في ظل الثورة المعلوماتية، والانفتاح التكنولوجي، بتنا نرى ظاهرة غريبة ولافتة جدا، وهي تزايد عدد الشعراء بشكل ضخم وهائل، فكل من يمتلك صفحة على الإنترنت أو على مواقع التواصل الاجتماعي، يستطيع أن يمنح نفسه لقب شاعر، أو أي لقب آخر يسد به نقصا داخليا يلبي رغباته. حتى المواقع الرصينة والصحف الورقية، لا تكاد تخلو من زحمة الشعراء ونصوصهم في الصفحات والأقسام الثقافية. ودور النشر صارت ترى في طباعة المجموعات الشعرية لأي كان، تجارة رائجة ومربحة، مادام المؤلف يدفع من جيبه للدار، ويتكفل هو بالترويج والدعاية لكتابه الشعري.

لكن في الطرف المقابل نرى شعراء جادين عكفوا على أنفسهم طويلا بالقراءة والتأمل والتجريب والتقاط المشاهد اليومية، هؤلاء هم أصحاب العزلة المنتجة وأصحاب مشروع معرفي سيستمر معهم إلى عمر زمني طويل من حياتهم الشعرية. هذه الظاهرة تناولها الكثير من الكتاب والنقاد وطرحوا أهم إشكالياتها ومعضلاتها، بدون أن يجدوا لها حلولا، أو يدركوا خللها النفسي العميق. وصار مفهوم انحسار الشعر وتراجع قرائه مقابل الرواية من المفاهيم السائدة في الأوساط الثقافية وفي معارض الكتب. وهذا ما جعل الشاعر في زماننا يشعر بأنه منبوذ ومطرود اجتماعيا، وغير قادر على تحقيق ذاته في الأوساط الأدبية، فصار يجنح إلى أجناس أدبية أخرى، كالرواية والقصة والمسرح والسيناريو؛ ليرتقي بمكانته الاجتماعية والمادية، وليحظى بشهرة واسعة في الإعلام والقنوات الفضائية، فنراه يتصرف كنجم سينمائي أو سياسي معروف، وكأن الأدب كان ضالته التي كان ينشدها في الترف والجاه الاجتماعي.

الشاعر بين العزلة المنتجة وسلطة الأضواء

أصبحت شهرة الشاعر وصعوده مرتبطة بالصدفة العمياء وبمهاراته المتواصلة في خلق علاقات ومحسوبيات، بعيدا عن المحتوى الإبداعي لمنجزه الشعري إن كان منجزا، وغالبا ما يكون الشعر لدى هؤلاء وسيلة للسلطة أو المنصب، فتراه بعد فترة وجيزة أصبح مديرا لدار نشر، أو رئيس تحرير صحيفة مهمة أو عضوا في البرلمان.
الكثير من المهمشين والمعزولين في الأزقة والزوايا المعتمة هم أكثر عمقا وهما معرفيا
من أولئك الشعراء الذين يظهرون باستمرار في الصحف وعلى شاشات التلفزيون ومواقع الميديا. المعزولون هم الأكثر قربا من الحقيقة الأدبية ومن فن الشعر، بوصفه فنا يعيد خلق عالم آخر على أنقاض عالم خرب متهاو، لا تستوعبه تفسيرات الشاعر العقلية ولا منطقه المثالي جدا.
عندما أشير إلى الشاعر هنا أعني قصيدة النثر أو ما بعدها، أو أي كان اسمها، فالشعر يجب أن يتجاوز كل المسميات والقوانين الجامدة. ويجب أن تنمحي معه كل الحدود الفاصلة بين الأجناس العالمية مادام الهم الإنساني واحد في هذا العالم، والأسئلة الوجودية هي ذاتها في كل زمان ومكان. قصيدة النثر هي قصيدة كونية متمردة وصاحبها أقرب إلى نبي أو فيلسوف متأمل. وقصيدة النثر ليست وحدة واحدة، ولا مركزية، فاشتراطات وجودها وتكاملها أن تكون متعددة الرؤى والأفكار والأجساد، فهي تشمل التفاصيل اليومية الصغيرة، وعوالم الإنسان الداخلية وما فيها من اضطرابات وأحلام وهواجس مختبئة في اللاوعي، لتنتهي أخيرا إلى الميتافيزيقي والمطلق اللامتناهي. بكل ما تحمله هذه القصيدة من تضادات وتناقضات، ومتعة سحرية في اكتشاف بواطنها وعوالمها الخفية، إلا أن شاعرها يظل مجهولا ومغيبا، وتحديدا في حاضرنا السريع والمزدحم بالأحداث.
المؤسسات الثقافية والمنتديات الأدبية، أصبحت منصات احتفائية إعلامية، تحتفي بالحدث وتروج له مهما كان تافها وسطحيا وحفلات توقيع الكتب والمجاميع الشعرية، صارت من الكماليات السريعة في عصر العولمة، بينما نجد الشاعر الحقيقي يتجول وحيدا غريبا عن كل هذه الأشياء، لا أحد يعير له اهتماما أو يمنحه تقديرا حقيقيا ولو بكلمة واحدة. في الوقت الذي نجد فيه المتملقين والناعقين هم وحدهم من يسترزقون من الثقافة وقشورها، بالسفرات والوفود الثقافية وإقامة حفلات البذخ والمجون، بينما صاحبنا الشاعر منهمك في عمله اليومي البعيد كل البعد عن الأدب والفن ولا يجد ما يكفي من قوت يومه وعائلته. حدثني صديق شاعر في أحد المعارض الدولية للكتاب، «خطأ كبير أن أولد شاعرا في هذا الزمن، أنا خطأ كبير في الزمان الخطأ والمكان الخطأ. عكفت سنوات طوال وأنا ألتهم الكتب التهاما وحفرت أخاديد وقنوات في اللغة. كان التجريب وسيلتي كي أصبح ناضجا، ومختمرا بتجارب الحياة والمعرفة، سنوات العزلة أخذت الكثير من صحتي كنت أحيا شعريا على هذه الأرض كالموسيقى، كنت أكتب النص في بعض الأحيان إلى أن أتعفن أو تصيبني أزمة صحية. ضحيت كثيرا وضاعت معظم الأشياء الجميلة من حياتي. من أنا وسط كل هذا الضجيج والفوضى، من أنا بين هذه التواريخ والأسماء، تنتابني رغبة في قتلهم جميعا». ما قاله صديقنا الشاعر سهم أصاب كبد الحقيقة، لقد كان صادقا في كل ما قاله، حتى رغبته في الانتقام بالقتل، فهو يشعر بأنه ضحى بهذا العالم المادي بكل ما فيه من متع ولذائذ، في سبيل نبوءة كالشعر تجعله قريبا من الحقيقة ومن الحكمة الإلهية.

ميليشيات قصيدة النثروالشاعر الغريب

بعد أن تسيدت قصيدة النثر المشهد الثقافي في الوطن العربي، وبعدما كانت ثائرة على كل الأشكال والقوالب الجامدة في الشعر الكلاسيكي، راح الكثير من أنصاف الموهوبين والمثقفين يقتحمون عالمها، ويستسهلون كتابتها وهم ينسجون كلماتهم على منوال القصائد الأوروبية المترجمة، أو (ذات النمط الخاص في الإيروتيكيا والمتضمنة بوحا داخليا متمردا يخترق التابوهات والأخلاق)؛ لذلك أصبحت المجموعات الشعرية تتشابه في عناوينها وأحجامها ومضمونها ولغتها المكررة، وتعمقت الهوة بين الشاعر والمتلقي، ويجب أن لا ننسى أيضا أن الشعر أصبح منطقة هشة ومخترقة من قبل أي شخص له حضور قوي في الإعلام، أو في المجالات الأخرى.

شعراء قصيدة النثر اليوم متطرفون وعدائيون تجاه أي جنس آخر لا ينتمي لمنظومتهم وعقائدهم المزاجية، فهم يمتلكون منصات أصبحت محتكرة لهم، وضمن دائرة أسرارهم ومعارفهم فقط. ونراهم أكثر قسوة وعنفا من الجيل الشعري الكلاسيكي وشعراء المنابر ضد من يخالفهم الرأي والفكر، رغم ادعائهم الحداثة وقبول الآخر المختلف، فيسقطون في فخ المقارنات والتميز الموهوم، متناسين أن قصيدة النثر في طابعها الجوهري تأملي معرفي، ولها وجوه عديدة ومسارات متشعبة وغامضة في تأويلها ودلالاتها الإيحائية. الشعراء أصحاب النصوص العميقة، وذات الأثر الإنساني الخالد، لا تحظى بالقبول لدى أغلب دور النشر، إن لم تكن جميعها، ولا تجد مكانا لها للنشر في أغلب الدوريات والمجلات المختصة بالشعر.
عليك أن تؤسس ميليشيا لقصيدة نثر محددة تتناول فيها مواضيع تافهة وسريعة ومتلاشية
تواكب هذا الزمن مثلا (طريقتك في تقشير البطاطا والبصل.. أو تقطيع البيتزا، أو وصف مؤخرة لممثلة هوليوودية، أو حذاؤك المثقوب الذي سيصبح مشكلة كونية كبرى، أو افتعالك الغموض والجنون داخل النص). قصيدة النثر العربية تطورت لغويا، لكنها لم تتطور فكريا وفلسفيا، مازالت ترتدي في جوهرها ثياب القبيلة وقساوة الصحراء. قصيدة النثر تحتاج لناقد على مستوى الفكر والفلسفة وعلم النفس، وليس على مستوى اللغة وحذلقاتها. اللغة وحدها لا تكفي، نحن نعاني من غياب حقيقي لمنظومة نقدية مبنية على أسس فكرية وفلسفية تؤسس لمشروع كبير في الحداثة تعيد للشاعر مكانته بعد أن صار صعلوكا ومهرجا، وتعيد للشعر قداسته بعد أن فقد بريقه ووهجه.
الشاعر العميق والحقيقي هو ذلك الصامت المختبئ خلف الكواليس دائما، ذلك اللامنتمي لكل هذا الضجيج، ذلك المختلف فكرا وسلوكا ولغة ، ذلك الذي تسكنه رغبة مكبوتة في الانتقام البريء من كل الذين سلبوا حقه الوجودي، ذلك الذي يحاول أن يردم هاوية العتمة بقطرة ضوء. ذلك الذي يخدش جسد السراب بمخالبه، ذلك الذي يكتب قصائده كمراثٍ ونبوءات بعد موته، وفي أسوأ الأحوال يقدمها كعربون ثقة بينه وبين الله. الشاعر الحقيقي يدرك في ظلمة أعماقه أنه جحيم متنقل بين الأزمنة الغريبة.. أو ربما كان خطأ كبيرا .. في الزمان الخطأ والمكان الخطأ.

٭ كاتب عراقي

((القدس العربي))