الحياة والموت وكلّ ما يتعلق بالفلسفات ومسائلها والموضوعات التي تثيرها.

■ وفيما يتعلق بـ «رسالة الغفران» ..أكان الأمرُ متعلقاً برؤى ،تصاعدَ بداخلك شغفُها ،فدفعتكَ بالبحث عن الرموز في الفردوس،لتجترحَ معهم حوارات خيالية تخصُّ أعمق الموضوعات ذات الحساسية المفرطة .فهناك الجنة وهناك السعير .وهناك النقد للدين والعقائد والنزعات التي تمتلئ بها الصدور .لقد كنتَ جريئاً ولاعباً متجاوزاً.كيف تقيّم تلك الرسالة ؟

ـــ منذ أن أصابني العمى في البصر،ارتفعتُ بالبصيرة، لأقوى في العمل الخلّاق،وذلك من خلال الارتفاع نحو السموات ،وشق الجدار الإلهي للاجتماع بمن كنتُ أراه يليق بالبحث والتنقيب والحوار.ارتفعتُ وسألتُ من أجل أن يفيضّ العقلُ- النبي- بما كان غامضاً ومستوراً عليه ومغيباً خلف حُجُبِ الدنيا والآخرة.

■ هل كان الطيرانُ إلى السموات شاقاً يا أبا العلاء؟

ـــ ان المخلوقَ طيرٌ بحكم طاقة النفس.طيرٌ لا يُقلّد إلا حركة جناحيه على طريق الفضاء .وكلما سقط طائرٌ من على حبل من حبال الفضاء،سرعان ما يتألم له الهواءُ، وتبكيهِ الرياحُ .لذا تجد علاقةَ الفكرِ الشعري بالأجنحة علاقةً إستراتيجية ووطيدة.فبكلام المرء العارف،تُفتح للأفكار أبواب التأمل لاستكمال الرؤى التي تضخُ الأسئلة حول الوجود وما في أعماق الكون.

■إذا كنت قد وصفت عند أهل العراق بـ (أعجوبة الدهر وفريد العصر) على ما أنجزتهُ من كتب ومن مؤلفات، فثمة من أوردَ عنك واقعةً شبه خيالية وهي تقول:

((بأن الله حينما خلق البشر ،قسمهم إلى مجموعات لا تقل الواحدة منها عن خمسة وعشرين رجلاً، ووضع لكل مجموعة حصتها من الذكاء في مستودع خاص، على أن يكون توزيع الحصص على أفراد المجموعة في اليوم التالي، ولكن الفتى الصغير أبا العلاء لم يطق على الانتظار صبراً، فتسلل ليلاً إلى المستودع والتهم حصة مجموعته كلها من الذكاء.

فلما عرف أفراد المجموعة الآخرون بما حصل هجموا عليه هجوم الرجل الواحد، وظلوا يضربونه على عينيه حتى عمي، فأمضى بقية عمره من دون بصر، ولكن بذكاء خارق، وأما هم فقد عاشوا بأجسام سليمة، وعيون ترى البعوضة الطائرة في السماء السابعة، ولكن من دون ذكاء )). ما رأيكَ بما سمعتَ ؟

ـــ لا أعتقدُ بأن قصعةَ الربّ قد نفذت بسبب وجودي في تلك اللحظة من الزمن.كما وأن رأسي ،ليس وحدهُ دائرة معارف في هذا الكون. ثمة تهويلٌ فيما كنتُ عليه أنا .فأهل العراق عادةً ما يغالون بحب من يعشقون.وهكذا كانت أحوالي سعيدة مريحة يوم كنت في بغداد، ومن حولي أهلُها كتّاباً وشعراء ومفكرين من أصحاب الفلسفة والملل والمذاهب.

■لقد أفقدكَ الجدري البصرَ يا أبا العلاء يوم كنت طفلاً لم تلتقط صورَ العالم .ولكنكَ كتبت ثلاثة آلاف بيت شعر في الغزل والوصف والزهد والفلسفة والحكمة والأديان،فكيف يستجمعُ صورَ الحياة من لم ير؟ ألا يَعُدّ الشعر هنا تحايلاً على الوقائع ؟!!

ـــ إذا كان الشاعرُ أعمى،فمن حقهِ العمل على تحويل الأخبار والأفكار إلى صور تعملُ عملَ الكاميرة في مجرى الشعر.وما كتبته في الغزل والوصف،كان يخرجني من مناطقَ نفوذِ العَتَمَة،والتسلل إلى منازل الناس تحت شمس الحياة.

■ هل تعني بأن تحويلَ الأفكار إلى صور عن طريق اللغة،هي تقنيةُ الأعمى بالانخراط في جوهر الوجود الإنساني ؟

ـــ نعم.وكلّ ذلك يأتي من باب واحد:أن تمنعَ نفسكَ من أن تكون بين الناس مهجوراً .وهذا ما يُسمى بالوعيّ البصير الذي يجعلكَ فقرةً مهمةً في مقام العمود الفقري للتاريخ البشري.

■ ولماذا لم تطبق هذه النظرية على نفسك،عندما اخترت أن تكون( رهين المحبسين)؟أم وجدتَ في الفلسفةَ تعويضاً عن الغياب الشخصي،وبالتالي لأن يُضخَ الدمَ المعرفي في عروق التاريخ ،للسيطرة على الآخر؟

ـــ كنتُ مأخوذاً بتلك الفكرة،كونها جوهر ثقافتي التي أردتُ من وراءها تثبت أقدام فلسفتي تعويضاً عن العينين المفقودتين وسط الناس.بمعنى أنني كنت أرى العامة بالكلمات التي ينسجها ذلك الوعيّ الداخلي البصير ضدّ ظلمة العصبيات المتحكمة بالعقل الجمعي الذي تتحكم به الأميةُ فرضياتٍ ونظرياتٍ ومسائلَ وعواطفَ وأمراضاً.

■ ألمْ تجدْ مثل تلك الأمراض لدى البشر في الأعالي،يوم صعدت بالحلم المُسمى بـ  – رسالة الغفران – والتقيتَ بالكثير من الرموز بالجنة والنار هناك ؟

ـــ أنا صعدتُ إلى هناك بمَرْكَبةٍ شبيهةٍ بأقمار وكالة (ناسا) الخاصة بأغراض الفضاء.كانت لنا مَرْكَباتنا الشبيهة بعصر التكنولوجيا . فوصلتُ وتحدثتُ ونمتُ وسألتُ وتصارعتُ وكتبتُ كلّ ما دار بيني وبين مخلوقات الشعر وكائنات الفلسفة واللاهوت.كانت الرحلةُ مُيّسرةً إلى حدّ ما.

■ وحَققتَ من وراء ذلك أهدافكَ كما نفهم ؟!!

ـــ إذا كانت الفلسفةُ عند ((هيغل)) هي عالم مقلوب،فأن الطريقة التي يعالج بها كل علم من علومنا غرضه –حسب قول هيدغر- تختلفُ كثيراً عن الأخرى  .فما من ميدان له على الآخر ((أقدمية)) لأن الطبيعة لا تجئ ((قبل)) التاريخ ،ولا العكس.

■ كأنك لم تول الفلسفة والأديان والتراث اهتماماً بعد وصولك إلى هنا.هل حدث ذلك نتيجة زواجك بالمرأة التي بُتّ سعيداً برفقتها،حيث قيلَ بأنها محبسك الأوحد في هذي السموات  ؟

ـــ أنا تزوجتُ من هذه الفتاة التي تراها معي الآن.نسخةً عن الغلامة لوليتا صاحبة (( فلاديمير نابوكوف)).وهي مشرقةٌ وعلى قدر عظيم من الشهوة والجمال .لذا تراني محتاجاً لمنظار مُكبّر لمناطق نفوذ الشهوات في جسدها،لأرتعَ من تلك الجماليات حتى الشبع،تعويضاً عن أضرار زمن الأرض ومضارها.

■ هل هي لحظة الانتقام من حرام الأمس يا أبا العلاء؟

ـــ أقدّرُ كيف وقعت بالأمس في جبّ الحقد على الجنس اللطيف بالأمس، يوم استبعدتُ المرأة عن حياتي بذلك الشكل المرضي العدواني المقرف.صحيح أن المرأة،لا تليقُ بأعمى كما كان الوضع على الأرض سابقاً،ولكن الصحيح أيضاً إنها رحمُ الشعر وإبطه الفواح.

■ بعد أن جرّبت الحبّ متأخراً يا أبا العلاء،هل مسحت ما كان برأسك من شكوك وصورٍ مُزرية عن المرأة؟

ـــ كان التصلبُ بالرأي المضادّ للمرأة ،جنحةً تخلُ بالعقل وبالسلوك الإنساني عموماً.لذا تراني استكثر ممارسة الجنس مع زوجي،طلباً بزيادة الغفران من ذنوب الأمس القبيح من تاريخي الشخصي الذي كنت به مهووساً بعزلة المحبسين .

■ وقطعتَ الحبلَ السُّرّي مع المرجعيات الماضوية الآن؟

ـــأجل .فكلّ ما أرغبُ به الآن ،العودة للأرض والعمل بمهنة الإخراج السينمائي.

■ ولمَ تلك الرغبة على سبيل المثال يا أبا العلاء ؟!!

ـــ لأن عدسةَ الأعمى غير عدسة البصير الذي يقف وراء كاميرة الحديد.فعدساتي داخلية ،وهي دقيقةٌ وثمينةٌ ، وكلها مشاعرٌ ونصوصٌّ وأوكسجينٌ.ولكنها لم تحقق الغاية بتصوير متاهات رموز تلك العهود السوداء منها والحمراء والبيضاء.فالأفلامُ عن أعماق المخلوقات البشرية،ستضمنُ الكشفَ عن مصائب وكوارث وخطايا وفظاعات مروعة عند رجال الدين والشعراء والفلاسفة وأهل الحكم والشهوة .

■ هل حرضتكَ زيارتُك للجنة ومقابلاتك للرموز هناك ،بتبني فكرة ((رسالة الغفران)) مشروعاً سينمائياً يا أبا العلاء؟!

ـــ ليس الأمر واضحاً بعد.ولكنني رغبتُ الانتقال من الفيلم الوثائقي إلى أفلام التشريح السيكولوجي على طريقة سيغموند فرويد أو شايلوك شكسبير.فمرجعياتُ التراث والأسلاف،تحتاج صواريخَ،لاختراق تلك الجيولوجيات الصلبة. أو للمزيد من السبر والكشف والعلاج والقصّ والقطع والكبْ في المزبلة.

■ لمَ كلّ هذا التحامل يا أبا العلاء؟؟

ـــ لأن ثمار غالبية رموز التاريخ، لم تكن ثماراً فنيةً.كل ما غرسوهُ في رحم تلك الأرض ،كان شبيهاً ببيض الأفاعي.ألا ترى الأرضَ مسمومةً معطوبةً مريضةً ،وهي بأعلى مراتب السقم الآن؟

■ وما يهمّكَ أنتَ، بعد أن كتبت على شاهدة قبركَ : (( هذا جناه أبي علىّ … وما جنيت على أحد )) .فتخلصتَ من أهل الأرض وكوارثهم ،وحضرتَ إلى السموات هنا؟

ـــ كان بعض خُصُومي يتساءلون:هل وصلَ أبو العلاء المعري إلى السماء بواسطة نفاثة،أم جاء مشياً على عكاز؟

وأنا أردتُ أن اثبتَ لهم، بأن المعري ،لم يختر العزلةَ أيام زمان،ولا رفضَ الزواجَ وإنجابَ الأطفال بسبب فلسفي،بقدر ما كان العمى علةً ،جعلتْ المعلولَ في حال عدم الاستنكاف عن الانخراط بالعزلة وبالعزوبة ،من أجل أن يكتنزَ القوى لرحلتهِ الثانيةِ نحو السموات، دون الاعتمادِ على خشبةٍ من غصنِ شجرةٍ،قد تكون هي شجرةُ الخطيئةِ التي قيلَ إنها أغوت الأبَ الأول بتلك الثمرةِ،فقضمَ التفاحةَ، لنُقضَمَ نحن من بعدها في سراديب هذه الأرض.

■ كيف وجدتَ العربَ من أبناء جلدتكَ في السموات يا أبا العلاء؟

ـــ وجدتهم شعوباً أوباشاً .وقبائلَ أضغاثاً .وحكاماً سلاطين يستعملون السيوف بالقتل الحلال. وعائلات تسري السمومُ في شرايين أفرادها ،سريانَ النار في الهشيم.كلّ عربي غريمٌ للعربي الآخر بالحقد والفصام والكراهية والجحيم.وكلّ زوجٍ مترفٌ بالبغضاء لزوجه،وله من الأعين مائة على الجارات والجواري والخادمات.

لذا ترى كلّ فرد من هذه الأقوام واليّاً على الجماعة.وتجد كلّ عشيرة مجموعةَ ألغامٍ بحضّن شيخ القبيلة.فلا من عاش منهم مات خيراً،ولا من مات خيّراً منهم، إلا وتركوا أثرهُ الطيبَ يعيشُ في حظيرة الدواب. العربُ أبوابٌ بلا مفاتيح،يقتحمون بعضهم بالأسلحة الفردية في غياب دوّاب الحرب الحديدية الضخمة ،تلك التي تُسمى اليوم بالدبابات. وإذا ما تعذر على أحدٍ منهم ،ولم يفتح باب أخيه بالشاكوش، سرعان ما يستأجر تراكتوراً ،ليهدّم البيتَ على رؤوس أصحابه من أقرباء الروح والتاريخ والجغرافيا.

■ هل تقصدُ بأن لا جينات نظيفة للعرب في التاريخ البيولوجي ؟!!

ـــ أنا لم أجدْ في أقوام ( أدلب ) مثلاً ،ما يمحو الأثر الأسود من صفحات تاريخ اللحوم الممزقة والرؤوس المقطعة والأرواح المتعفنة التي لا تشبهها حتى أرواح الأبالسة في عصري السماء والأرض.

■ هل لأن أهلها قطعوا لك رأسَ تمثالك ،وتريدُ الثأر منهم على سبيل المثال؟

ـــ لم أكنْ أتوقع أن تكون جمرة الحرية بهيئة بركان تدمير.ولا أن أرى  المعرّةَ السورية حاضنةً للبرابرة،أو ممراً مفروشاً بالسجادة الحمراء تحت أقدام التتار .

■ ربما لأن كتابك ((فصول وغايات)) لم يُؤثر في عقول الناس،ممن تعرفهم أو لا تعرفهم ؟

ـــ لم أكنْ مُفكراً بأزياء الشعوبِ ،ولا مهتماً بالإفراط الذي تتبناهُ تلك الأقوام فيما يخصّ فكرةَ الشكّ

التي تتناولُ العقائدَ ،ولا تستثني كتبَ السموات.

■ ما المسافةُ الفاصلة ما بين جهنم وبينك يا أبا العلاء؟ ؟

ـــ هي نفسُ المسافةِ المعدومةِ ما بين الخالق والمخلوق .ما بين الرحمن ورحم الرحمة الكونية.

■ أتعودُ عما عُرفتَ به كشكّاك ،جعل البلاغة مدخلاً لحرية الإيمان ؟

ـــ لا تحسبنّ اللهَ يحبُ الأميين وقطاعَ طرق المعرفة .فما من جاهل إلا وهو غريقٌ ببئر الظلام.وما من عارفٍ، إلا وهو عمودُ كهرباء.والله نورٌ كما جاء ذلك في الصحف.

■ كأنك لم تجد لك سنداً إلا عند المستشرقين أمثال Fischer A الذي دافع عن أسلوبك بمعارضة القرآن  ؟

ـــ لست مهتماً بمنْ يقفُ معي،أنا أريدُ الذين يقفون مع الحقائق التي تنتجها العقول البهيّة،ليس إلا. وعندما لم أجد من شعوبي من يقف مع منتجات العقل التأويلي التحليلي الشَكّاك،فليس معنى ذلك أنني مُؤَيدٌ من الأجانب وحسب،خاصة وأن بعضهم وضعني في تناصّ مع الأفكار الفلسفية الهندية والإغريقية والفارسية القائمة على منابع الزرادشتية في العبادة الوثنية في إطار من الصراع بين قوى النّور وقوى الظَّلام.

وإذا كان لابد من وجود السند والمسند إليه،فأنا لم أكن أختار إسناداً لأفكاري سوى الشكّ بكل ما يوردهُ عقلي من تجلياتٍ،لا تقفلُ باباً أمام سؤال،ولا تترددُ بقبول حالات التمرد الذهني ما بين النفي والإثبات قبل الحكم .

 

■ هل ينجمُ هذا الذي تقوله مع العقلانية دون الاختلاط بالفلسفات يا أبا العلاء؟

ـــ ان الفيلسوف يتكلم ليفهم وليبرهن على حد تعبير البعض.(بيد أنه من الحق القول إن الثقة في العقل ،كما يظهر لدى ((ديكارت )) وعلى الأخص كما تحدّده الفلسفةُ((الكانطية)) القوية ،خطّت تياراً عقلانياً وجد الخلفاء فيه صورة أنفسهم ).

الأمور لا تقف عند عتبة واحدة،بقدر ما أن لكلّ فيلسوف اجتياحه لنظرية المعرفة.فمنهم من يخترقُ ويسود ،ليتمدد في الناس،ومنهم من يقتنع بأن ((العقل لا يلقى أبداً إلا ذاته)) ،فيبقى رهين محاكماته الفاشلة لقضايا الوجود والعدم.

■ مع منْ وجد أبو العلاء المعري نفسه منخرطاً :بفلسفة الأزلية أم بفلسفة المحاكمة ؟

ـــ عندما تدخل عقلانية (سبينوزا) فليس بالضرورة أن تخرج من باب (أفلاطون) مطروداً أو مهاجراً.فثمة تحولات ،ستقودك إلى المَصبّات الأصولية الكامنة في أعماق الوعي الإنساني.وهذا ((النشاط في التأمل الذي أتاح لي العثور على مجرى تاريخي.وهكذا ،ضدّ (أنا – الشخصي) الذي يعتبرهُ المذهب الواقعي شيئاً مطلقاً والذي هو نتاج حياة بيولوجية واجتماعية ،تنصب قدرةُ انتشار روحية ،تستمد من عقلانيته قيمة شاملة )) .

■ وماذا تكون النتيجةُ من وراء كلّ تلك التداعيات؟

 

ـــ الفكرة من وراء ذلك،تكمن في أنني (أكتسبُ القدرة على فهم الغير ،كما أفهم نفسي أنا بالذات .وهكذا يتكشّف الله بدقة توازنه،للعقل الأبدي .للكلمة الداخلية )) وبذلك نكون قد خرجنا الأنفس من الوضع المستقر،إلى حالات الاضطراب الشمولي لمختلف المذاهب الانتقائية التي تم لها تشريح المخلوق الآدمي سريرياً بمباضعها الفلسفية،دون قتلهِ بالتحريم.

■ كيف تنظر إلى التحريم والتجريم المعاصر؟

ـــ نظرتي إلى حائط الظلام،عندما يقع على العين في لحظة من الجريمة المنظمة ،فيمحو البصر ،ويعطل القدرة على الإدراك.

■ ولكنك لم تعانِ من عزلة العقل،كما عشت عزلة الجسد!

ـــ لم أنمْ في عزلة ما على وجه التحديد،ولكنني كنتُ كمنْ يقتبسُ فراغاً ،ليجعل منه مكاناً يستفردُ فيه بنفسه.ثمة مفكر يدعى – فردينان ألكييه-  سبق وأن ألف كتاباً بعنوان(حنين الكائن)  قال فيه:ان الإنسان منفصل عن الكائن،ان توعّيه هذا الشق هو كلّ مأساته.

وأنا أرى ان المشكلة الأعظم اليوم عند المفكرين،هي تخليهم عن فكرة تأمل الوجود،بعد أن اختاروا تبديله أولاً .ولا أعرف كيف ؟!

■ ربما بالأسلحة!

ـــ وهذا هو الذي يجري على مختلف الخرائط العربية الآن.السلاح المذهبي الذي ارتبط بالديناميت، فاختارهُ حاضنةً له ولعائلته من الكلمات والأفكار والحريم.