ثلاثية الجنس.. الدين .. السياسة

 

|  10   |

بعد سبعين عاماً على صدور قرار بمنع تداوله أعادت ألمانيا نشر طبعة جديدة من كتاب”كفاحي”للزعيم النازي أدولف هتلر. وقال معهد التاريخ المعاصر في ميونيخ الذي أقدم على إعادة نشر النسخة الجديدة من الكتاب إن الهدف من ذلك هو تلبية الاحتياجات التعليمية والمعرفية للأجيال الجديدة.
“لقد جعلني القدر أولد في (برون) على نهر (الراين) وتقع هذه المدينة الصغيرة على حدود هاتين الدولتين الألمانيتين اللتين تبدو إعادة اتحاهما لنا العمل الذي يجب علينا القيام به، يجب أن تعود النمسا الى أحضان الأمّ الألمانية الكبيرة”.

بهذه السطور يبدأ أدولف هتلر كتابه الذي وضع له عنوان”معركتي”وترجم الى العربية بعنوان”كفاحي”، والذي كتبه في السجن بعد أن صدر حكم بحبسه لمدة خمس سنوات لأشتراكه في محاولة انقلاب في ميونيخ عام 1923، وقد قسمه المؤلف الى قسمين، الأول يروي فيه سيرته الذاتية، والثاني يقدم من خلاله مفاهيمه السياسية، ولم يلق الكتاب عند صدوره اهتماماً من السياسيين لكنه انتشر بسرعة في المانيا، وسخر منه القائد الفاشي الإيطالي موسوليني وهو يقول :”كتاب مضجر، لم أتمكن أبداً من قراءته، إن الأفكار التي يعبّر عنها هتلر في هذا الكتاب، ليست أكثر من كليشيهات شديدة العادية”.
وقبل الحديث عن الكتاب يجب أن نبين إن مؤلفه أراد منه أن يكون أشبه ببيان دعائي، مزج فيه بين سيرته الذاتية مع نظرته المتدنية للشعوب الأخرى وتأليه العنصر الآري”الذي هو أصل الشعب الألماني”، فالسمة الأساسية في الكتاب، هي وضع برنامج للسيطرة على العالم من خلال تصنيف الأمم والشعوب درجات درجات، مع وضع الشعب الالماني في أعلى المستويات.
العام 1889، هو العام الذي ولد فيه الرجل الذي كان يعتقد إن الإرادة الإلهية اختارته للتبشير بتفوق الجنس الآري، وقد اختار في بداية الأمر دراسة الفنون وخصوصاً الرسم، في الثالثة عشرة من عمره يعثر على كتاب”خطابات الى الأمة الالمانية”لفيتشه، وتظل عبارات الكتاب عالقة في ذهنه يرددها مع نفسه، كان فيتشه قد كتب إن :”الفكر الألماني سيفتح مناجم جديدة، وسيدخل النور والضوء الى كل هاوية، وينسف كتلاً هائلة من الأفكار، سوف تستخدمها العصور القديمة لتبني لنفسها بيوتاً. ستكون العبقرية الأجنبية النسيم اللطيف، أما الفكر الألماني فسيكون النسر، الذي يرفع بجناحه القوي جسمه الثقيل، ويطير طيراناً قوياً مارسه طويلاً، فيحلق من أعلى إلى أعلى لكي يقترب من الشمس التي يسحره تأملها”، في الخامسة عشرة من عمره يتوفى ابيه وبعد عامين يفقد أمه، فيقرر الرحيل الى فيينا، لايحمل معه سوى حقيبة ملابس داخلية وتصميم على أن يصبح شخصية مرموقة.
يفشل في دراسة الرسم، فيقرر أن يصبح مهندساً معمارياً، وفي هذا الاختيار يفشل أيضاً، فيقرر أن يجرّب حظه في السياسة، يكتب في دفتر يومياته :”لا ينال النجاح في السياسة إلا من يكون خشناً ومتعصباً، فالجماهير تنفر من الضعفاء والفاترين وتخضع للرجل القوي، الكامل الصفات، المتعصب، الذي يوقع الخوف في القلوب، ويمارس الإرهاب”..بل إن الشاب هتلر يذهب أبعد من ذلك، حيث ينتهي الى نتيجة تقول إن الديمقراطية فاسدة من جذورها :”إنها بالنسبة إليّ هذا الطاعون العالمي بمثابة الحقل الزراعي الذي يمكن للوباء أن ينتشر فيه”.في العام 1912 كان قد بلغ الثالثة والعشرين من عمره، بلا عمل يسترزق من رسم لوحات مائية للمارة في ميونيخ، في العام 1914 تنفجر الحرب العالمية الأولى ويصيح هتلر فرحاً :”لم تكن مفروضة على الجماهير، والله شاهد على ذلك بل العكس، كان يتوق إليها الشعب. في العام نفسه يُنجز كتاب أوزفالد شبنجلر”تدهور الحضارة الغربية”الذي يقرأه هتلر بعد سنوات فيرسل رسالة الى شبلنجر يخبره فيها إن أفكارهما واحدة فلا بد لألمانيا أن تنتصر..أنا متفائل..سننتصر”، لكن مع منتصف عام 1918 بدأت القوات الألمانية تتراجع، وبنهاية تشرين الأول استسلم جميع حلفاء المانيا، وكانت الجيوش البريطانية والفرنسية تقترب من الحدود الألمانية، بدأت المدن الألمانية تتمرد، الامبراطور الألماني غيوم الثاني يتنازل عن العرش، الأفكار الثورية تنتشر بسرعة، العمال يريدون جمهورية مثل السوفيت، ولم يكن أمام الجيش الذي عاد منكسراً إلا طريق واحد هو سحق التمرد في ميونخ وبرلين والمدن الأخرى، كان هتلر ينتظر الفرصة يشاهد ما يجري ويكتب :”في هذه الليالي ولد في نفسي الحقد، الحقد على صانعي هذا الحادث”.. في تلك الأيام يتقدم للتعين ويعين ضابطاً في جيش الرايخ مهمته رفع معنويات الجنود، بعدها ينظم الى حزب مغمور اسمه حزب العمال الألماني، وقرر أن يعيد تنظيم الحزب، فغير اسمه الى حزب العمال الألماني الوطني – الاشتراكي، ووضع برنامجاً جديداً، وشعاراً عبارة عن صليب معقوف، في التاسع من تشرين الثاني عام 1923 يشترك مع الجنرال لودنورف في محاولة انقلابية التي فشلت فشلاً ذريعاً، وأدت الى مقتل العشرات من عناصر الحزب والى اعتقال هتلر حيث أصدرت السلطات المحلية بياناً وصفت فيه الإنقلاب بأنه من تدبير :”عصابة من المتمردين المسلحين، عهدت بمصيره ألمانيا إلى السيد هتلر الذي لايحمل صفة مواطن ألماني إلا من وقت قصير”. كانت المغامرة قد بدأت في اللحظة التي ألقي القبض على هتلر الذي صارت له صورة”البطل المغدور السيئ الطالع”، ورغم إن الحكم خفض من خمس سنوات الى ثلاثة عشر شهراً، إلا أنه قرر الانتقام، وبدأ يخطط لتحقيق مشروعه القديم، كتاب يرسم به أفكاره، وكان لديه مرافق يقوم على خدمته اسمه أدولف هس، وكانت هناك سيدة وقعت في غرام هتلر تزوره كل أسبوع تحمل معها بعد ان تنتهي الزيارة بعض وريقات مخطوطة من كتاب سمي فيما بعد”معركتي أو كفاحي”تذهب بها الى مطبعة قديمة في أحد شوارع ميونيخ.
*******

أنا نفسي في خصام مع زمني

“لن نخرج من هذه الحالة ألا بشرط صريح، هو أن نشهد ولادة عالم جديد، على أنقاض عالم قديم يتهاوى”، كان صاحب هذه الكلمات أستاذاً جامعياً في الخامسة والأربعين من عمره، قصير قوي البُنّية، يحمل نظرات قاسية، يقف وسط مدرج كلية برلين يلقي دروساً أشبه بالخطابات العاطفية، فيما تمتلئ المدرجات بالطلبة وبالشباب الذين يسحرهم كلام أستاذ فلسفة يدعى”يوهان غوتليب فيتشه”، كان مشهوراً بانتقاده للدولة ومؤسساتها، وقد سببت له هذه المحاضرات مشاكل كثيرة، فبسببها خسر كرسي الجامعة في مدينة إيينا، واضطر الى الاستقرار في برلين، كان مفلسلاً، عاطلاً عن العمل، لكنه مملوء بالحيوية والأمل، إذ لم يرَ في كل ما يحدث له سوى إقرار بتأثير أفكاره القوية على المجتمع يكتب في إحدى رسائله :”أي إنسان له تأثير قوي على مواطنيه لاقى من قبل مصيراً آخر؟ فلنراهن على أنني، قبل انقضاء عشر سنوات، سأكون قد استحققت احترام الشعب الألماني بالاجماع”.في عام 1805 يتخلى عن كرسي الفلسفة في جامعة غرلنغن، حيث يقرر الذهاب الى برلين ليلقي خطاباته على جمهور كبير من الطلبة، كانت قوات نابليون تتجول في المدينة، والفيلسوف مشغول بقراءة كتاب الأمير لمكيافيلي، ويعلن بصوت عالٍ إن الحق ليس إلا سياسة القوة، ويضع تعليقات على كتاب الأمير يلخصها بان في علاقات الشعوب لاتوجد أخوة أو إنسانية، وأفضل وسبيل للحفاظ على السلام هو الاستعداد للحرب حتى لايجرؤ أحد على امتشاق السيف إذا عرف إن سيف الآخرين لايقل مضاءً عن سيفه.
كان اصدقاؤه يخشون عليه من جنود الامبراطور الفرنسي، لكنه ظل يواصل بين عامي 1807-1808 إلقاء خطاباته الاربعة عشر والتي سميت”خطابات الى الأمة الالمانية”.
ولد يوهان غوتليب فيتشه في التاسع عشر من أيار عام 1762 لأب يعمل في التجارة، يطمح أن يصبح ابنه قساً، لكن الطفل كانت لديه هواية أخرى هي القراءة، أعجب بالفيلسوف والكاتب المسرحي لسنج، بعدها قرأ كانط، وأثّرت به كتابات أسبينوزا كثيراً، دخل الجامعة ليدرس اللاهوت، لكنه انشغل بدراسة الشعر والفلسفة، ينشر بعد تخرجه من الجامعة كتاباً بعنوان”برهان علمي على مبدأ الحرية”وهو الكتاب الذي أثار حفيظة الكنيسة بعدها نشر كتاب”أسس القانون الطبيعي”و”المبادئ الأساسية لكل نظرية العالم”و”نظرية القانون”. وجميعها مؤلفات وضعها قبل أن تخسر المانيا الحرب مع نابليون، ليصاب بخيبة أمل ويقرر كتابة خطاباته الى الأمة الألمانية والتي يعتبرها مؤرخو الفلسفة البداية الحديثة لتأسيس فاشية القرن العشرين على يد هتلر وموسوليني.
“خطابات الى الأمة الألمانية”عبارة عن 14 خطاباً، ألقاها فيشته على شكل محاضرات في جامعة برلين. وفيها أخذ هذا الفيلسوف الذي كان ينادي من قبل بالتنوير ومعجباً بما وصلت إليه الفلسفة في فرنسا وانكلترا الى توجيه الشعب الالماني نحو”السبل التي عبرها يمكنها أن تنهض أخلاقياً ومعنوياً، مؤكدة نبلها وحيويتها”. وفي الخطابات يؤكد فيتشه أن الزمن الذي يمكن فيه تحقيق الحرية والأمان من خلال الإصلاحات السياسية، قد ولى. المطلوب الآن التركيز على الأخلاق. والأمة الألمانية مؤهلة لهذا، فهي وبحي خطاباته، أمة تنتمي الى عرق أصليّ، له الحق بأن يعتبر نفسه الشعب المميز، بالمقارنة مع الشعوب الأخرى. فالشعب الالماني :”اختير من قبل العناية الإلهية ولكن بمهمة سامية هي إنقاذ الجنس البشري”. ويذهب الى أبعد من ذلك حين يصر على أن”الفارق الوحيد بين الشعب الألماني والشعوب الأخرى يكمن في أن الألمان وحدهم هم الذين احتفظوا بنقاء الطاقة البشرية الخلاقة وكمالها”.
في العام 1879 يكتب الشاب فريدريك نيتشه الى جاكوب بوكهارت :”إرادة القوة هي أصل كل ما هو موجود وكل ما صنع الإنسان، والفرد السليم المفعم بالحيوية والنشاط مثل المجتمع السليم يدرك إرادة القوة الموجودة فيه”ويذهب نيتشه في رسالته الى التأكيد على أن :”التاريخ كله يصبح صراعاً بين مجموعنين : هؤلاء الذين يعبرون عن إرادة القوة وغريزة الحياة، وأولئك الذين لايعبرون عنها : هؤلاء ذو الحياة الفقيرة.. الضعفاء.. إن الحضارة كلها من صنع أصحاب القوة والسطوة الذين ما زالوا يمتلكون إرادة قوة لاتقهر وشهوة للسلطة”.ومثل معلمه شوبنهور يصر على أن”الأخلاق تنقي الحياة”يختار نيتشه زرادشت ليتحدث باسمه وليعلن إن الضعفاء لامكان لهم ومثل شوبنهور يعلن :”الكل يريد الشيء نفسه، العالم بلا معنى، والإنسان الأخير على وشك النهاية”من أجل ميلاد إنسان أرقى ينتصر على الحضارة المتفسخة ويتخلص من فوضى عواطفه”.
العام 1889 يسقط نيتشه مغشياً عليه في الطريق، فيحمله بعض المارّة الى المصحّة، يفحصه الأطباء فيشخصون الحالة”أنها تدهورعقلي خطير”، وتقرراحتجازه في المصحة، إلا أن الأمّ وشقيقته قررتا أن ينقلاه الى منزلهما، حيث احتجز تحت المراقبة الدقيقة. الأطباء شخصوا حالته بداء جنون العظمة، حيث كان مصراً على أنه القيصر، وازدادت نوبات الصراخ. كان يعتقد إن حجزه في البيت جاء بأوامر من بسمارك شخصياً، وفي أحد الأيام حطم النافذة ليهرب، واستمرت نوبات الغضب والصراخ الى أن مات عام 1900. كانت اليزابيث فوستر،شقيقة نيتشه، شديدة الاهتمام بتراثه، كرست نفسها لرعاية شقيقها المريض ولتصبح الوصية عليه، وكانت مصممة على أن لاتترك فلسفة شقيقها لتكون عرضة للنسيان، مقتنعة إن السنوات القادمة هي سنوات نيتشه، ولهذا قررت بعد وفاته بخمسة أعوام 1895 ان تؤسس متحفاً وأرشيفاً لأعماله، كانت اليزابيث مصممة على أن تجعل الجميع يعترفون بشقيقها كأكبر عقلية فلسفية أنجبتها ألمانيا. وتعمل على أن يصبح نيتشه بشاربه الكث ونظراته المجهدة هو الملصق الذي يعلقه الجيل الجديد من أدباء ومفكري العالم، فكتب هيرمان هيسه يقول :”لقد أعاد نيتشه تقييم كل القيم التي كنا نؤمن بها.”وفي لندن يستلهم برنادشو أفكار الفيلسوف الألماني في مسرحية بعنوان”الإنسان والسوبرمان”، والتي أثارت اهتمام ازفولد شبنجلر صاحب الكتاب الشهير”تدهور الحضارة الغربية”فكتب مقالاً يبشر بالانسان الألماني الجديد. كان شبنجلر يرى إن الحضارة الغربية في طريقها الى الاندثار:”لكن اندثارها هو أيضاً إيذان بفجر جديد قادم، ستقوم أوروبا جديدة حتماً”، هكذا كتب لصديقه توماس مان، ليس على أساس القوى القديمة في فرنسا وبريطانيا والتي يرى شبنجلر إنها متفسخة، وإنما عن طريق ألمانيا التي ستجمع بين الثقافة والانضباط العسكري وإرادة القوة النيتشوية، سيتدفق دم كثير حتماً، فـ”الجنس الألماني يواجه مهمة صعبة، لكنه ند لها وسينتصر”.
********

الحضارة تتمزق..
لقد أصبحت متشائماً
في الخامس والعشرين من شباط 1920 نشر هتلر مقالاً في إحدى الصحف الألمانية التي لم تكن معروفة عرض فيه فكرته عن العرقية وأصرّ على أن :”ذوي الدم الألماني، هم وحدهم مواطنون في الرايخ”، وفي المقال يدعو الى إقامة الدولة العرقية التي من شأنها أن تجعل الفرد السليم وحده يقوم بالانجاب، أما الاخرون فإنها ستنزع منهم القدرة على التوالد :”لو أن الأفراد المنحطين جسدياً قد حرموا لمدة ستمائة سنة من القدرة على التوالد فإن البشرية، ستتمتع بصحة لاتستطيع اليوم أن تكوِّن فكرة عنها إلا بصعوبة”.
صدر كتاب هتلر، في جزءين عام 1925، وأشار فيه الى أنه سيرة ذاتية، لكنه كان من خلاله حاول أن يبث خطاب الكراهية للأجناس الأخرى، وان يعلن تهديده للبشرية والكتاب يعده الباحثون اليوم درساً عملياً في التطرّف وتشكيل الأحزاب التي تقوم على مبدأ العنصرية، والغريب إن الكتاب بيع أثناء صدوره أكثر من 250 ألف نسخة، وبعد تسع سنوات عندما وصل هتلر الى السلطة عام 1933 وحتى لحظة انتحاره عام 1945 بيع أكثر من عشرة ملايين نسخة، مع ملايين أخرى كان النازيون يوزعونها على الشباب، حتى أن غوبلز أصدر قراراً بان يهدى الكتاب الى كل عروسين جديدين.
وقد أجمع الباحثون على أن هتلر في الكتاب لم يكن أكثر من رجل دعاية، ففي واحدة من صفحات الكتاب نقرأ:”إن قبول الجماهير لما يسمعونه محدود جداً، وذكاؤهم بسيط، ولكن قدرتهم على النسيان هائلة، ونتيجة لهذه الحقائق يجب أن تكون كل الدعاية الفاعلة مقتصرة على بضع نقاط قليلة، ويجب أن نضرب على وتر هذه الصيحات باستمرار حتى يفهم الجمهور ما تريد منه أن يفهمه بصيحاتك”ويؤمن هتلر بالدعاية ويعترف إنه”يمكن بالدعاية اللبقة والقاطعة جعل الجمهور يؤمن بأن الجحيم هو الفردوس”.
يقرر المؤرخون إن هتلر لم يفهم شيئا بالتاريخ، ويؤكد علماء الأجناس أن آراءه في العرقية مجرد هراء، بينما يعتبر علماء التربية أن آراءه في التعليم تعود للعصور الوسطى..كان هتلر نصف متعلم، خليط من عدة تأثيرات، ميكافيللي وفيتشه، وأضاف اليهم قراءته المتكررة لكتاب نيتشه”هكذا تكلم زرادشت. يكتب نيتشه قبل وفاته بعامين :”من بين مؤلفاتي كلها، يحتلّ هذا الكتاب – هكذا تكلم زرادشت – مكانة خاصة. عندما قدمته للبشرية أعطيتها أكبر هدية يمكن أن تتلقاها. ان هذا الكتاب الذي يخترق صوته أعماق القرون المقبلة ليس فقط أعلى كتاب وجد حتى الآن، الكتاب الحقيقي الذي يليق بهواء القمم والأعالي. وإنما هو أعمق كتاب انبثق من كنوز الحقيقة الدفينة الأكثر سرية. كل الظواهر البشرية تنحطّ عن علوّه الشامخ أو تقع على مسافات لا نهائية تحته.. إنه بئر عميقة لا تُستنفد، وكل سطل ينزل إليها لا يمكن أن يخرج إلا وهو مليء بالذهب المصفّى والطيبة الإنسانية”
يؤكد فيتشه أن خطاباته الى الامة الالمانية كانت من أجل أن”تحرضكم على أن تغرسوا في الأرواح عميقاً وفي قوة، بفضل التربية الوطنية الحقة القاعدة المبنية على الإيمان بخلود شعبنا، وهي ضمانة خلودنا نحن. علام تقوم هذه التربية وكيف نمارسها؟ هذا ما سوف أجرب قوله لكم في الخطاب المقبل”.
في مكتبة هتلر التي عثر عليها بعد انتحاره في الثلاثين من نيسان عام 1945، عثر مجموعة كبيرة من الكتب، قيل أن هتلر كان قد جمعها، وكان يقرأ كل مساء، وقد تبين إنه كان معجباً بشكل كبير برواية دون كيشوت لثيرفانتس. ولديه أكثر من نسخة منها وأعاد مراراً قراءة كتاب مغامرات روبنسون كروزو لدانيال ديفو، وهناك نسخ عديدة من كتاب الأمير لمكيافيلي، ويبدو إنه كان يضع خطوطاً على الفقرات التي تعجبه من الكتاب، فوجد الباحثون خطوطاً حمر تحت هذه العبارة التي كتبها مكيافيلي في كتابه الأمير :”انتقلنا الآن الى التفكير في ما ينبغي عليه سلوك الأمير ومواقفه ازاء رعيته، أعرف أن كثيرين كتبوا عن هذا الموضوع، ولكن دعني أسأل سؤالاً :”هل من الأفضل أن يكون الحاكم محبوباً أم مرهوب الجانب؟ ولكن نظراً لصعوبة تحقيقهما معاً، وإذا كان لابد من الاختيار فإن الأكثر أماناً أن تكون مرهوب الجانب من أن تكون محبوباً، فثمة ملاحظة نلمسها لدى الناس بعامة إنهم جاحدون متقلبون مخادعون حريصون على تجنب المخاطر، يقتلهم الجشع واذا كنت نافعاً لهم فكلهم معك، يفتدونك بدمهم وأموالهم وحياتهم مادام الخطر بعيداً، ولكن إذا ما دنا الخطر انقلبوا عليك.”

((المدى))