الجزائر – جعفر خلوفي
وهو يتحدّث عن حياته وأدبه، لا يتوقّف الروائي الصيني،(1955)، المعروف أدبياً باسم مو يان، عن استعادة ذكريات طفولته، والتي يقول إنه يستحضرها في كتاباته ليُعيد رسمها في شخصيّات وأماكن وأحداث رواياته.

بالنسبة إليه، فإن الكاتب، ومهما كانت طبيعة محيطه ومجتمعه، يعتمد أساساً على ذكريات الطفولة. وفي الندوة، التي قدّمها مؤخّراً ضمن فعاليات الدورة الثالثة والعشرين من “معرض الجزائر الدولي للكتاب”، المستمرَّة حتى العاشر من تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، بدأ الكاتب الصيني حديثه من مرحلة الطفولة التي يعتبرها منبعاً أساسياً في إبداعه الأدبي.

يقول: “كنتُ طفلاً يعيش في قرية… توقّفتُ عن الدراسة في الصف الخامس، ثم وجدتُني أجالس من هُم أكبر منّي سنّاً، وأستمع إلى أحاديث جدّي وجدّتي وكبار السنّ في القرية. قضيتُ وقتاً كبيراً من طفولتي في عالَم الكبار، وكانوا جميعاً يروون قصصاً وحكايات تتراوح بين التاريخي الحقيقي، والأسطوري الخرافي”.

هذه الحكايات التي ترسّخت في ذهن مو يان (تسميةٌ تعني لا تتكلَّم)، منذ وقت باكر، هي ما سيُشكّل، لاحقاً، مخزوناً يستند إليه في الكتابة، هو الذي يعترف بأنه لم يتصوّر يوماً أن تتحوَّل مرويات جدّته إلى عمود فقري في الروايات التي سيكتبها بعد عقود من ذلك. يُضيف: “اكتشفتُ أن مغادرتي مقاعد الدراسة أفادتني كثيراً في تطوير حاسّة السمع وتخزين كمٍّ هائلٍ من الحكايات والذكريات”، قبل أن يعقب ضاحكاً: “هذا ليس تشجيعاً للأطفال على ترك المدرسة”.

إلى جانب الحكاية الخرافية، تُشكّل الأحداث التاريخية مادّة أساسية في أعمال مويان الذي يقول: “أعتمد، عادةً، على أحداثٍ وقعت فعلياً، ثُمّ أمنح لخيالي كلّ الحرية في تغيير مسارها”، مضيفاً: “كلُّ الأعمال الأدبية الخيالية، تقريباً، تُبنَى بشكل أو بآخر من منطلقات حقيقية”.

هذا الارتباط بالقرية وعوالمها، جعل منه “واصفاً سيّئاً” للمدينة، وهذا التعبير استخدمه مو يان في معرض حديثه عن ثنائية القرية/ المدينة في أعماله. يقول، بالنسبة إلى الأولى: “أكتب عن القرية لأنّي ابنها. أعرفُ كيف تشتغل آلاتها، وكيف يعمل فلاّحوها… أعرف حتى تفاصيل حياة الحيوانات فيها. كما قلتُ، طفولتي ما زالت الخزّان الأهمّ الذي أغرف منه، وذكرياتي مليئةٌ بصور الحياة الحقيقية في القرى. لذلك، لا أتخيَّل عندما أصف القرية”.

أمّا بالنسبة إلى الثانية، فيقول: “رغم أنّني أعيش في المدينة منذ سنوات، إلّا أن وصفها والغوص في تفاصيلها لا يزال مستعصياً عليَّ”. يعترف، هنا، بأنه حاول، أكثر من مرّة، كتابةَ رواية تدور أحداثها في المدينة، من دون أن ينجح تماماً في ذلك: “الجميع يرى أن كتاباتي حول المدن سيّئة جدّاً، لأني لا أتمكّن من الوصول إلى روحها”.

لكن ذلك لا يعني الاستسلام لاستعصاء المدينة على الكتابة، بحسب مو يان الذي يُضيف بأنه وظّف مظاهر العولمة التي اجتاحت كلَّ العالم، بما فيه القرى النائية، لكي يخلق مدناً صغيرة داخل القرى في بعض أعماله، كما في روايته “الضفدع” (2009)، والتي تناولت مسألة الإنجاب في بلاده.

إضافةً إلى الذكريات، يقول صاحب “مطر هاطل في ليلة ربيعية” (1981) إن الأحلام تُشكّل مصدراً هامّاً لأعماله. كيف ذلك؟ يُجيب بالقول: “بإمكاني أن أرى حلماً ثمّ أعيد صياغته في رواية”، مضيفاً أنه يعتمد، أيضاً، على مشاهداته اليومية: “ليس مستبعَداً أن تجدوا في روايتي القادمة مبانيَ جزائرية جميلة، سأُقحمها في فضاء العمل الذي سيروي قصصاً صينية داخل مبنى جزائري”.

عن استقبال وقراءة أدبه في الصين، يقول مو يان إن النقّاد صنّفوا كتاباته، سنوات الثمانينيات، ضمن أدب البحث عن الجذور، وهذا التيار، يضيف، “ظهر مع ترجمة الأدب الغربي إلى الصينية؛ حيث لم يكن الكثير منّا قد قرأ من قبل للكتاب الغربيّين. وعندما تعرّفنا إلى فوكنر وماركيز وغيرهما، رحنا نقلّد أدبهم مع وضعه داخل بيئة صينية”، مردفاً: “وكما يعلم الجميع، التقليد وحده لا يصنع إبداعاً، وإن أردتَ للأدب الصيني أن يتميّز على المستوى العالمي، فعليك أن تكتب حول الصين وخصوصيتها، من دون أن تحاكي إبداع غيرك”.

هنا، يتحدّث الروائي الفائز بجائزة نوبل للآداب سنة 2012، عن محاولاته التخلّص من أثر الأدب الغربي في أعماله: “عدتُ إلى داخلي، إلى موروثنا الشعبي الصيني، واستطعت أن أقدّم في روايتي “عقوبة الإعدام بخشب الصندل” ما أَعتبره أدباً يبحث في الذات بطريقة مغايرة”.

وعلى ذكر غابريال غارسيا ماركيز، يقول مو يان إن علاقته الفكرية مع الروائي الكولومبي أرهقته، بسبب صعوبة التخلُّص من تأثيره: “تأثّرتُ بماركيز كثيراً في الثمانينيات، ثمّ سرعان ما انتبهتُ إلى ضرورة التخلُّص من سطوته وجاذبيته غير العادية”.

يُضيف: “عندما قرأتُ الصفحات الأولى من “مئة عام من العزلة”، كان أوّل ما تبادر إلى ذهني هو هذا السؤال: هل هكذا تُكتَب الروايات؟ ثمّ وجدتُني أُجيب: لو كان كلّ الأدب يُكتَب على هذا النحو، فسيكون بإمكاني كتابة الكثير من الروايات، فإن كان هو يكتب واقعيةً سحريةً، فالكثير من الحكايات التي في ذهني، حول موطني والقرية التي أتيت منها، تتخطّى واقعية ماركيز السحرية بأشواط. لذا أنا في عراك دائم معه، وأُحاول إبعاده عنّي كلّ مرّة”.

وحول تأثير فوزه بنوبل للآداب، يقول صاحب “الحلم والأوباش” إنّ الجائزة كانت بمثابة هدية لكل الأدب الصيني الذي قال إن فيه أسماء أخُرى تستحقّ الجائزة: “فوزي لا يعني أنني كنتُ الأفضل؛ فعالَم الأدب مختلفٌ تماماً عن عالم الرياضة”، مضيفاً أن من آثار الجائزة ارتفاع مبيعات كتبه من مئتَي ألف نسخةٍ للعمل الواحد إلى مليونَين، وترجمته إلى خمسين لغةً أجنبيةً، بعد أن كان مترجماً إلى عشرين لغة.

في ختام الندوة، أجاب مو يان بسرعة خاطفة عن سؤالٍ حول حرية الإبداع في الصين وحقيقة الرقابة والخطوط الحمراء الكثيرة التي تُضيّق على المبدعين: “هناك بعض الممنوعات في الصين مثل أي بلد”. بدت الإجابةُ هروباً دبلوماسياً من كاتبٍ يعرف متى تُقال الجمل القصيرة التي لا تعقيب بعدها.

https://www.alaraby.co.uk/culture/2018/11/