ثلاثية الجنس.. الدين .. السياسة

 

|  14   |

في التاسع من حزيران عام  1900 نشرت جريدة”المؤيد”في القاهرة  الحلقة الأولى من سلسلة مقالات تحت عنوان”طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”بقلم الرحالة”ك”،  يخبرنا صاحبها في المقدمة التي وضعها في ما بعد للمقالات التي جمعها في كتاب :”في زيارتي هذه لمصر، نشرت في أشهر جرائدها بعض مقالات سياسية تحت عنوان الاستبداد: ما هو الاستبداد وما تأثيره على الدين، على العلم، على التربية، على الأخلاق، على المجد، على المال؟… الى غير ذلك.

ثم في زيارتي الثانية لمصر أحببت تكليف بعض الشبيبة، فوسعت تلك المباحث خصوصاً في الاجتماعيات كالتربية والأخلاق وأضفت إليها طرائق التخلص من الاستبداد ونشرت ذلك في كتاب سميته”طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”، وكان قبل هذا قد قدم للمقالات التي نشرها بصحيفة المؤيد بالعبارة التالية :”هي كلمات حق وصيحة في واد، إن ذهبت اليوم مع الريح، فقد تذهب غداً بالأوتاد”، كانت المقالات جديدة في أسلوبها، واضحة في مهاجمتها للسلطات التي اتهمها الكاتب بالاستبداد،، وبدا قراء الصحيفة يتساءلون عن شخصية الرحالة هذا، ومن يكون؟، في الوقت الذي أصدرت السلطات في الأستانة قراراً بالبحث عن كاتبها حيث اشارت اصابع الاتهام إلى جمال الدين الافغاني بأنه يقف وراء هذه المقالات.
كان صاحب المقالات قد وصل الى القاهرة هارباً من مدينته حلب بعد أن حكم عليه بالإعدام..وكانت تهمة عبد الرحمن الكواكبي التامر على والي حلب جميل باشا الذي تنتبه الى أن كتابات الكواكبي في الصحف كانت تثير الناس ضده، بل إن الكواكبي كان يكتب استغاثات الناس من الظلم الذي يمارسه الوالي ضده، ولهذا كان لابد من إلقاء القبض عليه، وتقديمه للمحكمة التي لم تجد أدلة تدين بها الكواكبي فقررت إطلاق سراحه، ولكن هل انتهى الأمر عند هذا الحد، فها هو الوالي الجديد عارف باشا يجد أن الكواكبي أفتتح مكتباً للمحاماة مهمته الدفاع عن المظلومين ضد ممارسات الوالي وكبار أعيان حلب، ولم يكن أمام الوالي سوى غلق مكتب المحاماة وأصدار أمر بالقاء القبض على الكواكبي بتهمة تشكيل تظيم معادي لسلطة الاستانة، ولكي تكون التهمة ثابتة، استطاعت الشرطة وهي تفتش مكتب الكواكبي أن تدس له أوراق على شكل خطابات زعموا فيها أن الكواكبي كان يرسلها الى سفراء الدول الأجنبية يحرضهم على السلطان ويطالب باستقلال البلدان العربية.
كان في الخامسة من عمره حين توفيت والدته، فانتقل للعيش في بيت خالته في إنطاكيا، هناك شَغف بالتاريخ وسير القدماء حيث وجد في بيت خالته مكتبة كبيرة تضم العيد من المجلدات التي تحكي تاريخ بلاد العرب، حفظ المعلقات السبعة وهو لم يتجاوز العاشرة، وكان طموحه أن يصبح شاعراً يكتب قصائد في الشجاعة مثل عنترة بن شداد، إلا أن الصبي الذي ولد في حلب عام 1853، كان عليه أن يعود الى مدينته الأولى ليدخل المدرسة الثانوية تحت إشراف والده أمين الفتوى بحلب..وفي تلك السنوات تفرغ لقراءة كتب السياسة والمجتمع والتاريخ والفلسفة وتعلّم اللغات الفارسية والتركية.بعد أن أنهى دراسته قرر عبد الرحمن الكواكبي أن يعمل بالصحافة فعين محرراً في صحيفة”الفرات”، بعدها أنشأ صحيفة اسماها”الشهباء”، ‏لم تستمر هذه الصحيفة طويلاً، إذ لم تستطع السلطة تحمل جرأته في النقد، فالحكومة كما يقول الكواكبي نفسه”تخاف من القلم خوفها من النار”.‏.بعدها أصدر صحيفة بعنوان”الإعتدال”وأيضاً لم تستمر طويلاً بسبب الافتتاحيات التي كان يكتبها الكواكبي.
بعد أن تعطّلت صحيفتا الشهباء و الإعتدال، أتجه لدراسة الحقوق، ليفتتح مكتباً للمحاماة، كان يستقبل فيه الجميع من سائر الفئات ويساعدهم ويحصل على حقوقهم، حتى اشتهر في جميع أنحاء حلب بلقب”أبي الضعفاء”‏.
تقلد عبدالرحمن الكواكبي عدة مناصب في ولاية حلب، حيث عمل صحفياً وقاضياً ومحامياً وتاجراً ورئيساً للبلدية. وفي كل الوظائف التي عمل فيها الكواكبي كان يرى الاستبداد والطغيان ينتشر من حوله.إن الولاة والحكام يستغلون الشعب، والشعب بالنسبة لهم مجرد دافع ضرائب، لا أهمية له ولهذا كانت السلطة :”تنشر الرشوة وتخترق القانون وتتجاهل الحقوق، وتفسد الأخلاق، وتطارد الأحرار، وتسجن الثائرين”.استمر بالكتابة ضد السلطة التي كانت في نظره تمثل الاستبداد، وعندما لم يستطع تحمل ما وصل إليه الأمر من مضايقات في حلب، سافر إلى آسيا الهند والصين وسواحل شرقي آسيا وأفريقيا وإلى مصر التي وصلها عام 1899، وقد كانت الفترة التي عاشها في مصر برغم قصرها أخصب فترات حياته وفيها اصدر كتابيه الشهيرين”أم القرى”و”طبائع الاستبداد”، وفيهما يبين الكواكبي الأسباب التي أدت الى تدهور البلاد العربية ويلخصها بثلاثة :
1- أسباب دينية حيث يصر رجال الدين على نشر الخرافات ودفع الناس الى الإيمان بالقضاء والقدر
2- أسباب اجتماعية حيث اليأس يسيطر على نفوس الناس، والخوف من طلب الحقوق، وإهمال الثورة على الظالم
3- أسباب سياسية حيث فقدان الحرية بجميع أنواعها، وغياب الديمقراطية.
وفي اسطنبول التي وصلها وهو في الثلاثين من عمره، عثر على كتاب مونتسكيو”روح الشرائع”مترجم الى اللغة التركية، يسحره الكتاب فيقرر أن يقرأ كتب السياسة والفلسفة :”كنت قبل قراءة روح الشرائع أحاول أن أبحث مع نفسي كيف يمكن أن أقدم للقراء كتاباً يساعدهم على فهم الشيء الكثير عن الاستبداد والحرية والنظم السياسية”.يعود الى حلب واول شيء يفعله تطبيق ماجاء في كتاب مونتسكيو، أن يضع تصرفات الحكام :”تحت المراقبة الشديدة ومحاسبتها محاسبة لاتسامح فيها”.
******

مثلما ظهر كتاب”طبائع الاستبداد”من غير اسم المؤلف الحقيقي، فإن عام 1748 شهد ظهور كتاب في جنيف بعنوان”روح الشرائع”خالياً من اسم المؤلف، وبعد سنوات سيكتب السيد شارل لوي دي سيكوندا المعروف باسم مونتيسكيو، إنه منذ أن كان طالباً قرر أن يبحث عن روح القوانين ونجده يكتب في يومياته :”لقد بدأت العمل في هذا الكتاب مرّات كثيرة، ومرّات كثيرة هجرته، ألف مرّة ألقيت الأوراق التي كتبتها للرياح، كنت أشعر كل يوم بأنه سقط في يدي، وكنت أُلاحق هدفي دون خطة مرسومة، لم أكن أعرف القواعد ولا الشذوذ في القاعدة، ولم أكن أعثر على الحقيقة إلا لأضيعها، ولكن، عندما اكتشفت مبادئي، أقبل نحوي كل ما كنت أبحث عنه”.
ولد شارل لويس دي سكوندا، عام 1689 بمدينة بوردو غربي فرنسا لعائلة تعمل في تجارة الأراضي، كان طفلاً مشاغباً كما تصفه أمّه التي كانت ابنة أحد تجار بريطانيا، قرر والِداه أن يدخل مدرسة يشرف عليها جماعة الخطابين، وهي جماعة ذات نزعات متحررة تجديدية، تعنى بتدريس أصول الخطابة والبلاغة والتاريخ، في التاسعة عشرة من عمره يحصل على شهادة في القانون ليعين مدرساً باكاديمية”بوردو”بعدها يسافر الى باريس هناك يبدأ تأليف كتابه”رسائل فارسية”الذي صدر عام 1721 وفيه يدرس العبادات الشرقية ويقارنها بالتقاليد الغربية، وفي نفس العام يصدر له كتاب بعنوان”ملحوظات عن الثروة وأسبابها”ويعد هذا الكتاب بمثابة مقدمة لكتابة الضخم”روح الشرائع”، بعدها يعود الى مدينته بوردو حيث يدخل البرلمان، وفي عام 1725 ينتخب رئيساً لبرلمان بوردو، وفي خطبة الإفتتاح يهاجم الإتجار بالمناصب القضائية والسياسية، كما سخر من جهل القضاة وطالب أن يطبق القانون على الناس من دون تفرقة، وكانت لكلمات مونتسكيو وكتاباته عن سوء القضاء، أثر كبير في الدعوة الى إصلاح القضاء الفرنسي، في تلك السنوات عقد صداقات مع فولتير وديدرو، لكنه لم يكن معجباً بأفكار جان جاك روسو، كما أجرى اتصالات مع الفيلسوف الانكليزي ديفيد هيوم، وبعث برسائل الى العالم الكبير اسحاق نيوتن يناقشه في قانون الجاذبية..كما أجرى محاورات مع الانكليزي جون لوك، حيث كان لهذه المحاورات أكبر الأثر في خلق مبدأ جديد من مبادئ الديمقراطية الانكليزية، وهو مبدأ فصل السلطات الذي أخذت به فيما بعد كل دساتير العالم.. يتفرغ بين الأعوام 1734 و1748 لتأليف كتابه الشهير”روح الشرائع”، بعدها يتفرغ لكتابة يومياته التي صدرت بعد وفاته عام 1755 بعنوان”أفكاري”.
بعد خمسة وثلاثين عاماً على وفاة مونتسكيو وأمام قلعة سجن الباستيل التي اقتحمتها الجماهير الثائرة، يقف”جان بول مارا”أحد أركان الثورة الفرنسية وهو يلوح بكتاب”روح الشرائع”مشيداً بالكاتب الذي اعتبره الصاعق الذي فجّر الثورة قائلاً إن مونتسكيو”احترم الآراء التي تؤمّن سلامة المجتمع، ولم يهاجم قط إلا الأحكام المسبقة الضارة. لكنه لكي يطهّر الأرض منها، لم يتخذ على الإطلاق نبرة المصلح الواثق من نفسه”.
يتناول مونتسكيو في”روح الشرائع”فكرة اختلاف الأنظمة السياسية باختلاف القوميات حيث يقسم كتابه الى واحد وثلاثين باباً تشمل عدة دراسات تفصيلية في مختلف مجالات العلوم السياسية مثل علوم تطوير الأجناس البشرية والاجتماع السياسي والبيئي والجغرافيا السياسية والسلوك السياسي الى جانب الدراسات القانونية :”لقد وضعت المبادئ، ورأيت الاحوال الجزئية تنحني أمامها، وكانها تنحني تلقائياً، ورأيت تواريخ جميع الأمم لاتعدو أن تكون نتائج لها، ورأيت كل قانون جزئي مرتبطاً بقانون آخر أو تابعاً لقانون آخر أكثر عمومية”..ونجد مونتسكيو وهو يكتب”روح الشرائع”يسعى لفتح حوار مع عدد كبير من المفكرين ومؤلفاتهم وأبرزها كتاب الجمهورية لأفلاطون والسياسة لأرسطو والاعمال الاخلاقية لبلوتالرخس والامير لميكافيللي واليوتوبيا لتوماس مور وكتاب المواطن لهوبز وبحث عن الحكومة المدنية لجون لوك وقانون الأمم لبوفندرون، إضافة الى مؤلفات من الهند والصين، ويكتب مونتسكيو في المقدمة إن كتابه :”ليس توجيه النقد اللاذع للأنظمة القائمة لدى مختلف الأقوام، وإنما شرحها وتفسيرها”، ويصر مونتسكيو على أن الملكية الدستورية أفضل أشكال الحكم، ولهذا نجده في الكتاب يسخر الحكم المطلق لأنه :”مضاد لكل ما يمتّ الى الإنسان والإنسانية بصلة من الصلات”.
ورأى مونتسكيو إن القوانين هي أساس تنظيم المجتمع وتوزيع الحقوق والواجبات على الأفراد، ونجده يعطي تعريفاً اجتماعياً للقوانين باعتبارها ظواهر اجتماعية مكتسبة تقوم على البيئة الجغرافية والمحيط والظروف والعوامل الأخلاقية. وإن القوانين تستمد أسسها من طبيعة الناس ومن بيئتهم الاجتماعية، فلأول مرّة نجد مفكراً يؤكد على أن القوانين هي ظواهر اجتماعية تتفاعل فيها عناصر مختلفة كالطبيعة والمناخ والأخلاق والظروف الاجتماعية..يكتب في القسم الاول من الكتاب إن”القوانين في أوسع معانيها عبارة عن علاقات ضرورية تشتق من طبيعة الأشياء، ولكل الموجودات قوانينها بهذا المعنى”والقوانين بنظر مونتسكيو ليست إلا علاقات بين قوى متفاعلة يؤثر بعضها في بعضها، ويتأثر بعضها ببعض، وهذه القوى على نوعين فيزيائية ومعنوية أو أخلاقية، فالطبيعة ومبادئ الحكومات والتعليم والضرائب والمناخ وعادات الأمة وتقاليدها وعدد السكان والدين السائد، كل تلك القوى تتفاعل، والقوانين ليست سوى تلك العلاقات التي تنتج عن ذلك التفاعل بشكل ضروري، ويسخر مونتسكيو من الفلاسفة الذين اخضعوا القوانين والظواهر الطبيعية التي تسود العالم إلى قدرية عمياء، إذ كيف :”نتصور أن تخلق هذه القدرية موجودات مفكرة”.
بعد أن يحدد لنا مونتسكيو طبيعة القوانين يقدم في الفصول التالية خريطة لأنظمة الحكم والتي يقسمها الى ثلاثة”أنظمة مستبدة وأنظمة ملكية وأنظمة جمهورية، ونجده يناقش الشرائع التي يقوم عليها كل نظام من هذه الأنظمة:”إن النظام المستبد هو شكل تنحدر إليه كل أشكال الحكم إذا تطرّق إليها الفساد، والحكم الملكي هو الذي يتولى الحكم فيه شخص واحد وفق قوانين واضحة لايتعداها، أما الطغيان فهو يقوم على شخص واحد يحكم بلا قانون ولا قاعدة إلا أهواؤه وعواطفه، والحكم الجمهوري هو أن يحكم الشعب او من يمثلونه وفق قواعد نيابية خاصة وتلك هي الديمقراطية”وفي فقرة أخرى يحدد المسؤولية القانونية لهذه الأنواع من الحكم :”القوانين تحت الحكم الجمهوري تعني التمسك بواجب المواطن الشريف، أي بتضحية المصالح الفردية إزاء المصالح العامة، أما القوانين في الحكم الملكي فأساسها الشرف وثقة الشعب في ملكه، أما قوانين حكم الطغيان فهي الخوف والرهبة لأن الرعايا ليسوا أحراراً بل عبيد أذلاء للطاغية الذي يبقى حكمه مرتكزاً على هذه الرهبة من جبروته وسلطانه. فيما يفرد فصلاً خاصاً يعالج فيه موضوعة الحرية السياسية التي يؤكد أن وجودها دليل على أن النظام معتدل، فهو يعترف بأن الحرية هي”حق الإنسان في أن يفعل كل ما تسمح له به الشرائع”. بعدها نجده وفي الفصول الأخرى من الكتاب يناقش تأثير الأخلاق في القوانين، والتجارة، واستخدام النقود، والعلاقة بين زيادة عدد السكان والقوانين، ثم علاقة الدين بالدولة ويكتب في هذا الفصل هذه العبارة المؤثرة : تفسد الأنظمة عندما تنتزع بالتدريج صلاحيات الهيئات، لتمضي الى استبدادية فرد واحد”.
استقبل كتاب مونتسكيو عند ظهوره بنجاح كبير حيث تكتب المجلة الأدبية الفرنسية إن مونتسكيو :”أدار رؤوس الفرنسيين جميعاً”، وظهرت خلال العام الأول اثنتان وعشرون طبعة وكتب عنه فولتير :”لقد أضاع الجنس البشري صكوك ملكيته، فعثر السيد مونتسكيو عليها، وردها إليه”إلا أن رجال الدين وجدوا فيه اساءة لنظام الحكم الذي وضعته الكتب المقدسة، فيما أدرجته العديد من الجامعات بين قائمة الكتب المحظورة، وعندما توفي مونتسكيو بعد أن فقد بصره نهائيا، كان مجده قد غدا مجداً أوروبياً وكتابه يترجم الى معظم اللغات الأوروبية.
******

لم يحدث خلاف على تاريخ وفاة عبد الرحمن الكواكبي، لكن الخلاف حدث حول ظروف الوفاة وملابساتها، حيث يعتقد بعض المقربين منه إنه مات مسموماً بعملية دبرها السلطان العثماني عبد الحميد، بعد أن رأى في كتابيه”أم القرى”و”طبائع الاستبداد”محاولة لإثارة البلدان العربية ضد السلطة العثمانية فيكتب المفكر محمد علي كرد وكان من المقربين للكواكبي إن :”السلطان عبد الحميد لاتأخذه هوادة فيمن خرجوا على سلطان، وخشينا أن تكون هناك دسيسة يذهب الكواكبي ضحيتها”، ومن هنا سرت الإشاعة أن الكواكبي مات مسموماً بسبب دعوته الى إقامة نظام حكم عربي وإسلامي بعيداً عن هيمنة العثمانيين، وهو الأمر الذي أكد عليه في كتابه أم القرى، وتناوله بالتفصيل في كتابه الأشهر”طبائع الاستبداد”
في المقدمة التي وضهعها الكواكبي لكتابه نجد إن فكرة”طبائع الاستبداد”لم تكن وليدة لحظات وإنما كانت تراوده منذ ثلاثين عاماً فالكواكبي يعتقد إن سبب انحطاط الشرق وأصل الداء المستشري فيه هو الاستبداد السياسي، وإن العلاج يكمن في نظام دستوري.وهو يبدأ كتابه بطرح سؤال ما هو الاستبداد؟
إن الاستبداد هو :”صفة للحكومة المطلقة العنان، التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية ولا عقاب”أما سبب الاستبداد فيوضحه الكواكبي بان تكون الحكومة : مطلقة العنان، لايقيدها قانون ولا إرادة أمّة، أو إنها مقيدة بنوع من ذلك، لكنها تملك بنفوذها أبطال هذه القيود والسير على ما تهوى”والحكومات في نظر الكواكبي تميل الى الاستبداد لايمنعها عنه إلا : وضعها تحت المراقبة الشديدة ومحاسبتها محاسبة لاتسامح فيها”أما المستبد فهو :”إنسان مستعد بالفطرة للخير والشر، فعلى الرعية أن تكون مستعدة لأن تعرف ما هو الخير وما هو الشر.. مستعدة لأن تقول لا أريد الشر.. مستعدة لأن تتبع القول بالعمل”
والحكومة المستيدة تكون مستيدة في كل فروعها من المستبد الاعظم الى اصغر موظف، ويؤكد الكواكبي ان علاج الاستبداد هو الحرية، ولهذا نجده يكرر كلمة الحرية في كل صفحة من صفحات الكتاب
يؤكد لنا الكواكبي أن غرضه من نشر هذا الكتاب، هو أن خوض معركته الشخصية ضد الاستبداد الذي كان يسم تلك الحقبة من الحكم التركي للبلاد العربية. وهو يجد إن الحكام عمدوا الى تشجيع روح التقليد الأعمى الغاشمة والاستسلام لفكرة الآخرة من أجل تدعيم سلطتهم المطلقة. إن”الحكام المستبدين لم يكتفوا في عملهم الشرير بتأييد الانحراف عن الدين الصحيح، بل أفسدوا المجتمع بكامله”فـ”الدولة العادلة التي فيها يحقق البشر غايتهم من الوجود هي تلك التي يعيش الفرد فيها حراً، ويخدم المجتمع بحرية، وتسهر الحكومة على هذه الحرية، وتكون الحكومة نفسها خاضعة لرقابة الشعب”وهو يحدد الدولة المستبدة بأنها :”تتعدى على حقوق المواطنين، وتبقيهم جهلاء، كي تبقيهم خانعين، وتنكر عليهم حقهم في القيام بدور فعال في الحياة، نتفهم، آخر الأمر، العلاقة الروحية بين الحكام والمحكومين، كما بين المواطنين أنفسهم، وتشوّه كيان الفرد الخلقي بالقضاء على الشجاعة والنزاهة وشعور الانتماء الديني والقومي على السواء”، والمستبد يسعى لأن يجعل من الدين أداة لخدمته ويضفي على نفسه صفة القدسية التي لا تعطي الحق للمواطن بمحاسبته على اعتبار أن ما يقرره نابع من إرادة سماوية :”إنَّه ما من مستبدٍّ سياسيّ إلى الآن إلا ويتَّخذ له صفة قدسيّة يشارك بها الله، أو تعطيه مقامَ ذي علاقة مع الله. ولا أقلَّ من أنْ يتَّخذ بطانة من خَدَمَةِ الدِّين يعينونه على ظلم النَّاس باسم الله، وأقلُّ ما يعينون به الاستبداد، تفريق الأمم إلى مذاهب وشيع متعادية تقاوم بعضها بعضاً، فتتهاتر قوَّة الأمّة ويذهب ريحها، فيخلو الجوّ للاستبداد ليبيض ويُفرِّخ، وهذه سياسة الإنكليز في المستعمرات، لا يُؤيِّدها شيء مثل انقسام الأهالي على أنفسهم، وإفنائهم بأسهم بينهم بسبب اختلافهم في الأديان والمذاهب”
ما هو الحل يتذكر الكواكبي هناك كتاب مونتسكيو روح الشرائع فيستمد منه الفصل الأخير الذي يضع له عنوان” الاستبداد والتخلّص منه”: وفيه يؤكد على ضرورة الاستفادة من التاريخ الطبيعي، حيث نجد الكواكبي يستعرض مراحل تطور عيش الإنسان من دورالإفتراس الى دور الترقّى وفيه :”جاء الزمن الأخير فجال فيه إنسان الغرب جولة المغوار، فقرر بعض قواعد اساسية في هذا الباب تضافر عليها العقل والتجريب. وحصحص فيها الحق اليقين فأصبحت تعد من المقررات الاجماعية عند الأمم الشرقية، ولا يعارض ذلك كون هذه الأمم لا تزال منقسمة الى أحزاب سياسية يختلفون شيعاً، لأن اختلافهم هو في تطبيق تلك القواعد وفروعها على أحوالهم الخصوصية”.
في الرابع من حزيران عام 1902 يتعرض الكواكبي الى أزمة صحية لم تمهله طويلاً حيث يتوفى مساء اليوم نفسه. وفي اليوم الثاني ما أن ينتشر خبر وفاة الكواكبي حتى يأمر السلطان عبد الحميد مندوبه في مصر أن يذهب الى بيت الكواكبي فوراً ويصادر جميع الأوراق الموجوده على مكتبه ويرسلها الى الإستانة، وكانت المفاجاة أن الصفحات التي وجدت على مكتبه كانت تضم العبارة التالية :”يا قوم: وقاكم الله من الشر، أنتم بعيدون عن مفاخر الإبداع وشرف القدوة، مُبتلون بداء التقليد والتبعية في كلِّ فكرٍ وعمل، وبداء الحرص على كلِّ عتيق كأنَّكم خُلِقتم للماضي لا للحاضر: تشكون حاضركم وتسخطون عليه، ومن لي أن تدركوا أنَّ حاضركم نتيجة ماضيكم، ومع ذلك أراكم تقلِّدون أجدادكم في الوساوس والخرافات والأمور السافلات فقط، ولا تقلِّدونهم في محامدهم! أين الدين؟ أين التربية؟ أين الإحساس؟ أين الغيرة؟ أين الجسارة؟ أين الثبات؟ أين الرابطة؟ أين المنعة؟ أين الشهامة؟ أين النخوة؟ أين الفضيلة؟ أين المواساة؟ هل تسمعون؟ أم أنتم صُمٌّ لاهون”.

((المدى))