تغيرت البلاد ومن عليها

فوجه الأرض مغبر قبيحُ

 

هذا البيت من مرثية تنسب لآدم بعد أن قتل قابيل هابيل، في رواية تنسب لعلي بن أبي طالب ، معتبرا إياه أول الشعر .( تاريخ الطبري )

في “لسان ادم”يقف كيليطو عند هذه الرواية ويقول

ان الثعلبي يثير ثلاث مسائل خطيرة هي صحة المرثية ،لغة المرثية و رواية المرثية .

1- صحة المرثية : عن الثعلبي يقول ابن عباس: “من قال ان ادم قال الشعر فقد كذب” (قصص الانبياء ص28)

اذ ما كان للأنبياء أن ينظموا الشعر وغير لائق ان ينحط الانبياء لمرتبة الشعر .

نذكر أيضا نقطة الجدال بين الوثنين ونبي الإسلام ذلك ان الوثنين يعتبرون الشعر إلهاما من جني ، وهم بهذا يعتقدون اعتقادا كان مألوفا ان لكل شاعرا تابعا غيبيا يلهمه أبياته . وما الشاعر سوى لسان ينطق عن خضوع وطواعية ،حيث انه مجرد وعاء لقول يسكنه ويتخلص منه بالتلفظ ، فاعتقد وثنيو مكة ان النبي العربي يتملكه جني ويجبره على النطق بأقوال يلقنه إياها ، اما بالنسبة للقرآن لا يمكن للشعر والنبوة ان يجتمعان لأنهما صادران عن الهامين متعارضين ، كذلك لا يجتمع مقام النبي مع مقام الكاهن الذي يتلقى من جني تنبؤاته المسجوعة. ( فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ )(سورة الطور آية 29 ) ، فاذا لم يكن النبي محمد شاعرا فالأنبياء الآخرين بداية بآدم ليسوا شعراء أيضا

وينتج عن هذا ان القصيدة المنسوبة ﻻدم موضوعة مصنوعة.

2- لغة المرثية : يؤكد الثعالبي ان لغة آدم بعد الهبوط كانت السريانية (قصص الأنبياء ص28)

وهو رأي شائع ، يقول السيوطي ان ابن عباس قال: “ان آدم في الجنة كانت لغته العربية ولما عصى سلبه الله العربية فتكلم بالسريانية ، فلما تاب رد الله عليه العربية ”

كان فقدان لسان الجنة واحد من عواقب الهبوط.، تحول فوري ، تختفي العربية فيكتسي السريانية ، وليس ﻻدم إلا أن يبكي فردوسه المفقود بلغته الجديدة ، لما ذكر ابن عباس توبة ادم فانه يلمح بلا شك إلى الآية ” فتلقى ادم من ربه كلمات فتاب عليه ” البقرة 37

وحسب ابن عباس ،رد الله اليه العربية ،إذن لم تكن السريانية سوى فاصل.

لا يذكر الثعالبي هذا اللقاء بين ادم والعربية ، لا يظهر عنده أن التوبة قد ألغت السريانية ، إذن يجب التسليم بالواقع ، لما قتل قابيل هابيل ،فان ادم كان يتكلم السريانية وبما ان الشعر المنسوب لأدم عربيا فانه ليس قائله ،قد يقال انه نضمه بالسريانية وهذا الفرض مرفوض لسببين ، الأول ان مقام النبي لا يلتقي بمقام الشاعر لذلك فان ادم غير قادر على نظم الشعر لا بالسريانية ولا العربية.

والثاني ان الشعر لا يمكن ان يقال إلا بالعربية دون سائر اللغات والثعالبي واضح بهذا الصدد:وانما يقول الشعر من تكلم العربية.( قصص الأنبياء-ص28)

ونفس الشيء عند الجاحظ الذي اقتصر فضيلة الشعر على العرب ومن يتكلمون العربية ( كتاب الحيوان )

لكن ابن خلدون برصانته المتحررة من الوهم سيؤكد ان الشعر لا يختص باللسان العربي فقط بل هو موجود في كل لغة عربية كانت أم أعجمية، فاذا كانت المرثية كتبت بالسريانية فأن المسألة الشائكة في نسبتها الى نبي تختفي ، لاشيء يحول ان يكون الإنسان الأول قائلها ، فيظل مقام النبوة سالما لان السريانية مثل كل لغة غير عربية،غريبة على الشعر، اذن فآدم لم يعبر بالضرورة إلا نثرا،وهكذا ينتفي الدليل الرئيسي على عدم صحة المرثية.

3 – رواية المرثية : لكن كيف حدث ان هذه المرثية الجنائزية المؤلفة نثرا وصلتنا شعرا بالعربية ؟

لأنه ترجمها الى العربية يعرب بن قحطان . انتقلت المرثية من جيل الى جيل بناء على طلب جازم من آدم ، كان صاحب أول مرثية شديد الاهتمام قبل وفاته بتفجعه على موت هابيل ، فأوصى ابنه الثالث شيت بحفظه وروايته ، وأنقذ شيت الرواية بحفظها واعتنى بروايتها ، وهكذا وجد يعرب نفسه يوما انه آخر حلقة في سلسلة من الرواة . ويعرب هو ملك اليمن ، واول من ركب الخيل وتكلم بالعربية وقال الشعر ،ونلاحظ هنا العلاقة بين اللغة والشعر حيث توالت العديد من الأجيال بعد ادم لكنها لم تقل الشعر لأنها ببساطة لم تكن تتكلم العربية ،مع يعرب فحسب ازهر الشعر ، تكلم ادم العربية اولا ثم السريانية بينما فعل يعرب العكس بتكلمه بالسريانية اولا ثم العربية ،اي ان التجربة معاكسة ، الاختلاف الرئيسي بينهما ان آدم ينسى العربية لكن يعرب لا ينسى السريانية ، وان يعرب هو أول مزدوج للغة في التاريخ .

اكتشف يعرب العربية مجانا وعفويا دون ان يتعلمها او يتلقاها ، فلم يتعلمها بالتدريج ، فبين أناس يتكلمون السريانية شرع هو بتكلم العربية لغة جديدة أخرى كان الوحيد الذي يتكلم بها ، لغة ذات تكوين كامل ونهائي .حيث لم يكن أخد يتوقع ذلك إطلاقا ، في يوم ما نطق العربية وفي اليوم ذاته قال الشعر

هذا التغيير الصادر عن تدخل الهي ،اثر في غرائزه وطبائعه ، حيث غير شخصيته ويورد الجاحظ حالات مماثلة ( وقد علمنا إن الخرس والأطفال إذا دخلوا الجنة لا يدخلوها الى بفصاحة لغة أهل الجنة )

ولم يكن ذلك إلا على خلاف الترتيب والتدرج ،ويضيف ملمحا الى ما جاء في القرآن في سورة آل عمران ان عيسى كلم الناس في المهد وان يحيى نطق بالحكمة صبيا ( البقرة 46 ،مريم 12 ) ، وكذلك القول في ادم وحواء والحيوانات التي انطقها مثل ذئب أهبان ونملة سليمان وهدهده ، الجدير بالذكر ان إسماعيل أيضا تكلم العربية وركب الخيل لكنه لا يورد الشعر لان مقام النبوة يمنعه .فهو بذلك لا يستطيع الاشتراك في نقل المرثية .

في حوار مع الشاعر قيصر امين بور كان في مقدمة كتاب مختارات شعرية ترجمها للعربية موسى بيدج ( فواصل الثلاثاء الحارقة ) طرح عليه السؤال فأجاب ان يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ بن ارفشخد بن سام بن نوح الذي عمر أربعمائة سنة ، وسمي يعربا لأنه تكلم العربية ، وانتشرت اللغة العربية على لسانه بعد الطوفان ، كان مشغوفا بالسجع والقرائن ، ولان بعض المصاريع كانت تأتي موزونة ، في أثناء السجع العربي ،فقد اكتشفها يعرب بقوة ذكائه وفطنة قريحته وانتبه الى الموزون وغير الموزون في الكلام ، وقال بيتين من الشعر ارتجالا ،وانشدهما في محفل خاص ضم كبراء اقاربه واعيان عشيرته ولانهم لم يسمعوا كلاما موزونا من قبل قالوا : اي نسق من الكلام وترتيب في الحديث هذا لم نسمعه منك من قبل اليوم ؟ فقال : وانا ايضا لم اسمعه من نفسي من قبل هذا ، لقد سموا ما جاء به يعرب شعرا ، لانه القي في شعوره دون اي تعلم او تعليم ، واطلقوا على قائله اسم الشاعر ، ويقول بعضهم ” ان اول من قال الشعر هو جرهم بن قحطان ،وبعض اصحاب التواريخ يرجعون الشعر الأول الى ابونا ادم صلوات الله عليه ”

لذا فنحن نرى ان رواية يعرب ذائعة لانها وصلت للفارسية، وموجودة في تراثهم ، اذن نباهة يعرب ونبوغه جعلته يميز السجوع اولا وبعدها لاحظ الوزن وبعد ان قطع شوطا في ذلك شرع في ترجمة المرثية ونظمها وفق اكتشافه الجديد الذي سمي شعرا ، اي انه كان شعرا بدائيا لذلك نجد الزمخشري يقول انها ليست من المنحول فقط بل من الملحون ( اي مخالفة لقواعد اللغة العربية الفصحى ) ، ويرى الرازي انها في غاية الركاكة ولا تليق حتى بالمعلمين المأثور عنهم الغباء وبالأحرى لا تليق بادم الذي يقول عنه القرآن ان علمه فاق علم الملائكة وبعبارة اخرى لو كان ادم قال الشعر ( وهو من باب الفرض لان مقام النبوة يحظر عليه ذلك او يعصمه منه ) لكانت أبياته غاية في الجودة .

هناك ايضا الأبيات المنسوبة لأبليس وحواء ولكن هذه الأبيات لا احد يهتم بمناقشتها ، حواء ليست نبية ، كذلك لا تثير القصيدة المنسوبة لابليس اي ردة فعل ،فليس من المستبعد ان يقول ابليس شعرا ، اذ هو في الاصل من الشعر ألا يقال ان الشعر {نفث الشيطان } ، الم ينعت في رسالة الغفران للمعري بأنه{ قرآن ابليس }.

اما في الانثروبولوجي فهنالك قصيدة اولى تنسب الى شاعرة اسمها ” بلبالة ” تم اكتشاف هذه القصيدة منقوشة على لوحة مزخرفة في متحف اسطنبول عام 1951 . وقد تمكن المؤرخ وعالم الآثار المعروف “صامويل كريمر” من فك رموزها وترجمتها الى الانكليزية ثم ترجمها المؤرخ العراقي طه باقر الى العربية .

ونص هذه القصيدة يذكرنا بالقصيدة التوراتية المعروفة “نشيد الإنشاد” وفي حالة وجود بعض التماثل بين النصين فيكون ” نشيد الإنشاد “هو المقتبس عنها وليس العكس لأنها اسبق منه بالظهور .

ومن المحتمل ان يكون العبرانيون قد اقتبسوها عن حضارة ما بين النهرين في فترة السبي وادخلوها في توراتهم .تحت اسم نشيد الإنشاد . وهذا الاحتمال ليس فيه مساس بقدسية التوراة الأصلية الموحى بها من الله .( أورده الدكتور إحسان هندي في كتابه ” أشهر شاعرات الحب بين الشوق والغرب عن – وديع بشور : سومر وآكاد – دمشق 1981 – ص 127،128 )

لكن عثر في عام 1920 على مخطوطة تحتوي كتابات وتوقيع انخيدوانا ، حيث تركت انخيدونا مجموعة من الأعمال الأدبية تتضمن أشعارًا مكرسة للإلهة إنانا ومجموعة من التراتيل المعروفة بِـ “تراتيل المعبد السومري” وهي تعتبر أولى المحاولات في الإلهيات المنتظمة.

ويقال انها كانت تعلم الكاهنات الاخريات التراتيل ايضا .

تقول في هذا المقطع الذي تصف فيه تصف معبد إيبابر، معبد إله الشمس أتو، فتقول: ”قرونك المشرقة فضّة… لحيتك اللازورديّة اللامعة… تتدلّى بإسراف“. اما في التسبيحة السادسة لمعبد الإلهة شوزيانا تقول الشاعرة: ”بذرت زهوراً بغزارة… في موقعك النيّر… البيت الموصد الشامخ… للنساء المخلصات“

و انخيدونا هي ابنة الملك الاشوري سرجون الاكدي ، وهذا ما منحها الافضلية لتبوء مكانة كبيرة الكهنة فهذا المنصب كان غالبا ما يمنح لبنات الملوك .

ان انخيدوانا سبقت بلبالة في الاكتشاف كما سبقتها في الظهور والكتابة حيث اكتشفت المخطوطة التي تنسب لها عام (1920). بينما تأخر اكتشاف بلبالة الى حين (1951) كما ذكرنا سابقا ، وقد سبقتها في الضهور ايضا اذ توفيت انخيدونا عام( 2250 ق.م) ، بينما عاشت بلبالة في القرن الثالث قبل الميلاد .

في كتابه ” عباقرة ومجانين” ذكر رجاء النقاش، ان سافو الاغريقية ،هي اول شاعرة في التاريخ ، وقال في هذا الكثير ، لكن تاريخ ميلادها ( 610- 560 ق. م ) ببساطة يخبرنا بغير ذلك . ثم ان رجاء النقاش يقول في الكتاب نفسه ” ويقول ويل ديورانت نفسه : ان الاقدميين اذا ذكروا لفظ (الشاعر ) فأنما يعنون بعذا اللفظ هوميروس ، مؤلف الالياذة ، كذلك كان العالم اليوناني كله اذا نطق فيه احدهم بلفظ (الشاعرة ) ادرك الجميع ان المقصود بذلك هي سافو ” .

هناك ايضا شاعرة فرعونية تدعى” بيتوحا ” وهي شاعرة من الشرق، تعتبر من أقدم الشاعرات الغنائيات في العالم، إنها بيتوحا الفرعونية التي عاشت في مصر (دلتا النيل) في أوائل الألفية الثانية قبل الميلاد.

بدأ اكتشاف قصيدة بيتوحا عندما عثر عالمُ الآثار الألماني “شبيغل بيرغ” في متحف الآثار القديمة في القاهرة، على نصّ مرقومٍ بالأحرف الهيروغليفية، وعندما قام بفكّ رموز الرُقيم؛ وجدَ فيه قصيدة حبّ جميلة، تحتلط فيها المشاعر العاطفية بالإيحاءات الإيروتيكية، فقام بترجمتها إلى اللغة الألمانية، ونشرها في مطلع القرن العشرين تحت عنوان “أحلام عاشقة”.

ولقد أوردَ الباحث الألماني “أدولف إرمان” (Adolf Erman) (1854-1937) هذه القصيدة في كتابه “الأدب المصري القديم” (Ancient Egyptian Literature) عام 1923، والذي تُرجم وصدر باللغة الإنكليزية عام 1927، ما مكّنني من ترجمة القصيدة إلى اللغة العربية. يُذكر أن “إرمان” قام بوضع بضعة ملاحظات على قصيدة بيتوحا، حيث وجد فيها بعض التقاطع مع “نشيد الأنشاد” في العهد القديم، من حيث تشابه مفردات الفضاء الجغرافي، ومن حيث أن القصيدة تجمع بين الحوار والمونولوج، ومن حيث مخاطبة المحبوب بالأخ، وهذا يذكّرنا بـ “نشيد الأنشاد” (يا أختي العروس). واعتبر “إرمان” إن هذا النص من النصوص القديمة التي تطوّرت زمنياً حتى شكّلتْ “نشيد الأنشاد” . ( عبد الكريم بدرخان – الحوار المتمدن 19-7-2014) .

نعود الى قيصر امين بور حيث يقول أن المأثورات لا تتحفنا بشئ في هذا الميدان ، فلم اعثر بين النسخ الخطية القديمة على أي تذكرة كتبوا عليها : ( تذكرة الشعراء ساكني الكهوف ) او ( تذكرة الشعراء النياندرتاليين ) ، او ( تذكرة الشعراء الشبيهين بالقرود ) .الحقيقة ان الامر كما لو سألتم: (اين حدثت اول ابتسامة انسانية ومتى ؟ ) ، او سألتم : ( من هو مخترع الابتسامة ؟ ) او (ما اسم مكتشف الدموع ؟ )ويردف:

أخال ان ثمة سبيلا اخر للوصول الى جواب هذا السؤال ، وهو ان نلجئ الى ينبوع هذا النهر الخيالي المتعرج الصاخب الزخار ، الى النسخ الخطية ، ولا نعرف سوى ان نهر الشعر ينبع من قمة الخيال ، وقمة الخيال ، اعلى قمة في سلسلة جبال ” قاف”1

والحقيقة ان سلسلة جبال قاف ، في الجهة الاخرى من حدود جغرافيا العالم وعاصمة ارض الاساطير .

ثم يبدو ان نتائج التحقيقات النظرية والعملية قريب بعضها من بعضها الآخر ، سواء الرؤية الاولى التي عدت آدم اول الشعراء(فاذا عددنا آدم اول الانبياء ، لكان شاعرا ايضا . فأصل القصة أن الآدميين الصالحين كلهم شعراء كذلك الفلاسفة والاولياء والائمة شعراء ولولا خشية الكفر لقلت ان كل الانبياء شعراء وفوق هذا كله لقلت ان الله ايضا شاعر ، فحين اقول ان كل الادميين الاخيار شعراء ، استطيع القول ان كل الشعراء اخيار طبعا ، كل ” الشعراء ” ، اي اني اشدد على كلمة الشعراء لذا حينما تشاهدون بعض الشعراء ادميون اشرار ، اعلموا إنهم اما ليسوا شعراء او ليسوا ادميين)

أم الرؤية الثانية التي تحرت ينبوع الشعر في جبل(قاف ) ام الرؤية الأخيرة التي شاهدناها بأم أعيننا .

 

يبين أرسطو في كتابه ” فن الشعر ” ، ضرورة الشعر للنفس الإنسانية، فيردها الى نزعتين راسختين في الطبيعة الإنسانية : النزعة الى المحاكاة ، والنزعة الى الانسجام والإيقاع .

 

فيبدو أن الشعر نشأ عن سببين كلاهما طبيعي . اذ ان البحث في نشأة الشعر يفضي الى بحث في الطبيعة الانسانية ، ويعتقد روستاني ( Rostagni) ان الآراء التي يعرضها أرسطو هنا، كانت جزءا من محاورة أرسطو ( في الشعراء ) فالشعر أمر طبيعي في الإنسان لان سببيه طبيعيان هما :

أولا – النزعة للتلقيد والمحاكاة التي بها يتميز الإنسان عن سائر الحيوان ويكسب معارفه الأولى .

 

ثانيا – اللذة التي يشعر بها الإنسان في تأمل أعمال المحاكاة . والسبب الثاني يرجع الى الأول .

 

لكن إحسان عباس في كتابه( فن الشعر) يقول في هذا الموضع ” ومع ان هذه النظرية هي أساس كتاب الشعر الذي ترجم الى العربية ولخص مرات ، فأنها لم تؤثر في قاعدة الشعر العربي لا لان العرب لم يفهموها فحسب ، وانما لان إمكان انطباقها على الشعر العربي كان أمرا متعذرا ايضا ، فهي قد تبسط ضلها على الشعر الدرامي والبطولي والديثرامب ، ولكنها لا تستطيع ان تشمل أنواعا أخرى من الشعر مثل الكوميديا الإلهية وشعر المتنبي ”

يجدر بالذكر ان في حوار مع الشاعر والناقد علي جعفر العلاق سئل فيه ، هل كان ادم أول الشعراء ؟

فأجاب مستشهدا ببيت شعوي للمعري :

نظرت لأمر الحاضرين فرابني               فكيف بأمر الغابرين اصدق

 

وأكمل ” أتوقع أن أول بيت شعري كتب ، كتبه أول من خاف ، أول بيت شعري سجل كان لإنسان مذعور أو محب أو متأمل ، أقصد الانفعال ” .

 

—————————————————————-

 

* ( قاف جبل أسطوري خيالي يدل على المكان النائي والبعيد الواقواق)