■‭ ‬التقيَا‭ ‬في‭ ‬البارّاكا‭ (‬فرقة‭ ‬مسرح‭ ‬جامعية‭ ‬كان‭ ‬يُديرها‭ ‬لوركا‭ ‬عام‭ ‬1931‭)‬،‭ ‬وبدأت‭ ‬صداقتهما‭ ‬هناك،‭ ‬التي‭ ‬تحولت‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬إلى‭ ‬علاقة‭ ‬عاطفية،‭ ‬كانا‭ ‬يتشاركان‭ ‬قراءة‭ ‬النصوص‭ ‬والنقاشات‭ ‬الثقافية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬مشاركة‭ ‬رغباتهما‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بينهما،‭ ‬رافائيل‭ ‬رودريغيث‭ ‬رابون‭ ‬شوهد‭ ‬مع‭ ‬لوركا‭ ‬قبل‭ ‬مقتل‭ ‬الأخير‭ ‬بثلاث‭ ‬سنوات،‭ ‬وطوال‭ ‬تلك‭ ‬المدة‭ ‬كان‭ ‬رافائيل‭ ‬قد‭ ‬ولَّدَ‭ ‬لدى‭ ‬الشاعر‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الشغف‭ ‬والألم‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬المُلهم‭ ‬الأول‭ ‬للوركا،‭ ‬حينما‭ ‬كتب‭ ‬ديوان‭ ‬‮«‬قصائد‭ ‬الحب‭ ‬الغامض‮»‬،‭ ‬رافائيل‭ ‬مهندس‭ ‬الألغام،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مثليّا،‭ ‬حسبما‭ ‬أكد‭ ‬صديقه‭ ‬المقرب‭ ‬موديستو‭ ‬إيغيراس‭: ‬‮«‬كان‭ ‬يفضل‭ ‬النساء‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يمصّ‭ ‬أصابعه،‭ ‬لكنه‭ ‬كان‭ ‬مأخوذا‭ ‬بتلك‭ ‬العلاقة،‭ ‬ليس‭ ‬مأخوذا‭ ‬وحسب،‭ ‬بل‭ ‬مستغرقا‭ ‬في‭ ‬لوركا،‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬بمدة‭ ‬حاول‭ ‬الهروب،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬كم‭ ‬كان‭ ‬فظيعا‮»‬‭.‬

حكايتهما‭ ‬الاثنين،‭ ‬حكاية‭ ‬الحب‭ ‬الذي‭ ‬استمر‭ ‬أياما،‭ ‬واليأس‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بعد،‭ ‬رُوِيَت‭ ‬عدة‭ ‬مرات،‭ ‬كما‭ ‬نُقلت‭ ‬إلى‭ ‬المسرح‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬‮«‬الصخرة‭ ‬الغامضة‮»‬‭ ‬لألبرتو‭ ‬كوينيخيرو،‭ ‬الذي‭ ‬يتكلم‭ ‬عن‭ ‬موت‭ ‬الشاعر،‭ ‬وكيف‭ ‬ينقل‭ ‬ذلك‭ ‬شريكه‭ ‬إلى‭ ‬أشد‭ ‬مناطق‭ ‬الحنين‭ ‬جفافا،‭ ‬ثم‭ ‬كيف‭ ‬اتجه‭ ‬رافائيل‭ ‬للالتحاق‭ ‬والتجنيد‭ ‬بصفوف‭ ‬الجمهوريين،‭ ‬وكيف‭ ‬أن‭ ‬الشاعر‭ ‬ترك‭ ‬لشريكه‭ ‬نصوصا‭ ‬غير‭ ‬مطبوعة‭ ‬ليقوم‭ ‬هو‭ ‬بطباعتها‭ ‬لاحقا،‭ ‬والعجيب‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬كليهما‭ ‬مات‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬نفسه،‭ ‬لكنْ‭ ‬في‭ ‬سنتين‭ ‬مختلفتين،‭ ‬لوركا‭ ‬عام‭ ‬1936‭ ‬رميا‭ ‬بالرصاص،‭ ‬ورافائيل‭ ‬عام‭ ‬1937‭ ‬إثر‭ ‬إصابة‭ ‬تعرَّض‭ ‬لها،‭ ‬وكلاهما‭ ‬في‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬أغسطس‭/‬آب‭.‬

النص الذي لم يرغب بابلو نيرودا في نشره عن مثلية لوركا يخرج غلى النور

تنشر‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬دارSEIX BARRAL  ‬للنشر‭ ‬طبعة‭ ‬جديدة‭ ‬موسعة‭ ‬لسيرة‭ ‬بابلو‭ ‬نيرودا‭ ‬‮«‬أعترف‭ ‬بأنني‭ ‬قد‭ ‬عشت‮»‬‭ ‬والتي‭ ‬يظهر‭ ‬فيها‭ ‬نص‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬العشق‭ ‬الأخير‭ ‬لفيديريكو‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬ظل‭ ‬سنين‭ ‬في‭ ‬الخفاء‭ ‬خوفا‭ ‬من‭ ‬الشاعر‭ ‬التشيلي‭ ‬على‭ ‬سمعة‭ ‬صديقه،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ألبوم‭  ‬صور‭ ‬ورسائل‭ ‬الفاكس‭ ‬التي‭ ‬تحوي‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬مخطوطات‭ ‬الشاعر،‭ ‬ولكن،‭ ‬لِمَ‭ ‬لم‭ ‬ينشر‭ ‬نيرودا‭ ‬هذا‭ ‬النص‭ ‬من‭ ‬قبل؟‭ ‬وفقا‭ ‬لداريو‭ ‬أوسيس‭ ‬الذي‭ ‬كتب‭ ‬استهلال‭ ‬سيرة‭ ‬نيرودا،‭ ‬فإن‭ ‬الأخير‭ ‬اعتقد‭ ‬بأن‭ ‬الجمهور‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مُهيّأ‭ ‬بعد‭ ‬لكي‭ ‬يعرف‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة،‭ ‬‮«‬هل‭ ‬في‭ ‬مقدور‭ ‬الجمهور‭ ‬أن‭ ‬يتمتع‭ ‬بالقدر‭ ‬الكافي‭ ‬من‭ ‬الحيادية‭ ‬للاعتراف‭ ‬بمثلية‭ ‬لوركا‭ ‬بدون‭ ‬الإساءة‭ ‬لقيمته؟‮»‬‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬جواب‭ ‬نيرودا‭ ‬عندما‭ ‬طلبوا‭ ‬منه‭ ‬إدراج‭ ‬النص‭ ‬في‭ ‬مذكراته‭ ‬عام‭ ‬1973‭.‬

كان‭ ‬نيرودا‭ ‬قد‭ ‬رأى‭ ‬لوركا‭ ‬ورافائيل‭ ‬معا‭ ‬كأصدقاء،‭ ‬يومها‭ ‬قدَّم‭ ‬لوركا‭ ‬رافائيل‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬سكرتيره‭ ‬الشخصي،‭ ‬وكان‭ ‬يرافقه‭ ‬في‭ ‬المسرح‭ ‬والجلسات‭ ‬النقاشية‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬مكان،‭ ‬يتكلم‭ ‬نيرودا‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬النص‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬مثلية‭ ‬لوركا‭ ‬‮«‬ظلت‭ ‬تسير‭ ‬على‭ ‬الطريقة‭ ‬الإسبانية‭ ‬اللاتينية،‭ ‬أي‭ ‬الحذر‭ ‬الشديد‭ ‬في‭ ‬إخفاء‭ ‬هذا‭ ‬الانحدار‭ ‬الشخصي‭ ‬للوركا،‭ ‬وأن‭ ‬هناك‭ ‬الكثير‭ ‬مما‭ ‬يجب‭ ‬ملاحظته‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التصرف‭ – ‬مع‭ ‬احترامنا‭ ‬للشاعر‭ ‬المقتول‭ – ‬مثل‭ ‬موضوع‭ ‬الحَجر‭/‬التابو‭ ‬على‭ ‬الأمور‭ ‬الجنسية،‭ ‬والإرث‭ ‬الكنسي‭ ‬للإمبراطورية‭ ‬الإسبانية‭ ‬ومستعمراتها،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬النفاق‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‮»‬‭.‬

يروي‭ ‬نيرودا‭ ‬كذلك‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يلحظ‭ ‬مثلية‭ ‬لوركا‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬لقائه‭ ‬به،‭ ‬‮«‬وجهه‭ ‬الخشن‭ ‬والأسمر،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يبدو‭ ‬عليه‭ ‬قط‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬الخنوثة،‭ ‬ميوله‭ ‬كانت‭ ‬طبيعية‭ ‬وذكية،‭ ‬كانت‭ ‬مثليته‭ ‬الجنسية‭ ‬أكيدة،‭ ‬لكنني‭ ‬اكتشفت‭ ‬ذلك‭ ‬متأخرا‮»‬‭. ‬في‭ ‬بوينس‭ ‬آيرس‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬الشاعران‭ ‬في‭ ‬جولة‭ ‬هناك‭ ‬عام‭ ‬1933‭ ‬‮«‬بدأت‭ ‬تراودني‭ ‬شكوك‭ ‬حول‭ ‬طبيعة‭ ‬ميوله‭ ‬العاطفية،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬اكتشفت‭ ‬ذعره‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬تحيطنا‭ ‬مجموعات‭ ‬من‭ ‬النساء‮»‬‭.‬

ويضيف‭ ‬أنه‭ ‬توصل‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬مع‭ ‬لوركا‭ ‬يتيح‭ ‬للأخير‭ ‬اللجـــوء‭ ‬إلى‭ ‬صــديقه‭ ‬كي‭ ‬يساعده‭ ‬في‭ ‬التهرب‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬امرأة،‭ ‬ويؤكد‭ ‬نيرودا‭ ‬‮«‬بعض‭ ‬تلك‭ ‬الحمامات‭ ‬المأخوذات‭ ‬بضوء‭ ‬لوركا‭ ‬سقطن‭ ‬في‭ ‬يديّ‮»‬،‭ ‬خلال‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬نيرودا‭ ‬قد‭ ‬التقى‭ ‬بعد‭ ‬برافائيل‭ ‬رابون،‭ ‬حيث‭ ‬التقاه‭ ‬لاحقا‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬فترات‭ ‬إقامته‭ ‬في‭ ‬مدريد،‭ ‬‮«‬شيئا‭ ‬فشيئا،‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الفتى‭ ‬هو‭ ‬الحب‭ ‬الدائم‭ ‬للوركا،‭ ‬حبه‭ ‬الأخير،‭ ‬خجول،‭ ‬ذو‭ ‬شعر‭ ‬طويل،‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬نحيلا‭ ‬جدا‭ ‬وليس‭ ‬فارع‭ ‬الطول،‭ ‬إنما‭ ‬كانت‭ ‬تبدو‭ ‬عليه‭ ‬هذه‭ ‬البساطة‭ ‬الشعبية‭ ‬الإسبانية‮»‬،‭ ‬ويذكر‭ ‬في‭ ‬النص‭ ‬أنه‭ ‬وحسب‭ ‬المؤرخ‭ ‬إيان‭ ‬غيبسن‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬رافائيل‭ ‬‮«‬الحب‭ ‬الأعمق‭ ‬للوركا‮»‬‭.‬

هذا‭ ‬النص‭ ‬غير‭ ‬المطبوع،‭ ‬ينتهي‭ ‬بموتهما‭ ‬الاثنين،‭ ‬مُشكِّلا‭ ‬تأكيدا‭ ‬صريحا‭ ‬على‭ ‬أنهم‭ ‬لم‭ ‬يقتلوه‭ ‬لمثليته،‭ ‬إنما‭ ‬لإبداعه،‭ ‬ويبين‭ ‬أن‭ ‬الحظ‭ ‬نفسه‭ ‬قد‭ ‬طال‭ ‬حبيب‭ ‬الشاعر،‭ ‬‮«‬لم‭ ‬يبق‭ ‬من‭ ‬الشاب‭ ‬الوسيم‭ ‬شيء،‭ ‬تناثرت‭ ‬عظامه‭ ‬ودماؤه‭ ‬وانقسمت‭ ‬إلى‭ ‬شظايا‭ ‬صغيرة،‭ ‬بقع‭ ‬بالكاد‭ ‬تُرى،‭ ‬فوق‭ ‬التراب‭ ‬الإسباني‭ ‬الذي‭ ‬لطالما‭ ‬تجرع‭ ‬ملايين‭ ‬الجثث‭ ‬مجهولة‭ ‬الهوية‮»‬،‭ ‬ويختتم‭ ‬النص‭ ‬بالتأكيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬السعادة‭ ‬دائما‭ ‬ما‭ ‬ترافق‭ ‬الشاعر‭.‬

 ((القدس العربي))