ثلاثية الجنس.. الدين .. السياسة

 

الزمان : حزيران عام 1861
المكان : قاعة الجمعية البريطانية للعلوم
الهمس يدور بين الجميع، فالقس صموئيل اسقف مدينة أكسفورد قرر أن يصعد إلى المنصة من أجل تحطيم صاحب كتاب يشكك بالكنيسة وماجاء بالإنجيل، قال القس إن المدعو تشارلز داروين :”أجرم بأن حاول أن يحدد مجد الله في فعل الخلق، وماجاء في كتابه لايتفق بحال من الأحوال مع كلمة الله”، ثم صمت قليلاً وهو ينظر الى الوجوه الواجمة ليواصل بعدها هجومه بصوت عالٍ وهو يلوح بكتاب أصل الأنواع :”إن هذا الكتاب يريد أن ينسف كمال المجد الإلهي”، وأنهى القس مرافعته بأنه حمد الله بأنه ليس قرداً وهو يشير الى عالم النبات توماس هكسلي الذي كان من أشد المعجبين بكتاب داروين، ولم يكتفِ القس بذلك وإنما أشار الى هكسلي قائلاً: “ليتفضل السيد توماس بإخبارنا عن طريق مَنْ يتصل نسبه بالقرود.. عن طريق جده أم جدته”، فرد عليه هكسلي قائلا :”لو خيرت لفضلت أن أكون من نسل قرد دنيء النسب، على أن يكون أبي رجلاً من البشر يستخدم معلوماته ومعارفه وقوته الخطابية في تحقير أولئك الذين يفنون أعمارهم في سبيل الحقيقة”.

وعندما ساد الضجيج القاعة ووقف قائد السفينة التي حملت داروين في رحلته الشهيرة وهو يلوح بعصبية شديدة بالإنجيل ويصرخ :”لم أكن أدري إنني أحمل في سفينتي مثل هذه الأفعى الخبيثة (يقصد داروين)”. وراح البعض يبحث عن صاحب المشكلة، فأخبرهم هكسلي إن السيد داروين مريض يعاني من آلام في الظهر.
في أواخر شهر تشرين الثاني عام 1859 تلقى محرر العلوم في مجلة كوارتلي البريطانية نسخة من كتاب جديد ألفه عالم في الطبيعيات، قرأ المحرر مقدمة الكتاب بإهتمام، واعترف لزملائه إن الموضوع مثير ويستحق الكتابة عنه، إلا أن رئيس التحرير وجد الأمر غير مجدٍ، فمن يهتم بقراءة عرض كتاب لمؤلف مجهول، وطالب رئيس التحرير من المحرر ان يكتب رسالة للمؤلف ينصحه فيها بتأليف كتاب عن الطيور، فهناك الكثير من القراء يهتمون بمثل هذه الموضوعات المثيرة.
صدر الكتاب في الخامس من تشرين الثاني عام 1859. طبع منه ألف ومئتان وخمسون نسخة، سعر النسخة الواحدة 15سنتاً، وقد بيعت جميع النسخ في اليوم الاول، وظل باعة الكتب يلحّون على صاحب المطبعة أن يطبع نسخاً جديدة، ليعاد طبعه ثلاث مرات في نفس السنة وتصل مبيعاته في السنة الأولى الى أكثر من عشرة آلاف نسخة، الجميع يقرأ الكتاب أو يتصفحه ثم يسأل نفسه : هل حقاً نحن من سلالة القرود؟.
كان داروين في طفولته بليداً، وفي المدرسة اشتكى الأساتذة منه لأنه لايستوعب الدروس، قال له والده ذات يوم :”أنت لاتهتم بشيء غير الكلاب والصيد واقتناص الفئران، وإنك ستكون عاراً على نفسك وعلى أسرتك”. إلا أن الصبي لم يهتم لكلام الاساتذة ولا رأي والده، فهو مشغول البال بالحيوانات والنباتات يسجل الملاحظات في دفتر صغير ويكتب في يومياته :”اعتقد إنني متفوق على زملائي في المدرسة من حيث ملاحظة الأشياء التي يخطئها الانتباه بسهولة، ومن حيث ملاحظتها بعناية كبيرة”.
أراد الأب أن يصبح أبناؤه أطباء مثله، فأرسل داروين مع شقيقه الى جامعة أدنبرة لدراسة الطب، وبعد سنتين قرر الأساتذة إنه لايصلح لهذه المهنة فترك الطب، حاول بعدها دراسة القانون لكن المدرسين وجدوه بليداً، وفي النهاية نجح في الحصول على شهادة في اللاهوت من جامعة كمبردج. كان ينتظر وظيفة قس في أحد الارياف، عندما جاءه عرض مفاجئ أكثر إغراءً. دعُي للسفر على متن السفينة”البيجل”التي تقوم بمهمة المسح القومي في المياه الإقليمية. ولم يكن اختيارداروين مرتبط بشغفه في دراسة أحوال النبات والحيوان، لكن قائد السفينة كان يبحث عن شخص يرافقه في السفر بعد أن تركه مساعد القبطان، كانت مهمة قائد السفينة أن يضع خريطة للمياه الساحلية، لكنه كان مولعاً بالبحث عن تفسير ديني للخلق، وبما أن داروين درس اللاهوت فقد قرر قائد السفينة دعوته لمرافقته. قضى داروين على متن السفينة خمسة اعوام من عام 1831 الى عام 1836، كانت رحلة البيجل التي وثقها داروين فيما بعد بكتاب – ترجم الى العربية مؤخراً – أشبه بمغامرة استطاع من خلالها أن يجمع كميات من العيّنات لصناعة شهرته وجعلته منشغلاً لسنوات، عثر على مجموعة نفيسة من النباتات البحرية، نجا من زلزال في تشيلي، واكتشف أنواعاً من الدلافين، وطوّر نظرية حول تكوين الشُعب المرجانية، وفي سن السابعة والعشرين من عمره عاد الى بلدته..الشيء الوحيد الذي لم يفكر به وهو على متن السفينة كان نظرية النشوء والارتقاء.. فقد كانت هذه النظرية قد طُرحت قبل خمسين عاماً، فقد كتبه جده الدكتور أرازموس وهو مهتم بعلوم الطبيعة ويكتب الشعر وله قصيدة بعنوان”معبود الطبيعة”يناقش فيها موضوع التطور لكنها لم تثر اهتمام الحفيد، إلا أن الصدفة تلعب دورها حين يقرأ داروين كتاب توماس مالتوس”مقالة في مبدأ السكن”التي أكد فيها إن الزيادة في الطعام والمؤونة لايمكن أن تتماشى أبداً مع النمو السكاني لأسباب رياضية، وهو ما أثار انتباه داروين الذي وجد خلال رحلته إن جميع الحيوانات تتنافس على الموارد، وأولئك الذين يمتلكون التفوق الفطري سيزدهرون ويمررون ذلك التفوق الى سلالتهم، بهذه الوسيلة ستتحسن الأنواع. قال داروين وهو يرمي كتاب مالتوس جانباً :”إنها فكرة بسيطة جداً، كم كنت غبياً لأنني لم أفكر فيها”.واقتنع داروين أخيراً بأن الأنواع لم تكن دائماً كما كانت منذ الخلق ولكنها خضعت للتغيير.
**********

داروين يتجول في شوارع القاهرة وبغداد
كان الاعتقاد السئد في القرون الماضية ان كل نوع من انواع الكائنات الحية قد خلق خلقا منفصلاً، وان هذه الانواع ثابتة لاتتغير ولا يربطها ببعضها اية صلة، وبتقدم وسائل الدراسة واكتشاف المجهر اخذت فكرة تعدد الانواع ونظرية التطور تظهر للوجود وكان اول شكل علمي لها على يد العالم الفرنسي جان باتيست لامارك الذي تفرغ طوال سنوات حياته على درسة انواع الكائنات الحية وقسمها تقسيما علميا في كتابه الشهير”فلسفة الحيوان”الذي صدر عام عام 1802م ويعد أول من تحدث عن نظرية تطور الكائنات الحية.
الا ان تشارلز داروين اراد من خلال كتابه”اصل الانواع ان يطرح فرضيّة علميّة وضعها بعد ملاحظات وبحوث ورحلات وقراءات دامت أكثر من عشرين سنة، أراد من خلالها إيجاد السبل للإجابة على سؤال لطالما حيّر العلماء حول الحلقة المفقودة في عملية التطور المعقدة التي تمت عبر ملايين السنين.
يشرح تشارلز داروين العناصر الرئيسية لنظريته في القسم الأول من الكتاب، حيث نجده يناقش الاعتراضات التي يمكن أن تثور ضد نظريته. أما في الأقسام الاخرى من الكتاب، فإنه يخصصها في الحديث عن الجيولوجيا والتوزع الجغرافي للنباتات والحيوانات والحقائق ذات الصلة بعلم الأجنّة.
أما الأساس الذي يبني داروين عليه فرضيته تلك، فيتعلق برصد التغيرات التي طرأت على النباتات والحيوانات الأليفة، لا سيما منها تلك التي يتحكم بها الإنسان. ويقارن داروين ذلك، أي الفروقات في الأنواع الناتجة عن”الانتخاب الصناعي”، بالتغيرات الحاصلة في الطبيعة من دون تدخل الإنسان، أي الناتجة عن”الانتخاب الطبيعي”ليخلص إلى أنه :”حيثما هناك حياة، ثمة تغير وتطور مستمران ناتجان أساساً من الصراع من أجل البقاء، حيث أن الانتخاب الطبيعي يتفحص كل يوم وكل ساعة وفي كل أنحاء العالم، أبسط التغيرات رافضاً السيئ منها ومضيفاً الجيد إليها، عاملاً بصمت ومن دون إحساس على تحسين كل خلية حية”، وهو يؤكد أننا في الحياة اليومية :”لا نلاحظ أياً من هذه التغيرات البطيئة أثناء عملها، بل ستلاحظ حين تحفرها يد الزمن على مر العصور”.
في العام 1918 ظهرت لأول مرة الترجمة العربية لكتاب أصل الأنواع لتشارلز داروين، قام بها إسماعيل مظهر، وهي الترجمة التي استكملها فيما بعد الدكتور محمد يوسف حسن، حيث قام بترجمته للفصلين الرابع عشر والخامس عشر من الكتاب بعد وفاة إسماعيل مظهر مظهر.
ويرجع اهتمام إسماعيل مظهر بنظرية التطور إلى دراسته في بريطانيا لعلوم الأحياء التي جعلته يطلع على نظرية التطور والنقاشات التي دارت حولها وتاريخها، ويُحسب لإسماعيل مظهر إنه كان من أوائل من اهتموا بترجمة كتاب”أصل الأنواع”، وقام بترجمته ترجمة علمية، ووضع بنفسه ترجمات عربية لمصطلحات علمية كثيرة لم تعرفها اللغة العربية من قبل، وربما كان ذلك من أهم أسباب انضمامه لمجمع اللغة العربية بالقاهرة.
وتدلل سيرة إسماعيل مظهر على إيمانه بنظرية داروين، خاصة إنه تفرغ لمدة تزيد عن عشر سنوات من أجل إنهاء مؤلفه”ملقى السبيل في مذهب النشوء والارتقاء”، والذي يقول في مقدمته:”قضيت ما ينيف على عشر سنوات مكباً كل الإكباب على دراسة مذهب العلامة داروين في النشوء والارتقاء. طالعت زبدة المؤلفات التي كتبها، والتي كتبها غيره من جهابذة علماء القرن الماضي في أصل الأنواع وأصل الإنسان وخرجت من مجمل ذلك بمذكرات وتعليقات، إن أردت أن أخرجها في كتاب لأتمت صفحاته بضعة آلاف صفحة”.
وفي عام 1948 يصدر أول كتاب باللغة العربية عن داروين وكان الكتاب بعنوان”فلسفة النشوء والارتقاء”لمؤلفة الطبيب شبلي شميل. ويخبرنا المؤلف في مقدمته إن كتابه يضم مقالات في مذهب داروين ومباحث لتأييد هذا المذهب ومناقشات علمية في الحياة لإثبات الرأي المادي، وأخيراً خلاصات في فلسفة علوم الإنسان.يكتب في مقدمة الكتاب :”كن شديد التسامح مع من يخالفك في رأيك فإن يكن رأيه كل الصواب فلا تكن أنت كل الخطأ بتشبثك. وأقل ما في إطلاق حرية الفكر والقول تربية الطبع على الشجاعة والصدق وبئس الناس إذا قُسِروا على الجبن والكذب”.
كان الطبيب شبلي قد ولد في بيروت عام ١٨٥٠، ونشأ في أسرة دينية سرعان ما تمرد عليها لتعارض أفكارها مع صريح العقول الحرة، وقد تعمَّق في دراسة الفلسفة والعلوم، حتى لقَّبه زملاؤه ﺑ”الأستاذ الفيلسوف”. وفي عام ١٨٧١ينشر بحثاً بعنوان :”اختلاف الحيوان والإنسان بالنظر إلى الإقليم والغذاء والتربية”، جاء فيه بكثير مما وجده يؤيِّد مذهب داروين. بعدها ينشر كتابه المهم”شرح بخنر على مذهب دارون”والذي يصف فيه صاحب كتاب أصل الأنواع بالقول :”هذا الإمام المقدام والعالم المدقق والفيلسوف المحقق”. وتبعاً لقانون البقاء للأفضل يكتب شميل رسالة الى علماء الأزهر يؤكد فيها إن دفاعه عن نظرية النشوء والارتقاء لا يعني أبداً كفره بالقيم المقدسة ولا حطِّه من شأن الأنبياء، بل العكس، فإنه ينظر الى إن :”تجديد الفكر الإسلامي مرهون بقدرة زعماء الإصلاح على فتح باب الاجتهاد مجدداً”.
في عام 1909 يكتب شبلي شميل مقالاً في مجلة الهلال عن النشوء والإرتقاء حاول فيه أن يرد على الهجوم الذي تعرض له من قبل العديد من الكتاب وكان على رأسهم جمال الدين الأفغاني ومحمد رشيد رضا، وأيضا على البيانات التي صدرت عن الأزهر التي حاول أصحابها اتهام شميل بالإلحاد، وفي المقال يطالب بضرورة الفصل بين الدين والعلم ضماناً لعدم تنازعهما. :”الخلط بين الدين والعلم من الأمور الشائكة، لأن فيها ربط متغير بثابت، فالنظرية العلمية تتحول وتتبدل، أما أصل الشرع فثابت”. كما طالب بضرورة الاحتكام لمعيار البقاء للأصلح في التخطيط وانتخاب الأفكار، والعزوف عن النهج المتزمت في الإصلاح والتغيير، مبيناً إن المنهج الثوري ينبغي أن يقوم على الإصلاح التدريجي، فالطفرة لا تنتج سوى الفوضى والعنف، أما الثورات التي يقودها العلماء والعقلاء ويؤيدها الشعب، فهي قادرة على إحداث التغيير بلا عنف أو تخريب لأنها تعبر عن فعل واعٍ. وتثور ثائرة العديد من الكتاب، بل إن البعض يطالب بطرده من مصر ويكتب محمد فريد وجدي كتاباً يفند فيه آراء شميل بعنوان”الإسلام في عصر العلم”، ويرد جمال الدين الافغاني في كتاب”رسالة للرد على الدهريين”، وتطالب السلطات المصرية من شبلي شميل أن يتوقف عن مقالاته الاستفزازية خوفاً على حياته، حيث تعرضت عيادته الى هجوم من بعض شباب الأزهر.
في كتابه فلسفة النشوء والارتقاء يسعى شبلي شميل الى تحقيق هدف أساسي وهو تطبيق نظرية الإرتقاء على مظاهر الطبيعة كلها، بما فيها من”جَماد ونبات وحيوان وإنسان”، واستخلاص الفوائد النفعية من الفَهم المحسوس للكون وقوانينه، بعيداً عن التأملات الصورية والأنظار المجرَّدة التي كبَّلت الفكر العربي لقرونٍ. فالمظاهر الثقافية تُفهمُ بوصفها خاضعة لنفس قوانين الظواهر الطبيعية، وتتطوّر وَفق ذات النواميس والخُطط.فهو يرى إن العقائد والفنون والأخلاق والفلسفات والصنائع، تنشأ حسب قانون الضرورة، ومبدأ المجهود الأدنى. وعليه، فسَّر عبارات الأديان ونظريات الفلسفة ومقولات السياسة بوصفها إنتاجاً بشرياً محضاً، أفرزه تعامل الإنسان مع محيطه الخارجي، وليست هي وحيَ سماء، ولا من تعليم الأنبياء أو نبوغ العظماء، فنادى بصوت مرتفع:”لا يَليقُ بنا أنْ نَتَمَسَّك بما كان في الأعصر الخاليَةِ من الأوهام، ولا أن نطرح ما تُبديهِ لنا الاكتشافاتُ والحَوادثُ من الحقائق، لِمُجَرّد كونه مُخالفاً لما انطَبَعَ في عقولنا”.
في بغداد يبدأ الشاعر جميل صدقي الزهاوي بالتبشير بنظرية داروين ويكتب في مجلة المقتطف مقالاً يشرح فيه النظرية وفوائدها وأهميتها، ويرد رجال الدين بعنف عليه بأن حرَّضوا العامة ضده ليشتموه بالشارع، وطالب خطباء الجوامع بمحاكمته، بل ذهب البعض منهم الى إهدار دمه!
ويقول علي الوردي في كتابه لمحات اجتماعية من تاريخ العراق، إن بعض رجال الدين وعلى رأسهم السيد نور الدين الواعظ طالبوا الوالي ناظم باشا بمعاقبة الزهاوي”الفاسق”فيما دعا أئمة الجوامع الناس للخروج للتنديد بما ينشره الزهاوي عن أن أصل الانسان قرد فاضطر الوالي الى عزله من وظيفته، ليعتكف الشاعر في بيته خائفاً على حياته من الاعتداء عليه.

**********
الكتاب الذي فتح باب الاضطراب
في بريطانيا يتأسس معهد لمحاربة العلوم المضرة، وقد أعلن المعهد إن كتاب داروين هو :”محاولة يقصد بها إنزال الله عن عرشه، فيما أعلن رئيس الكنيسة إن مؤلفات داروين إنما تفتح باب الاضطراب في كل شيء من الأشياء التي أظهرها لنا الله في كتبه المقدسة.. أما في أميركا فقد أصدر رجال الدين بيانا اعتبروا فيه أن داروين :”يحاول أن يزيد الإشكال ظلاماً على ظلامه”.ورفضت الرقابة توزيع الكتاب باعتباره”خيانة وعدم أمانة”، وأعلنت الكنيسة الانجليكية إن داروين يريد أن يجعل من الأناجيل مجرد خيال لايمكن تصديقه، إنه يريد أن نكذب كلمة الخالق الأولى ونشرت الكنيسة بيانا قالت فيه :”إذا كنا جميعاً أناساً وقرود قد نشأنا من جرثومة أصلية واحدة، فهل يمكن أن يكون تصريح القديس بولس العظيم من أن الاجسام مختلفة وإن أجسام الآدميين نوع غير أجسام البهائم والوحوش وهذين غير أجسام الاسماك والطيور غير صحيح”.
وفي أستراليا نشر كبير أساقفة ملبورن كتاباً بعنوان”العلم والإنجيل”أعلن فيه إن الغرض الأول من كتاب أصل الأنواع هو أن يزرع في الناس إنكار الإنجيل.فيما نشر مجمع الكنائس بياناً قال فيه :”لنا الحق في أن نعتقد إن داروين ليس إلا بوقاً ينطلق عن تلك الفئة الكافرة المجدفة التي ليس لها من غرض إلا أن تذهب بكل فكرة في حقيقة وجود الله”.
وفي فرنسا كانت الحملة أشد قسوة فقد أعلنت الكنيسة إن المدعو داروين”إنسان دعي”وإن نظرية النشوء والارتقاء”مضللة ومعتمة”وطالبت بمنع ترجمة الكتاب الى الفرنسية، معتبرة إن مثل هذا الكتاب :”لايؤيده إلا أحط اصحاب النزعات وأسفل المشاعر، فأبوه الكِبر وأمّه قذارة النفس، وهذان لايلدان إلا الثورات. كتاب ما خرج إلا من جهنم ولن يعود إلا إليه، ومعه كاتبه الذي لاتعلوه حمرة الخجل عندما يعلن تلك المذاهب ويدافع عنها”. وفي ألمانيا أعلنت الكنيسة إن نظرية داروين صورة كاريكاتيرية للخلق وأكد القس هاجرمان إن أصل الأنواع يتناقض مع كل كلمة جاءت في الإنجيل التي يريد لها داروين أن تذهب سدى، ودعا هاجرمان الى القيام”بحرب صليبية تعلن ضد هذا المذهب الخاطئ المفسد”.
في سنة 1925 قدم الأستاذ الجامعي جون سكوبس الى المحاكمة لتدريسه كتاب أصل الأنواع في ولاية تينيسي بأميركا، فيما أصدرت إدارة التعليم بياناً منعت فيه الاقتراب من كتب داروين إلا بموافقتها
كان تشارلز داروين الذي أثار كتابه الكثير من الجدل، إنساناً لطيفاً ميالاً الى العزلة، عاد من رحلة السفينة البيجل مريضاً، يشكو من صداع مزمن.تزوج من ابنة خالته وعاش في قرية صغيرة بمقاطعة”كنت”، ظل طوال حياته التي بلغت السبعين عاماً يهتم بحديقة المنزل، وكان يجري تجارب على النبات لاستخدامها كأدلة في أبحاثه النظرية يكتب في يومياته :”كلما ازددت دراسة للطبيعة، ازددت اقتناعاً بان التغيرات والتكيفات الجميلة التي يكتسبها ببطْء كل عضو، وتختلف حسب الأحوال اختلافاً بسيطاً، إنما تفوق بطريقة لا يمكن مقارنتها بالتغيرات والتكيفات التي يخترعها أخصب خيال لإنسان”. وقد سأل داروين عن سبب حبه للعزلة والوحدة فأجاب :”إن الذي حببّ له العزلة، هي السنوات الخمس التي قضاها في السفينة، ورغم إنه في صباه وشبابه كان يحب الانطلاق والصيد ولعب الورق، إلا أن حب القراءة والعلم هو الذي تغلب في النهاية”.
في صبيحة التاسع عشر من نيسان عام في 1882 استيقظ أصحاب المنزل على الرجل السبعيني وهو يدور في الصالة بصعوبة يتلوى من آلام في المعدة، كانت نوبات من الغثيان تنتابه بين الحين والآخر، استدعي الطبيب على عجل، فشخص الحالة بانها آلام في القولون، وفي المساء انتابته حالة من الوهن فسقط مغشياً، ليفارق الحياة في المساء.ولم يجد مناصروه مكاناً يدفنونه فيه سوى كنيسة وستمنستر الى جانب قبر اسحق نيوتن وهو الأمر الذي أثار حفيظة رجال الدين فأعلن الأسقف فرر إن انكلترا لم تعد دولة مسيحية وأضاف :”إن دفن داروين في كنيسة وستمنستر تدنيسٌ لها، وإن هذا الشرف لم ينله داروين إلا لأنه كان الزعيم الذي قام بنشر المذهب الهزلي في نشوء الأنواع وتسلسل الإنسان عن القرد”.
وبعد 160 عاماً على صدور كتاب”أصل الأنواع”مايزال يجد الكثير من المعارضين، وخاصة من رجال الدين، لأن فكرة خلق الإنسان كما جاءت في الكتب المقدسة تتعارض في نظرهم مع ما أعلنه داروين عام 1858.

 ((المدى))