إدراك ناقص دون مدركات تعبيرية

اللغة والوجود:

(اللغة هي استفهام حول المعنى والوجود). بول ريكو

يتوسط الوجود بين حقيقة الشيء واللغة المعبّرة عنه، وكلاهما الحقيقة واللغة، مفاهيم وتصورات نسبية في دلالاتها، تنعكس عن الوجود المادي المستقل للاشياء،وحقيقة اللغة كما يعبّر عنها عالم اللغات دي سوسير(نظام معرفي قائم بذاته) من جهة، ونسبية الحقيقة الوجودية من جهة أخرى في تسمية اللغة لمدلولاتها.وفي تعالقهما الثنائي بالاشياء والموجودات يتعيّن بهما الوجود الحقيقي.(كما أن الانسان لا يوجد في المطلق، بل يوجد في الزمان والتاريخ، يوجد حيث يفكّر،ويفكّر حيث هو موجود،ولا يمكن فهم الذات من دون توسّط اللغة والعلامة والرمز والنص).1، وبحسب بروتاغوراس الفيلسوف الاغريقي أن الحقيقة هي مظهر الوعي، وأن كل شيء نسبي، والموجود لا وجود له الا بالاضافة الى الوعي. هذه الجدلية التعالقية والعلائقية بين الوجود والفكر كان تم حسمها منذ قرون، في أما أن تكون علاقة (مثالية) أو أن تكون علاقة (مادية) ويتوضّح معنا هذا لاحقا. ان اللغة ادراك عقلي مفاهيمي تداولي، شفاهي مسموع ومكتوب ومرئي، وتعبير رمزي صوري تواصلي. اما لغة الصمت فهي نوعين من التعبير اللغوي، من حيث الادراك العقلي لها،فهي لغة حيّة لا تقل اهميتها الوظائفية عن اللغة المنطوقة او المكتوبة،او المرئية، حين تكون لغة الصمت ادراكا ذاتيا واعيا بضروراته التواصلية والوظائفية، كما نجده في طقوس الديانة البوذية التأملية وبعض الاديان الوثنية الاخرى المعبّر عنها بلغة الصمت الطقسي الشعائري، اليوغا،المسرح الصامت،رقص الباليه،ولغة بعض المتصوفة المجذوبة الاغترابية عن المجموع.* كما ان الصمت بحد ذاته لغة حوارية في الذهن غير مفصح عنها تعبيريا تواصليا. الوجود كينونة متعيّنة بالادراك الحدسي العقلي لها، ويكون وجودا معطّلا من غير ادراك اللغة تواصليا معه.وأن اللغة هي أحدى أهم الوسائل التي يمتلكها العقل الانساني في تعيين الوجود الفاعل والحيوي للاشياء في الطبيعة. وبذات المعنى يشير سارتر الى ان (وجود الموجود يتحدد بالادراك باعتباره وحدة اصلية تتوسط الذات والموضوع.). كما يذهب براتراند رسل في شرحه فلسفة بارمنيدس (ان الفكر واللغة كلاهما يستلزمان وجود أشياء خارجة عنهما….وان الشيء الذي يمكن ان يكون موضوعا للتفكير، هو هو بعينه واحد في كلتا الحالتين، لانك لن تجد تفكيرا بغير شيء موجود يدور حوله الكلام) (براتراند رسل، تاريخ الفلسفة ج1، ص100) هذا الكلام المنسوب الى بارمنيدس على لسان براتراند رسل، ربما يبدو صحيحا لأول وهلة،لكننا اذا امعنا النظر في العبارات نجدها انها تفترض الوجود شيئا ثابتا وغير متحرك غير متغير وهو خطأ واضح لا يؤمن به براتراند رسل، كذلك فان وجود الشيء باستقلالية عن الفكر واللغة لا يستلزم منا التفكير به وادراكه بالضرورة، الا في حالة واحدة عندما يكون موضوع التفكير والحديث عنه وجودا خياليا ولغة الحديث عنه تخييلية أيضا وافتراض الوجود المعني غير متعين ولا مدرك حسيا او عقليا،الخيال لغة حوار داخلي صامت فعندما نتخيل الأشياء نتخيلها في حوار داخلي  لغوي صامت والا كان الخيال لامعنى له لا يتحدد بوجود متعيّن يكون مادة وموضوع التفكير به.، فالافصاح عن هذا الوجود التخييلي لا يتعدى لغة التعريف به والتعبير عنه والاخبار به في الكلام المنطوق. ان الفكر واللغة وجهان لعملة واحدة وخير دليل على ذلك اننا نفكر باللغة وبها أي بواسطتها كوسيلة تحقيق هدف تواصلي او فكرة تعبر عن حالة او موضوع، رغم ان علوم اللغة واللسانيات تبطل هذا الفهم وتعتبره متجاوزا عليه رغم ان فيلسوف لغوي كبيرمثل نعوم جومسكي يذهب الى ان اللغة تفرض بشكل وآخر على الانسان طريقة التفكير. ان من الملاحظ بوضوح ان علوم اللغة كما أراد لها فلاسفة القرن العشرين من ان اللغة أصبحت على يدي جاكبسون ودي سوسير وفنجشتين،وروتي،ريكور، ميرلوبونتي وغيرهم ،الوسيلة الفضلى التي توفرت على مراجعة وحل مواضيع الفلسفة العالقة، الا اننا نجد ان هذه اللسانيات اخذت الفلسفة بعيدا عن مجالات اشتغالها، وفرضت بروز فلسفات تعنى بشؤون اللغة حصرا كتعبير بلاغي صرف، وتمكنت من ركن الفلسفة التقليدية في منطقة الظل من الاهتمام الفلسفي كتجريد منطقي يتوّسل اللغة ، وأصبحت اهتمامات الفلسفة خارج أولية اللغة وتأتي بالمرحلة التراتيبية الثانوية بعدها، وبموجبها تحولت اللغة الى مركز استقطاب معرفي يسبق الفلسفة ويعلو عليها وهو مااطلق عليه التحول اللغوي او(المنعطف اللغوي). كل هذا انتج ظهور فلسفات مابعد الحداثة، كالبنيوية والتفكيكية والعدمية والتاريخية وغيرها. وينسب بيتر هاكر الى فنجشتين في كتابه رسالة منطقية فلسفية عام 1921 ان الفلسفة برمتها هي نقد اللغة ، وقدمت هذه الرسالة التحولات اللغوية الست ندرج منها التالي:

أسئلة فلسفية

– بيان ان معظم القضايا والاسئلة الفلسفية ليست كاذبة وحسب وانما خالية المعنى، أي انها تتجاوز حدود اللغة، وتنشا نتيجة اخفاق فهم منطق اللغة.

– تعيين حدود الفكر عن طريق تعيين حدود اللغة، أي وضع الخط الفاصل بين المعنى واللامعنى، وهذا يضع الفلسفة وشروط المعنى والعلاقة بين اللغة والواقع في قلب البحث الفلسفي.(الفلسفة واللغة/بول جريس/ت صلاح إسماعيل).

اما ان تكون لغة الصمت غير مدركة عقليا ولا تخييلية، بمعنى التعطيل الوظائفي لها في الحياة،عندها تكون وهما لا تجريديا ولا لغويا، وتعبيرا زائفا عن وجود الاشياء، بل تكون عدما افتراضيا خارج فاعلية الوجود،فهي لغة خارج المدرك الحسّي والعقلي للاشياء والموجودات،وهذه اللغة نجدها عند بعض الحيوانات وفي غطرفة وهذاءات المجانين العصّية على التلقي والاستقبال. فهي لغة غير منطوقة بنظام لغوي تعبيري تعريفي دال، ولا تهتدي بالعقل ادراكيا، وهي بلا معنى ولا هدف. فلغة الحيوان هي نوع من اللغة التواصلية(غريزيا) فقط، ليست لها امتدادات وظائفية خارج الحاجات البيولوجية الغريزية المحدودة للحيوان في الجماع من اجل التكاثر غير الواعي بهدفه، ونتاج عملية الجماع في اللذة.، بينما اللغة العقلانية لدى الانسان، لغة تواصل تداولي لمحمولات وظائفية لا حصر لها تغطّي جوانب الحياة بمجملها من ابسط الامور والى أعقدها.وبذا تكون اللغة المؤنسنة بالنوع خاصية انسانية لا يشاركه بها الحيوان،هنا الانسان يتأنسن باللغة وهي تتأنسن به ، مثلها مثل علاقة الانسان بالطبيعة فهو يتأنسن بها وهي بدورها تتطبع به من خلال علاقة التكيّف بينهما.ومن المهم التنويه الى ان الوجود غير المدرك حسيا وعقليا، ولا يدرك تخييليا تواصليا بالتعريف به، انما يكون وهما زائفا لا يمكننا التعبير عنه ولا التعريف به.وقد يفهم الحيوان الإشارة اللغوية لكنه لا يعي ولا يفم لغة التجريد التي هي من ميزة الانسان وحده.

اللغة وجود ادراكي عقلي يتفرّد الانسان بحيازته ويختّص به دون غيره من الكائنات. واللغة هنا وسيلة العقل لأثبات وجود الأشياء والعالم، وبحسب غاديمير:(الكائن الذي يمكن أن يفهم هو الكائن اللغوي،وأن اللغة هي الفهم، وهي التي تحدد علاقة الانسان بالعالم).2

يذكر الزواوي بغورة ان الفلسفة الوضعية المنطقية حوّلت التحليل اللغوي المنطقي الى واقع فلسفي قائم، وحصرت مهمة الفلسفة في التحليل اللغوي، وأعطت اولوية اللغة على الفكر. كما سبق لفنتجشتين قوله (ان اللغة هي الفكر). ان الوضعية التي كانت بداياتها مع اوجست كونت وبيكون، تناولها الفلاسفة الإنكليز بأكثر أهمية كما في كتابات جورج مور وديفيد هيوم ورسل في تاكيدهم ان اللغة هي إشكالية الفلسفة الأولى ويتوقف على حل إشكاليات اللغة ان تصبح الفلسفة منطقا مفهوما وعلما يساهم بصنع الحياة.

تساؤلنا  هنا ايهما أسبق ادراكيا الوجود ام اللغة ؟

في معرض اجابتنا اود تثبيت هنا تناقض مهم في عبارة عالم وفيلسوف اللغة دي سوسير يقول: (وجود الاشياء يسبق فكرتنا عنها) وهذا منطق مادي سليم ليس فلسفيا وحسب وانما علميا ايضا،، لكن لنتأمل تكملة العبارة حين يقول:( الا انه يمكن القول بأن تصوراتنا هي التي تخلق الاشياء)؟؟؟ كيف؟؟ غير صحيح. طبعا هذا التناقض في عبارة واحدة ،ينكر فيه دي سوسير موضوعة فلسفية معرفية أن مثالية التفكير تقود لمثل تلك الاستنتاجات الفكرية البائسة،في تقاطع أن وجود الشيء يسبق فكرتنا عنه، وهذه نظرة علمية مادية صحيحة، اما اننا ندّعي اننا نستطيع خلق اشياء من تصوراتنا ونتيجة عنها فهو لا يستقيم مع اي منطق عقلي اوعلمي.وجود الشيء لا يحدده التفكيربه، وانما يحدد الفكر وجود الشيء السابق على الفكر.ووجود الشيء باستقلالية تامة هو الذي يمنحنا التصورات عنه ولغة التعبير عنه. في هذا التناقض المثالي لسوسير نجده ينسف ابجدية الفكر المادي حين يقول بامكانية المفاهيم المدركة واللغة خلق وجود الاشياء،فالجدل الماركسي يقول ان وجود الشيء يسبق ادراكنا له، وليس بأمكان تصوراتنا ان تخلق واقعا حقيقيا لوجود الاشياء،وانما وجود الشيء يخلق تصوراتنا التجريدية والمفاهيم عنه،واللغة او التصورات المنبثقة عنها لا تخلق حقائق الوجود، وانما الوجود يخلق حقائقه وماهيته لغويا تجريديا بعد ادراك الحواس و العقل له. اما اذا أخذنا في نفس السياق مقولة فينجشتين(اللغة هي الفكر) فيكون معنا أدراك العقل للوجود والاشياء هي أسبق على أدراك العقل للفكر،من حيث ان الفكر هو انعكاس تجريدي وصوري لغوي في فهم الواقع والوجود.والعقل مستودع صنع الافكار ومكمن انطلاقها، لذا فان ادراك العقل للوجود والاشياء يسبق ادراك العقل للافكار او اللغة المتعالقة بالتبعية التراتبية لوجود الاشياء.والادراك اللغوي مستمد من علائقية ادراك العقل للاشياء في الذهن.وهذا الادراك يكون قاصرا وظيفيا ما لم تسعفه اللغة كنسق منظّم في تبيان خواص وتمظهرات الاشياء والموجودات المدركة عقليا(الحواس+العقل + الوجدانات)، وكذلك وجود الانسان في الطبيعة ومحددات كينونته وجوهره. انه من المهم جدا ان لا نغفل ان اروع الافكار هي التي تصوغها عبقرية اللغة ،ولا يعطي وجود الاشياء المادية اللغة جمالية التعبير العبقري.ان عبقرية اللغة تسبق عبقرية الفكروالوجود.كما لا تقل اهمية اللغة في التعبير عن اهمية التفكير العقلاني،واللغة وسيلة العقل لأثبات الوجود.ولغة الخيال ادراك غير فاعل لواقع الاشياء والموجودات في تعطيله التواصل المثمر.كما نجد انه من المتعذر وجود قراءة موضوعية لأي نص، وليس بمقدورنا ايضا الغاء الذاتية في قراءات النص المتعددة بحجة الحفاظ على الموضوعية والحياد، التي يكون ادراكها في مرجعيتها واحالتها على الذات المدركة لها، بمعنى الموضوعية في تعيين وجود الأشياء هي نتاج ذاتي مدرك لا معنى له في غياب وعي الذات له.

اهمية ادراك اللغة للاشياء

ادراك العقل للوجود والاشياء ادراك ناقص ولا فاعلية له من دون مدركات اللغة التعبيرية الافصاحية عنه. الوجود يتم ادراكه عقليا كموضوع مستقل فقط قبل ادراك اللغة له، الوجود المادي من غير ادراكه لغويا وجود مكتف بذاته يفتقد الحيوية والفاعلية والتأثير، اللغة كشف ادراكي عقلي للاشياء والموجودات،والوجود الواقعي لا ندركه ادراكا واعيا حقيقيا في تجريدنا ادراكات اللغة له، ومن غير الادراك العقلي وتزامن الادراك اللغوي معه تصبح معرفتنا للوجود قاصرة غير منتجة. وتعجز أية فكرة مدركة عقليا،أن يكون ادراكها مثمرا تواصليا منتجا من غير ادراك اللغة لها تداوليا، والفكرة التي لا تستوعبها اللغة بأرقى درجات التعبير التواصلي تبقى ناقصة ومشوّهة كفكرة ادركها العقل ولا يستطيع البوح بها ومقيّدة لا تستطيع التعبير عن نفسها (المتصوف والمجنون). كما أن الباحث الحسنين اخدوش يشير الى ان غاية التأويل لدى بول ريكور من ان الذات تعي وتدرك ذاتها من اعتبارها كينونة موجودة وفاعلة بالحياة.كما نجد في دعوة كروتشة ان اهمية اللغة ،يجب ان تكون مقتصرة على دراستها (جماليا) على صعيد الشعر تحديدا، فيها الكثير من التطرّف في تجاوز أهمية دراسة ابعاد اللغة كوسيط تداولي تعبيري،فلسفيا ،اجتماعيا، وثقافيا واقتصاديا.ودراسة اللغة جماليا هو دراسة لواحدة من خصائصها الوظائفية  العديدة وليس منتهاها .ولا يكفي ان نقصر اللغة على التجريد الفلسفي ، فاللغة هي تعبير حركي ديناميكي يفصح ويسايركل شؤون الحياة. ومثل ذلك ذهب هيدجر في اهمية دراسة اللغة، وايضا الشعر تحديدا لتبيان(المقاصد الوجودية من اللغة) وهي دعوة  ايضا تستبطن اهمية اللغة جماليا ، وفي تعطيل السمات والخصائص المتعددة للغة وظائفيا.ويضيف هيدجران اللغة وهي من تركيبات الآنية،الا أن هذا التركيب لا يظهر الا في حالة الوجود الزائف، في صورة ثرثرة يومية،وهذه لا تتضمن حوارا بمعنى الكلمة او تبادلا للافكار.وقد ترتب على ذلك ان يصبح الوجود الحقيقي هو الصمت. ان اهمية ادراك الشيء والتواصل به ومن خلاله ومعرفته لغويا، هو اكبر من اهميته كمدرك عقلاني (موضوع) مكتف بذاته خارج فاعلية واهمية اللغة له،اللغة بعد العقل هي المتعيّن الوجودي لجميع الافكار في ان تكون تداولية تواصلية ذات حيوية واثراء نافع للحياة.

هوامش

(1) و(2) نقلا عن الزواوي بغورة،شذرات عن كتاب الفلسفة واللغة، عرض وتلخيص.

* احيل الى دراستنا الخيال واللغة والتصوف،كتابنا دراسات فلسفية/ دار غيداء للطباعة والنشر

((الزمان))