ترك اللقاء الأخير الذي جمعني به في بيته بحي برزة الدمشقي برفقة كل من الروائي خليل صويلح والشاعر عادل محمود، صورة قاتمة عن مآلات الشعراء في سورية. كان السرطان قد أحكم براثنه على «إبراهيم الجرادي» (بندرخان – تل أبيض، 1951 – دمشق، 2018) بعد تعرضه لجلطة دماغية. فلم يستطع الكلام معنا، لكننا كنا نخترع الحوار معه مرةً، ومرات نسوق الطرائف لإضحاكه. سأله خليل عن الكتابة، فأخبرنا أنه في صدد جمع بعض الأوراق والمذكرات التي يصوغها في كتاب عن اليمن الذي عاد من جحيمه قبل أشهر.
البلاد التي درّس الأدب المقارن والحديث في جامعة صنعاء سنوات طويلة، كان قد عاد منها أخيراً بعدما هاجر إليها إثر انسحابه من اتحاد الكتاب العرب عام 2012، محتجاً على ما آل إليه حال الاتحاد. الشاعر محمود قال له: « السكوت لا يليق بإبراهيم الجرادي»! عبارة جعلته يهز رأسه لنا مبتسماً بخفر، وقد جلس كطفل بيننا في حضور أفراد عائلته، يتمتم بكلمات غير مفهومة، يحاول نطق حروفها، تذكرها عبثاً، لكنها بالنسبة إلينا كانت فصيحة وواضحة، نحن عواده الذين خرجنا من بيته وقد خيّم علينا السكوت أيضاً، طوال الطريق الذي أعادنا إلى مقهى الروضة، حيث كنا نلتقيه هناك، يتأبط باستمرار جرائد ومجلات وصحفاً وكتباً يحكي لنا عنها كأنه مؤلفها. فمن فرط وجده بالكتابة، كان صاحب «شهوة الضد» ( 1985 – اتحاد الكتاب العرب/ دمشق)، يطوح بمجالسِه في مستويات متعددة من القراءة، متكئاً في ذلك على ثقافته الواسعة، وإنجازاته النقدية المهمة في عالم القصة والرواية والترجمة عن اللغة الروسية، والتي أنجز فيها الكثير من الترجمات كان أبرزها: «أوجاع رسول حمزاتوف» . إضافة إلى ترجماته الكثيفة لشعراء روس من مثل: آنا أخماتوفا ويفغيني يفتوشنكو وأندريه وزنسينسكي.

يعود صعود نجم الشاعر الراحل إلى نهاية الستينات من القرن الماضي، وتأسيسه مع مجموعة من مجايليه من شعراء قصيدة التفعيلة لما أطلقوا عليه وقتذاك: «جماعة ثورة الحرف»، والتي جاءت وقتذاك كرد فعل على هزيمة حزيران (يونيو)، لتطلق صوته عالياً ضد كل أنواع القهر السياسي والاجتماعي. فبعد عودته من الاتحاد السوفياتي السابق ونيله درجة دكتوراه عن دراسته: «الأشكال في الشعرين الروسي والعربي عمل الجرادي محرراً أدبياً في المجلات والجرائد، مفتتحاً مؤلفاته بمجموعته: «أجزاء إبراهيم الجرادي المبعثرة – قصائد وهموم، مرتكباً مغامراته الفنية الأولى، متبعاً إياها بمجموعته: «رجل يستحم بامرأة» (1983 – دمشق». عملان سوف يدفعانه بقوة إلى واجهة الحياة الثقافية السورية، لا سيما اشتغاله على مختبره الشعري الخاص، معشّقاً صلصاله اللغوي بين أنماط عدة من كتابة الريبورتاج الشعري، والجمع بينها وبين اللوحة التشكيلية والكاريكاتور والفوتوغراف، إضافةً إلى صور فوتوكوبي عن رسائل شخصية.

من هنا، كان على صاحب «محمود درويش ينهض» (2010) الحفر عميقاً في بنية الشعرية العربية، مزاوجاً بين شغفه بقصيدة التفعيلة التي لم تعمّر طويلاً، وبين أسلوب قصيدة النثر التي تذوقها الشاعر السوري على طريقته، مولفاً طاقتها التعبيرية مع أوزانه الخاصة، مبحراً في كتابة القصيدة الفجائعية الدرامية، والتي سيطرت على كتابه: «موكب من رذاذ المودة والشبهات» (1986) بالاشتراك مع إبراهيم الخليل. مانيفيست متمرد وغاضب لما أسماه «القصيدة التشكيلية»، والتي واجه بها الدوغما الثقافية في بلاده آنذاك: «إن قصائدي خائفة أيها السيد رئيس التحرير، وأنا في البرد والمجد والوجد، وصفحتكَ عاقر، واللغة لا تدرك معانيها، والكلمات عواء!»… مرافعة سوف يستمر ابن الرقة السورية في سوقها إلى منابر الدفاع عن جماليات مغايرة، ولغة هاربة من «جثث الكلمات» و «قوائم الشعراء – القوائم».

إنها جدلية طويلة خاضها شعراء الثمانينات بشغف كبير مع شعراء القصيدة العمودية التي ثار عليها إبراهيم ورفاقه، ليكون «عويل الحواس – ريبورتاجات سمعية بصرية» (1995) نهاية هذا السجال الذي بعدما خاضه «الجرادي» مع شعراء المقفى والموزون، وجد نفسه للتو قديماً ومطروداً من جنة الحداثة التي رفع لواءها، فمع أفول قصيدة التفعيلة، وتقدم قصيدة النثر اليومية كبديل عنها، بذل «الجرادي» ما يملكه من مرونة وموهبة، هارباً من كل تصنيف يجعله يتقوقع فنياً داخل رتِم واحد، فاستجاب للحساسية الجديدة، مصدراً بعدها: «الذئاب في بادية النعاس – 2000/ اتحاد الكتاب – دمشق» و «دع الموتى يدفنون موتاهم – 2007/ دار نينوى»، منحازاً مرةً أخرى إلى الانفلات من قفص الأسلوب، والبحث بجدية ودأب عن منسرب لمياه قصائده الرافضة أي ركون في شكل يحد من خيلائها أو يؤطرها، بالتالي يعزلها عن سياقها الفني والجمالي واللغوي، فهل انتهى الجدل برحيل الشاعر والناقد والمترجم، أم إن تلك النصوص التي تركها صاحب «مسامير في خشب التوابيت» ستعيد اكتشاف مجازات وطاقات كامنة فيها؟ سؤال يبدو اليوم معلقاً مع هذا المحو اليومي لشعراء العشرية الثانية من الألفية الثالثة، واعتبار الشعرية السورية قد اكتملت حتى في مناخات قصيدة النثر المستهلكة أصلاً في ترصيع قبور الحرب التي تكمل عامها الثامن من دون ألم يذكر!

((الحياة))