زيارة الغريكو في طليطلة

قلّما ارتبطت مدينة بشخص مثلما ارتبطت طليطلة باسم الغريكو. فالفنّان الآتي من جزيرة كريت، مرورًا بالبندقيّة وروما، اعتنق المكان الذي عاش فيه بين القرنين السادس عشر والسابع عشر وسكب عليه من روحه. والمدينة التي تجمع في طابعها المعماري خصائص فنون عدّة منها الفنّ القوطي والفنّ الأندلسي، لا تزال تحافظ على هذا التداخل في أشكال العمارة والفنّ حتّى يومنا هذا.

الغريكو هو روح المدينة، ماضيًا وحاضرًا. يطالعنا في كلّ كنيسة وزاوية، في الكاتدرائيّة التي مرّ بها المسلمون وفي المتحف الذي يحمل اسمه. تقتضي الإشارة إلى أنّ هذا المتحف هو أيضًا تحفة معماريّة تنفتح على حديقة كأنها جزء من حدائق “جنّة العريف” في غرناطة، حيث تنتشر أشجار الورد والبرتقال والرمّان والسرو والشربين، وتتوزّع بهدوء حول أحواض الماء وهمسِ نوافيرها.

يصوّر الغريكو البعد الروحي والماورائي للكائنات والأشياء، يجوس الأغوار لا الشكل الخارجي فقط. في أفق اللوحة، تلوح، كجمر ينطفئ، الأعمارُ الضئيلة والمصائر المرسومة سلفًا. فهو شاعر بعينيه وقدرة نظرته الهائلة على النفاذ إلى ما وراء الظاهر. الأشخاص الماثلون في أعماله نُزعَت عنهم مسحة القداسة وعادوا إلى قدريّتهم البشريّة وأحوالها ومعاناتها. منهم من ألبسهم ثيابًا، لكنهم، حتّى وهم في ثيابهم، عراة. ومنهم من عرّاهم وكشف عريهم الأعمق، الصافي والمجروح. لذلك فإنّ الهدوء الظاهري في لوحته مسكون بعاصفة من الهذيان والحمّى.

الوجوه نحيلة والأجساد متطاولة ملتوية تنحرف عن مسارها العادي وعن العلاقة المألوفة بالمكان. يُخرجها الفنّان من الواقع الملموس ويُلبسها جلدًا آخر يضاعف من غموضها وتمسي أشكالاً كأنّها طالعة من الحلم. أمّا الأيدي الأثيريّة الرشيقة ففيها شيء من الغيوم. تنساب وتسيل، ولا تحتاج إلى كلام لكي تتكلّم. في لوحات الغريكو، تكون الأيدي، أحيانًا، أكثر تعبيرًا من الوجوه. والضوء نفسه الذي يغمر العمل يأتي من جهة أخرى مجهولة وغير واقعيّة، بألوان تزاوج بين الأزرق والخمريّ والأخضر والأصفر والرماديّ بتدرّجات لا تنتهي، وبأسلوب يزاوج بين الفنّ البيزنطي و”المانييريزم” (بصورة مختلفة عمّا عرفناه في الفنّ الإيطالي). فالفنان يعوّل على ما يأتي من الداخل لا من الخارج. ألم يروِ أندريه مالرو في كتابه “أصوات الصمت” ما كان عليه ردّ فعل الغريكو حين تفاجأ أحد أصدقائه بوجوده داخل محترفه المظلم: “أشعّة النهار تسيء إلى نوري الداخلي”؟

تتحرّك العناصر كاللهب في أعماله، لا سيّما الأعمال الأخيرة التي بلغت حدود الشطح والنشوة، ويوجد بعضها في متحف “البرادو” في مدريد. في اللوحة التي تمثّل حلول الروح القدس بشكل ألسنة ناريّة، ما كان من حاجة إلى حضور تلك الألسن الملتهبة فوق الرؤوس لأنّ اللوحة بأكملها، شكلًا وضوءًا وألوانًا، تبدو كتلة نار مشتعلة في ذاتها.

لم يترك الغريكو أثره على الفنانين التشكيليين وحدهم، وفي مقدّمهم، في العصر الحديث، بيكاسو وجاكسون بولوك، وإنّما استأثر باهتمام عدد كبير من الأدباء، منهم بالأخصّ نيكوس كازانتزاكيس الذي استحضره في كتابه الرائع “تقرير إلى غريكو”. في هذا الكتاب، يبرز تأثّر الكاتب اليوناني بنيتشه الذي غيّر نظرته إلى الحياة، وكذلك إلى الكتابة والفنّ، فلم تعد وظيفة الفنّ، بالنسبة إليه، إضفاء صورة جميلة متخيّلة على الواقع، وإنّما الكشف عن الحقيقة في وجهها الشرس والمدمّر.

هكذا يحضر الغريكو في المشهد الأدبي وفي حياة الأدباء وتطلّعاتهم وهواجسهم. عام 1908، رأى راينر ماريا ريلكه مجموعة من أعمال الفنّان، ومنها لوحة “طليطلة”، فكتب رسالة إلى أوغوست رودان جاء فيها: “المشهد يزداد دهشة. لقد تمزّقت العاصفة وسقطت فجأة خلف المدينة التي تسير، على منحدر تلّة، نحو كاتدرائيّتها وقلعتها العالية، القويّة والمربّعة والواسعة. ضوء ممزّق يحرث الأرض، يقلبها، يفتّتها، ويُخرج المروجَ الخضراء الباهتة، هنا وهناك، وراء الأشجار، مثل الأَرَق. ينبثق نهر ضيّق، بلا حراك، من كومة التلال، مهدِّدًا بلونه الأزرق المظلم لَهَب النباتات البرّية الأخضر. أمّا المدينة المرتعبة المذعورة فتبذل جهدًا أخيرًا لتقف كأنّها تخترق قلق الفضاء. ينبغي أن تكون لدينا أحلام كهذه”.

عام 1912، سافر ريلكه إلى طليطلة مقتفيًا أثر الغريكو هناك، باحثًا عن التلال والغيوم التي رصدتها ريشته الساحرة. «مدينة السماء والأرض التي تَعبر من خلال كلّ ما هو موجود، وبالمقدار نفسه، في عيون الموتى والأحياء والملائكة”. اللوحة نفسها التي وصفها ريلكه، والموجودة في متحف “الميتروبوليتان” في نيويورك، نظر إليها أيضًا إرنست همنغواي بصفتها العمل الفنّيّ الأفضل في المتحف. إنها الدهشة التي إمّا يفيض معها الكلام خارج حدوده، أو تدفع نحو الصمت.

أقف، الآن، في المكان نفسه الذي وقف فيه الغريكو ليرسم مدينته، بين الهضبة الأعلى ونهر التاخو، وفي تلألؤ الأنجم التي شهدت على عبور الفنّان ولم تبارح مكانها. لكن، هل عبر الغريكو وبارح مكانه فعلاً، أم أنّ وهج حضوره ما زال ينبض في قلب المدينة التي أحبّ، وأيضًا في قلوبنا؟

https://www.alaraby.co.uk/diffah/arts/