من السماء التي ارتفعت إليها ميّتة قبل نحو سبعين عاما، تروي مالفا، ابنة بابلو نيرودا، سيرة لحياتها القصيرة. لم تعش أكثر من ثماني سنوات قضتها متنقّلة بين المصحّ وبيت التبنّي الذي نقلت إليه. لم يستطع والدها أن يبقى ملازما لها، هي التي تحتاج إلى رعاية دائمة بسبب مرض الرأس الاستسقائي الذي وُلد معها. في مقدمة الكتاب لا تجد ما تشبّه به نفسها إلا علامة النقطة والفاصلة (؛) أو نصف النقطة نصف الفاصلة كما تقترح تسميتها. ذلك الشبه بهذه العلامة راجع إلى رأسها الضخم وضآلة جسمها مقارنة به.
في البداية لم ينتبه بابلو نيرودا إلى ذلك التشوّه، ودعا أصدقاءه، في ما هي لم تزل رضيعة في أيامها الأولى، إلى مشاهدة أجمل فتاة في الدنيا، كما راح يقول. كان هؤلاء يبتسمون مجاملين، لكن فنسنت (الذي ربما هو فيسنته ألكسندري طالما أن كل من ورد ذكرهم في الرواية هم من شعراء العالم أو كتّابه الكبار، أو من أولادهم) ألكسندري وحده إذن، جفل متراجعا إلى الخلف ثم غادر المنزل هاربا من قبح ما رأى.
تخلّى الشاعر بابلو نيرودا عن طفلته رافضا أن يقترب منه ذاك التشوّه حتى ملازمته والالتصاق به. ما أراده هو أن يعيش كما يحلو له، ساعيا إلى المجد والشهرة. عشرات المرات قالت ذلك مالفا الراوية في الكتاب الجامع بين أن يكون سماويا وأن يكون أرضيا. من الأعلى، من حياتها الأبدية هناك راحت تلاحق ما تلا من حياة أبيها، وحياة أمها من ثمّ. ودائما من دون كراهية ولا ضغينة، بل إنها، في ما خصّ والدها، لم تره إلا عظيما وساحرا ومدهشا. وهي راحت تسترجع بالتفصيل كل المشاهد واللقاءات التي ظهر فيها، والتي يمكن حفظها في سجل التاريخ. من ذلك مثلا تلك المحاورة التي جرت بينه وبين غارسيا لوركا، والتي راحا فيها يتجاملان بالشعر، حتى بدوَا كأنهما يحييان حفلا أمام جمهور. كان فيديريكو شريكه الفكري الأقرب، وبعد إعدامه على أيدي الفاشيين «تزوج أبي بأفكاره، لأنه لم يكن من الممكن أن يتزوج به شخصيا». كما من ذلك الذي وقفت عنده صلته القريبة بماريا لويز بومبال. أما هناك، حيث هي في السماء، فأمكنها أن تضعه في مصاف سقراط ودانتي، بل أن يشترك هذان الكبيران في تذكّره وإبداء الرأي فيه. ذلك يصير ممكنا بعد الموت حيث يتوقف الزمن عن التعاقب ليصير فسحة واحدة يعيش فيها الجميع، المتقدمون منهم والمتأخرون.
الرواية تبدو مثل سيرة جديدة للشاعر تضاف إلى سير سبقت، من بينها كتابه هو «أذكر أنني قد عشت». ولأن حياة نيرودا كانت قد كتبت من قبل كان على مؤلّفة السيرة الجديدة هاخر بيترز أن تخترع مقتربا آخر تُرصد منه مجريات حياة الشاعر. أما ما اهتدت إليه فإجراء السرد على لسان الابنة المتروكة المتنَصَّل منها والميتة، والمراقبة كل شيء من وجودها الأبدي. ذلك ربما أزاح جهة الرؤية إذ حرصت الكاتبة على سرد الحياة الخفّية لنيرودا، تلك التي كان أهملها في كتابه. هذا يتعلّق خصوصا بعلاقته بزوجته، حيث أعطى الكتاب لتاريخ أسرتها حيزا من صفحاته كان نيرودا، في كتابته سيرته، قد فضّل أن يعطى لواحدة من عشيقاته أو من أولئك اللواتي مررن عرضا في حياته.
وما تختلف به هذه الرواية عن سير نيرودا الأخرى، هو تلك الفسحة الخاصة التي أعطيت لأبناء كتّاب العالم الكبار وبناتهم، أولئك الذين، بعامل الصدفة أو القدر، عانوا جميعا من تشوهات وأمراض. كأنهم، بما أصابهم وبما وُلدوا عليه، دفعوا أثمان عبقريات من أولدوهم. فهناك في السماء حيث تعيش، وجدت مالفا أصدقاء شكلت مع هؤلاء ما يشبه الجوقة المتجولة على إيقاع ضربات الطبل، التي يظلّ يطلقها أوسكار ماتزيرات، ذلك القزم المضحك صاحب طبلة علب الصفيح في رواية غونثر غراس. كما بين أفراد الجوقة لوسيا، ابنة جيمس جويس صاحب «عوليس» المصابة، في زمنها الأرضي، بالشيزوفرنيا؛ كما بين هؤلاء أيضا دانيال (ابن المسرحي الأمريكي أرثر ميلر) المصاب بمتلازمة داون. وهذا الأخير لقي في حياته الأرضية مصيرا مشابها لمصير مالفا، فقد تكتم والده أربعين عاما على وجوده: «لم يذكرني بكلمة واحدة في مذكراته «منعطفات الزمن: حياة»، ولا بحرف واحد».
هي رواية عن الحياة والموت، عن العيش في كليهما كما عن التخلي والنكران، وعن أنانية الساعين إلى الشهرة كما عن مجتمعهم وأدبهم وهي، أولا وأخيرا، عن بابلو نيرودا الذي عاش في الضوء واضعا ابنته في الظل الأكثر خباء إلى حدّ أنها لم يُسمع لها صوت إلا بعد أن ماتت. وفي كتابتها الرواية استنفدت الكاتبة هاخر بيترز كل كلمة يمكن أن تقال في ما يتعلّق بحياة نيرودا، مستخدمة لذلك كل باب يمكن فتحه لتأخذ إليه كتابتها. في النصف الثاني من الكتاب بدونا كأننا نقرأ تعليقات مطولة عن نصفها الأول. فالرواية انتهت من تكوين سرديتها عند ذلك المفترق، هناك في وسطها ولم يعد، في ما تلى، من متسع لأي شيء يُروى.
هو جهد ضخم قامت به الكاتبة لتعرّفنا بنيرودا وعالمه، كما لتخبرنا بأن ما قرأناه ليس تخيلات محضة، بل هو، في ما خصّ الوقائع الأرضية، حقيقي إلى أبعد حدّ.
رواية «مالفا» لهاخر بيترز نقلتها إلى العربية لمياء المقدم عن دار الساقي في 270 صفحة 2018.

٭ روائي لبناني