“ثمة عدة أماكن يمكن أن يتوه فيها المرء، لكن لا يوجد مكان أكثر تعقيداً من مكتبة، بل إن الكتاب الواحد يمكن أن يُمثِّل مكاناً نضيع فيه ونتوه”. ربما كان هذا المجتزأ من “مكتبة بابل” لبورخيس هو “التصدير الخفي” لرواية البرتغالي أفونسو كروش “الكتب التي التهمت والدي” والتي صدرت مؤخراً ضمن منشورات مسكيلياني بتونس، بترجمة سعيد بنعبد الواحد. غير أن “كروش” شاء أن يُضمِّن ذلك المجتزأ داخل الخطاب الروائي بدلاً من أن يسوقه كتوطئة “تسبق” متنه. التصدير يضعه “المؤلف الواقعي” أما ما يُضمَّن داخل النص فيصير ملكاً للسارد، ويصبح جزءاً من عملية “التناص” كونه يقع في نطاق الصوت “الفني” وصاحب “وجهة النظر” داخل “الخطاب”، ليغدو بالتالي جزءاً من النص.

 يردد السارد، مع بورخيس، مجتزأه، ليُرجِّع صداه داخل الخطاب السردي نفسه وليس خارجه أو على حافته، قبل أن يؤكد على “تبنّيه” الخاص لذلك المنطق: “كذلك حدَّثتُ نفسي وأنا جالس في العلية وسط كل تلك الكتب”. بتبني السارد لعبارة بورخيس، يتحد صوت السارد “الآني” بالسارد السالف، على شرف روايةٍ تقطعها الظلال البورخيسية.

 لن يلبث السارد أن يعيد صياغة فكرة بورخيس، بكلماته الخاصة هذه المرة: “إن المكتبة متاهة. وهذه ليست أول مرة أتوه في واحدة من المكتبات، فأنا وأبي نشترك في هذا الأمر. وأظن أن هذا هو ما وقع له. لقد تاه وسط الحروف، والعناوين، وضاع وسط الحكايات التي كانت تسكن رأسه”.

 شاء “كروش” إذن أن يترك سارده يكشف عن النص الخفي الذي “حفّز” ظهور ذلك النص المعلن. وبهذا ففعل “المعارضة” قائم في هذه الرواية من اللحظة الأولى، معارضة لن تلبث أن تتجاوز بورخيس ليصبح النص بإجماله مسرحاً لنصوصٍ أخرى، لا تبدأ بـ”الكوميديا الإلهية” لدانتي ولا تنتهي عند “ظل الريح” لكارلوس لويس ثافون. يفعل كروش ذلك وكأنه أراد لروايته نفسها أن تصبح صورة من مكتبة، يمكن في كل ركن منها أن تعثر على كتاب.

سردية ترجيع الأصداء

 يذهب كروش بالتصور البورخيسي لترجمة “حرفية” هي ما يمنح هذا النص عجائبيته. إننا نغرق في الكتب مجازاً لدى فعل القراءة، لكن “فيفالدو بونفين”، موظف مصلحة الضرائب، يغرق فعلياً داخل أحد الكتب، أثناء انهماكه في فعل “التلقّي”: “ذات مساء، مثل عدة مساءات أخرى عديدة، راح والدي يقرأ كتاباً وضعه تحت مطبوع خاص بالضريبة على الدخل حتى لا ينتبه رئيس المصلحة إلى أنه لم يكن يشتغل. في ذلك المساء، ولفرط انغماسه في القراءة وقوة تركيزه، ولج إلى داخل الكتاب. تاه في القراءة. وعندما حلّ رئيس المصلحة بمكتبه، لم يكن موجوداً فيه”.

في هذه الرواية، كما في أعمال أخرى للكاتب نفسه، يخلق “كروش” مساحته الخاصة من مزج الواقعي بالتخييلي، مقدماً صوته الخاص داخل أدبيات تيار الواقعية السحرية، الذي يضم أصواتاً عديدة، بينها مواطنه “جوزيه ساراماجو” بالذات. يختار أفونشو أن يكون سارده هو الابن “إلياس” الذي فقد أباه، وهو طفل في الثانية عشرة من العمر، ليسرد الرواية بلغة الطفل البسيطة ووفق رؤيته للعالم، التي لا تخلو بداهةً من خلط الواقعي بالمتخيل باعتباره من السمات الجوهرية للطفولة في تعاطي العالم. تُسرد (حكاية فيفالدو بونفين العجيبة الغريبة)، وهذا هو العنوان الفرعي للرواية، من وجهة نظر الطفل الذي يجد نفسه مضطراً، يوم إتمامه الثانية عشرة، لمعرفة حقيقة اختفاء أبيه، ومن ثم، محاولة العثور على ذلك الرجل الذي “لم يعد من أهل هذه الدنيا”، لكن دون أن يكون قد مات.

من اللافت أن الرواية التي تبتلع “فيفالو بونفين” تنتمي للخيال العلمي بالتحديد، وكأن “كروش” شاء أن يُشيّد نصه في مثلث تخييلي بالكامل: فالتباس الواقع بالخيال يسم الحبكة، ورؤية السارد، وموضوع السرد معاً.

في منحى عجائبي ودال، يُشبِّه السارد أحد شخصيات الرواية، زميله في الدراسة بكتاب: “لم يكن نحيلاً البتة، بل ثقيلاً لدرجة يبدو معها أن كل أجزاء رواية مارسيل بروست، التي كنتُ قد مرَّرتُ عينيّ فوقها لماماً، اجتمعت في الشاب المراهق”. إنه أكثر من تشبيه، فهو يكشف عن وعيٍ متنامٍ لدى السارد في رؤية الذوات الإنسانية بوصفها كتباً (وخاصة أننا أمام وصف فيزيقي لشخصٍ من الخارج). لن يكون هذا هو المثال الوحيد لطريقة السارد في رؤية الذوات: “بدت لي حركاتُ أمي شبه الخافتة وكأنها فقرات قرأتها عند تولستوي”. وإذا كان التشيؤ يسم وجهة النظر التي تسلب كائناً ما إنسانيته لصالح الشيء، فإن السارد هنا يحوِّل الذات الإنسانية إلى “علامة”، فالكتاب ليس “شيئاً” (الشيء مُعطى طبيعي) بل علامة سيميوطيقية تنتجها الثقافة.

تشتبك رواية أفونشو أيضاً بوضوح مع رواية “ظل الريح” لكارلوس ثافون (ذات الظلال البورخيسية بدورها) على أكثر من مستوى بما في ذلك البنية، فالبطل في النصين طفل في العمر نفسه تقريباً، وهو في كليهما السارد، بالضمير الأول، وفي الحالتين تتغير حياته بكتاب ملعون، يكتشفه يوم عيد ميلاده بالذات (عبر الأب في رواية ثافون وعبر الجدة في رواية كروش). أيضاً يتبنى الطفل في الروايتين دور “المتحرّي” لنصبح أمام رواية “بحث” عن شخصٍ مختفٍ لم يتأكد موته ويستحيل رغم ذلك العثور عليه، والمفارقة أن هذا الشخص “مؤلف” في الرواية الأولى و”قارئ” في الثانية. الروايتان أيضاً عالمهما الكتب وبطلهما الحقيقي هو المكتبة بوصفها متاهة، المحرك فيهما “رواية” تنطوي على لعنة، هي “ظل الريح” لدى ثافون، التي لا وجود لها في الواقع، وهي هنا “جزيرة الدكتور مورو” لإتش جي ويلز. فضلاً عن ذلك تتبنى الروايتان بنيةً واحدة هي الحكايات التي تتوالد من حكايات عبر قصةٍ إطارية (بإلهام من بنية ألف ليلة وليلة)، بحيث يُشكّل كل فصل حكاية مستقلة تتوفر على حبكة مكتملة تُمكّن من قراءتها كنصٍ في ذاتها. في الروايتين أيضاً تُخفي البنية السطحية بنية أعمق هي التساؤل عن فكرة أثر الكتاب والتعامل مع الوجود باعتباره مكتبة (مقبرة الكتب المنسية لدى ثافون تقابلها مكتبة العلية عند كروش). وكأن إحدى الروايتين، في فعل معارضةٍ أدبي، وجه للأخرى، حتى لو تجاوزت رواية ثافون الـ600 صفحة، فيما اكتفت رواية كروش بـ114 صفحة مع فصول شديدة القصر (ثمانية وعشرون فصلاً لا يتجاوز بعضها نصف صفحة).

 في اشتباكٍ آخر، يحتشد “فيفالدو بونفين” بظلال منعكسة من شخصية “دون جوزيه”، بطل “كل الأسماء” لساراماجو، فهو نفسه الموظف البسيط في مؤسسةٍ تختزل آلة البيرقراطية الجهنمية والخامدة (سواء أكانت مصلحة الضرائب أم السجل المدني في رواية ساراماجو). والبطل في الحالتين يرزح تحت “ولعٍ” ما، يُلامس حافة الجنون (موضوعه هنا الكتب وهناك قوائم المشاهير) يقوده ليعيش عالمين متداخلين (الواقع/ الخيال) داخل أروقة الدولة وعالمها الجاف المصمت وتراتبيتها الطبقية التي تجعل كلا الشخصيتين تقبع في الدرك الأسفل من آلة النظام المنسية والمقبضة والجهنمية في الآن نفسه، ما يربط الروايتين معاً بجذرٍ كافكاوي يدعمه توظيف محسوب للسخرية.

الواقع هو النص

لم يعد الواقع هو المرجع الوحيد للنص الأدبي. لقد وصل الارتياب من مفهوم الواقع في أسئلة النقد الحديث حد التشكيك في وجوده بالأساس، مع تصاعد الاعتداد بفكرة أن الرواية (كمنتج لغوي) لا تحيل إلى الواقع، حيث لا يمكن للغة أن تساوي الواقع أو تكون محض انعكاس له، بل ربما تحيل إلى “نصوص الواقع” باعتبارها الحقيقة الوحيدة. البطل هنا هو عالم الكتب، هو المكتبة، باعتبارها الوجود، فالمقبرة الوحيدة التي يمكن العثور فيها على جثمان فرناندو هي كتاب: أحرف وكلمات وسطور. وكأن واقع هذه الرواية هو الكتابة نفسها، أو بتعبير السارد: “ذلك أننا نتشكل من الحكايات، وليس من الجينات ورموزها، ولا حتى من اللحم والجلد والعضلات والمخ. نعم، نحن نتشكل من الحكايات”.

سيدلف “إلياس” داخل رواية ويلز التي ابتلعت والده، لتصبح هي واقع هذه الرواية، و”لندن” مدينتها المتخيلة، حتى أن إلياس سيشير لاحقاً إلى “هدوئه البريطاني” وقد التبس بالمدينة “الفنية”. من بوابة رواية ويلز سيدخل إلياس كتباً/ متاهات أخرى، يعايش أبطالها ويحاورهم ويصير جزءاً من “المتخيل” كأنه يحرِّفه: من “دكتور جيكل ومستر هايد” لستيفنسون إلى “مزرعة الخنازير” لأورويل للجريمة والعقاب لدستويفسكي. رحلة بحث إلياس عن أبيه ستصبح رحلة بحثه عن نفسه، من خلال واقع وحيد متاح هو واقع النصوص الذي يزحف رويداً ليبتلع الواقع الخارجي بشخصياته التي تخفت كلما تقدم النص، وكأنما تُبتلع بدورها في الواقع “النصي”.

على بساطتها الظاهرة، تناقش رواية “كروش” هذه الفكرة بإلحاح، وهي مسألة ليست بالهينة عندما يكون السارد مقيداً بصوت الطفل ووعيه، وهو ما حرص “كروش” ألا يخونه طيلة النص. مع الفصل الأخير فقط، نكتشف أن السارد قفز زمنياً، لنواجه صوته وهو في الثانية والسبعين، وكأن كل الحكاية الماضية محض استعادة يمسك بها صوت الطفل، غير أنه يظل متشبثاً بالعبارة المحورية نفسها: “الإنسان مُشكّل من تلك الحكايات، وليس من الجينات والعضلات والعظام. حكايات”، والتي بها ينهي مرويته.

 وربما كان هذا الاختيار “الصعب” لسارد لا يملك وعي طرح أسئلة مجردة كالتي تطرحها رواية كروش، هو نفسه سؤال هذه الرواية الأعمق: فالقارئ هو دائماً ذلك الطفل الذي يجد نفسه مضطراً لفك شيفرات أعقد منه، ومن ثم شريكاً فيها. إنه الضائع في المتاهة وصاحب مفتاحها في الوقت ذاته. رواية “كروش” في ظني هي نص في مديح “القارئ”، تمنح تلويحة امتنان لفعل “التلقي”، بيد طفلٍ على الأرجح، فيما تُشيد المقبرة الوحيدة التي تمنح حياةً مضاعفةً لمن تُواريه: الكتاب.

 (ضفة ثالثة)