كانت مارينا تسڤيتايڤا تجيب عن السؤال الذي يُطرح دائمًا على الكتَّاب بقولها:

لا أعتقد أنني تأثرت بأيِّ تيار أدبي، إنما التأثير الإنساني هو الذي طغى على كتاباتي.

لكن في أيِّ شكل من أشكال “الإنسانية” كانت تفكِّر الشاعرة؟ كانت تتكلَّم، ولا ريب، على ذاك الشكل الأسمى الذي أجَّج المراسلات المتبادلة بينها وبين مُواطنها بوريس پاسترناك وراينر ماريا ريلكه خلال فترة صيف 1926. إذ إن تسعًا وأربعين رسالة كُتِبَتْ إبان ثلاثة أشهر، وكانت “جوهر الوجود، آنية الحقيقة الحيَّة”، على حدِّ تعبير پاسترناك نفسه.

غلاف الطبعة الأولى من المراسلات الثلاثية

تألَّف مثلَّثُ صيف 1926 السحري هذا من ثنائيين اجتمعا مصادفة. فقبل سنوات أربع من ذلك التاريخ، كان الشاعران الروسيان بوريس پاسترناك من موسكو، حيث كان في إقامة جبرية، ومارينا تسڤيتايڤا من منفاها الفرنسي، يتبادلان الرسائل الأكثر شغفًا والمقرونة بإعجاب متبادل، وهما يبلغان حوالى الثلاثين من العمر ويكاد الواحد منهما لا يعرف الآخر.

مارينا إيڤانوڤنا تسڤيتايڤا (1892-1941)، بوريس ليونيدوڤتش پاسترناك (1890-1960)، راينر ماريا ريلكه (1875-1926)

أما في عالم بوريس، فقد ظهرتْ فجأةً شخصيةُ ريلكه البارزة، إذ أبدى هذا الأخير إعجابه بأبيات الشعر التي ألَّفها الشاعرُ الروسي الشاب عبر رسالة بعث بها إليه من مقاطعة ڤالي السويسرية، حيث اعتكف بسبب إصابته بسرطان الدم، وكان لا يزال يجهل خطورته. و”المصادفة الحسنة” تلك، سيحوِّلها إلى حدث شعري. ففي ردِّه الحماسي على رسالة ريلكه، يخبره بوجود مارينا تسڤيتايڤا في باريس ويدعوه إلى مراسلتها. عندئذٍ كتب ريلكه إلى تسڤيتايڤا في أيار 1926:

كلُّ ما تبعثه هذه الأوراق داخلي من تأثُّر وامتنان ينبغي أولاً، إن أدركت ذلك جيدًا، أن يتوجَّه إليك، ثم بواسطتك إليه.

وكانت النتيجة مدهشة! فتسڤيتايڤا أجابت ريلكه على الفور:

أحبك كما يريد الشعر أن يكون محبوبًا وكما ينبغي أن يُحَب، كما تحتفي الثقافةُ في مسيرتها بذروتها الخاصة، وتُعجَب بها، وتحس بها.

ولاحقًا، خلال الصيف نفسه، كتبت إليه:

كلُّ ما لا ينام “أبدًا” يريد أن يعوِّض عن سباته بين ذراعيك. وستكون قبلتي حتى أعماق النفس والحلق. (ليس حريقًا، بل هوَّة.) وأنا لا أدافع عن قضيَّتي، بل عن قضية القبلة الأمثل.

طوال الصيف، تابع پاسترناك مراسلاته المتَّقدة مع تسڤيتايڤا وسمع، عبر التفاف شعريٍّ خالص، أصداءَ صوت ريلكه في رسائل الشاعرة نفسها. وإلى الكذبة الرومانسية ثمة حقيقة روائية: فالتصور غير المباشر لتلك الرواية التراسُلية المذهلة، المؤلَّفة من فصول في هذه الطبعة [2003]، يغذِّي سوء التفاهم ويؤجِّج الأهواء: أولاً، أهواء تسڤيتايڤا الحصرية التي كتبت إلى ريلكه:

بوريس “أهداني” إياك. وما إن “تسلَّمتك” حتى أردتُ امتلاكك وحدي.

ثم أهواء پاسترناك المتحمسة، پاسترناك الذي يريد أن “يمسك بكلِّ شيء في يد واحدة”. وأخيرًا، أهواء ريلكه (المحتضر) المتحمسة والكئيبة جدًّا:

لم أحظَ بقلب ثابت كهذا منذ طفولتي. […] الثقيل هو أنا، والعالم من حولي مثل سبات.

كما تَرِدُ في هذه المراسلات بين جيلين المؤلَّفاتُ والقصائدُ والصورُ التي تبادلها الشعراء الثلاثة بالألمانية والروسية والفرنسية. وتلك المسارات معقَّدة، بحيث يبدو مستغرَبًا أن نجد في صراع الأهواء وتوافُقها “حب الشاعر الذي يكمن في الشعر ويحمل عبر العصور أسماء مختلفة”، وفقًا لعبارة لپاسترناك. ومن بين عدة أسماء، يرد اسم “أورفيوس” الذي كتب عنه ريلكه قبل ثلاث سنينالسونيتات. فتقول تسڤيتايڤا في رسالة إليه:

لقد عمَّم أورفيوس الجنسية أو وسَّعها إلى حدِّ أنها شملتْ الجميع (حاضرين وغائبين)،

تقديرًا للغنائية التي يجسِّدها إنتاجُهم ومراسلاتُهم.

غلاف الطبعة الجديدة (2003) من “المراسلات”

والأغرب معرفة أن تلك المراسلات مبنية على التأجيل. كان ريلكه يعيش منعزلاً في قصره في موزو، حتى إن كثيرين، ومن بينهم بوريس پاسترناك، ظنُّوا قبل أيار 1926 أنه توفي. وكان ذاك الصيف المليء بالمراسلات نعمةً مُنِحَتْ للشاعرين الروسيين الشابين في “التجميع المفاجئ” للرسائل المتبادلة وفي التعبير عن رغبة غذَّاها أملُ اللقاء الثلاثي. إذ كان بوريس ومارينا يقولان في قرارة نفسيهما:

ماذا كنَّا لنفعل معًا في الحياة اليومية؟ لكنَّا ذهبنا لرؤية ريلكه.

لكن في مطلع العام 1927، أُسدِلَت الستارة. مات ريلكه حقًّا هذه المرة. فلخصَّت تسڤيتايڤا الوضع في وضوح شديد قائلة:

أترى، يا بوريس، لو كنَّا نحن الثلاثة أحياء لَما أدَّى ما قمنا به إلى أية نتيجة.

غير أن ريلكه الذي أصبح “بأكمله” ملكًا لهما بعد وفاته، ظل يلازم كتاباتهما ورسائلهما التي تباعدت، كما لو أن الكاتب جعل تبادُلهما الرسائلَ يبلغ ذروته وكماله، ثم وضع حدًّا له بعد ذلك بغيابه في كانون الأول 1926.

* * *

مقتطَفين

“نتلامس؟ وكيف؟ عبر خفق الأجنحة،
عبر المسافات في ذاتها نتلامس.
الشاعرُ وحده يحيا، وفي بعض الأحيان
يأتي مَن يحمله لاستقبال مَن حمله.”
راينر ماريا ريلكه، “أيام 1926”
(إهداء مراثي دوينو إلى مارينا تسڤيتايڤا)

*

“ثمة لشعراء المستقبل مهمة مستحيلة. فالشاعر الذي سيأتي من بعدك ينبغي أن يكون أنت، أي ينبغي أن تولد من جديد. […] لم يَضِعْ شيئًا، يا راينر ماريا ريلكه. ففي السنة المقبلة [1927]، سيأتي بوريس وسنذهب لرؤيتك، أينما كنت. أعرف بوريس قليلاً فقط وأحبُّه كما لا يُحَبُّ سوى الذين لا يُرَون أبدًا (سواء كانوا غائبين أو سيولدون: الذرية) أو الذين لم يولدوا بعد. […] إنه أول شاعر روسي. أعرف ذلك، وبعضهم كذلك، لكن الآخرين ينتظرون موته.”
من تسڤيتايڤا إلى ريلكه، 9 أيار 1926

*** *** ***

ترجمة وإعداد: جيزال أبي خليل عن le Figaro
عن النهار، الخميس 7 آب 2003