ثمة في الشعر إمكانات هائلة للتفكير. فأينما كانت الأليغوريا فثمة تفكير. ولما كانت اليد هي ما يميز الإنسان عن القرد، كما يقول هايدغر، بما هو – القرد – كائن لا يفكر، فإن اليد لا محالة هي مصدر هذا النشاط الذي يميز الإنسان عن سائر الكائنات. يقول هايدغر «إن القرد يمتلك أعضاء الإمساك، لكنه لا يمتلك اليد». معنى هذا الكلام أن القرد محروم من نعمة التفكير لأنه لا يمتلك يدا. لكن ما وضع الإنسان الذي لا يتكلم أو بالأحرى لا يفكر؟
وإذا كان التفكير، كنشاط، هو من أصعب ما تقوم به اليد، بالنسبة للإنسان، فكيف سيكون الوضع بالنسبة لهذه اليد وهي تفكر من خلل الأليغوريا المركبة. أقصد الأليغوريا الشعرية؟
لنا أن تصور، إذن، وقع اليد في الشعر. اليد التي تجعل الكلام يتعثر ويعيد تشكيل اللغة من جديد وفق اشتراطات جديدة لا تذعن إلا لحركة الأصابع، باعتبارها مفردا لا جمعا. تلك اليد التي نقلت الشعر العربي من غنائيته الطللية القائمة على الشفاهة والسماع كميتافيزيقا شعرية اعْتبَرتْ حدّ الوزن والقافية خطّاً أحمر لا يمكن تجاوزه، مُحوِّلة إياه بفعل سلطة الثقافة الشفاهية/الصوتية إلى عيار مطلق للشعرية العربية، كما تمثلها قدامة بن جعفر، وابن طباطبا، وابن الرشيق، وكل من سار في دربهم يميز بين الشعر والقرآن، نافيا عن النص القرآني ما حاول المغرضون إلصاقه به من شعرية صوتية قد تمس بقدسيته؛ قلت اليد التي نقلت هذا الشعر العربي من وضع مصاب بالانحباس والانحسار إلى انفراج كبير مع أبناء سومر وأحفادهم.
إن اليد حين تكتب الشعر، وقد وضعت رعشتها رهن ما قد يقودها إليه تهورها، إنما هي في الوقت نفسه، تعمل جاهدة على تفكيك ميتافيزيقا الخطاب الشعري الطللي الذي تهندم مبكرا، وتحديدا في العصر الجاهلي، بهندام معماري شفاهي. إنها تفكك ميتافيزيقا هذا الخطاب القائم على مقولات المعيار، والوزن، والصدق، والكذب، وعيوب الشعر، والسرقة وغيرها من المقولات التي جعلت الشعر باعتباره جمعا، أي مقترحات لا يمكن حصرها في مجرد شكل واحد ونهائي يُختزل في مُفْرَدٍ سَمّوه القصيدة، أقول تفكك هذه الميتافيزيقا من أجل أركيولوجيا الصمت. الصمت هنا في مقابل الكلام. ليس من شك أن الكلام حضور والصمت غياب، لأنه يبقى مشروع احتمالات وممكنات فقط. إن لليد، كما أتصور، على غرار هايدغر، حركة بين الحضور والغياب، بين الكلام والصمت، تواصلا وتفاصلا.

حينما تحرر يدك في الكتابة وبها، فإنك تحرر الفكر كشرط تاريخي من اشتراطات الحداثة، وذلك من خلال الأليغوريا الشعرية الأكثر تحررا من اللغة المعيارية.

تجربة الشعر الحر في العصر الحديث، كانت، من ضمن ما راهنت عليه في بعض من فتوحاتها، خبرة اليد الكاتبة. أذكر هنا تحديدا، أنه في المغرب ظهرت تجربة شعرية من داخل تجربة الشعر الحر دائما، خلال مرحلة السبعينيات من القرن الماضي، جعلت من اليد مصدر إلهامها وتفكيرها الأليغوري. إنها تجربة ما سمي لحظتئذ بالكتابة الكاليغرافية. تجربة حاولت ما أمكن التخفيف من غلواء المألوف وسياق عاداته. يدٌ تحفل بالصفحة، وترفع من وتيرة الانفصال عن الصوت الذي لازم القصيدة قرونا طويلة. فتحٌ كهذا، جعل الشعر يغير مجراه في بلاد المغرب، إذ ستصبح الكتابة الشعرية (وأنا أصر على عبارة الكتابة الشعرية)، باعتبارها أليغوريا دائما، رهن اليد عند بعض شعراء الجيل اللاحق. الجيل الذي ألقى بالأليغوريا الشعرية في مهب اليد، ووضعها رهن حركتها. أليست « الكتابة من حركة القلم» كما قال مولانا جلال الدين الرومي.
ولنا أن نتأمل بعض المشاريع الشعرية، التي اخترقت الزمن بفعل اندفاعها الدائم نحو فتح واكتشاف مجهول الشعر من خلل خبرة اليد. مشاريع ما زالت إلى يومنا هذا تنحت أليغورياها باليد وخبرتها وبالتفكير شعرا. محمد السرغيني، محمد بنطلحة، صلاح بوسريف، عناوين لمشاريع شعرية لأجيال متلاحقة، جعلت من التفكير باليد شعرا، أليغوريا خاصة تستوجب قارئا خاصا يتقن القراءة بالمعرفة كذلك.
ثمة نسبٌ، إذن، بين الأليغوريا الشعرية واليد والفكر.
فحينما تحرر يدك في الكتابة وبها، فإنك تحرر الفكر كشرط تاريخي من اشتراطات الحداثة، وذلك من خلال الأليغوريا الشعرية الأكثر تحررا من اللغة المعيارية.
لكن، وفي السياق ذاته، أؤكد أن هذه العلاقة قد لحقها من التعتيم الإلكتروني، في وقتنا الراهن، ما يجعلنا لا نتكهن بمستقبل الأليغوريا الشعرية بسبب الدهشة التي تنتابنا ويدُنا لا تكتب بل تنقُر فقط في أرضٍ غير التي ألفنا حرثها باليد دائما.
إن الكتابة على شاشة الحاسوب، بما تمنحه من إمكانات لم تكن متاحة من قبل، أصبحت تجذب معظم الكتاب. لكن المشكلة هنا، هي أن اليد تقف عاجزة كل العجز عن كتابة كلامها أو قول ما لم تقله بعد، أي أنها تظل عاجزة عن التفكير. الشيء الذي يفيد أننا أصبحنا أمام رهانات أخرى أكبر من تصورات المنظرين الذين تناولوا هذا الموضوع، اشتغالا وانشغالا.
فهل نحن الآن أمام أفق جديد قد يضع الكتابة الشعرية في مهب النقرة والإرادة الإلكترونية القائمة على الرقمنة، في إطار ما بات ينعت بالنصوص التفاعلية؟ وهل الأليغوريا الشعرية، على مشارف الهجرة إلى أراض لم تستبح بعد، ما قد يجعل الشعر يقدم لنا نفسه بطريقة أخرى هذه المرة؟

٭ شاعر ناقد مغربي

((القدس العربي))