عبد المجيد محمد خلف

نشر وإنتاج المحتوى المعرفي والثقافي، وكل ما يلزم لسير هذه العملية بمواصفات العصر الرقمي الذي نعيش فيه، يحتاج إلى جهود كبيرة ومتضافرة من أجل بلوغ الغاية والهدف الرئيس الذي نسعى إليه في عالم سِمته الأساسية التغيير والتطور، ويتطلب في الوقت نفسه وعياً معرفيّاً وثقافيّاً بقيمة ذلك التطور، الذي لم يأتِ من فراغ، إنما هو بالمحصلة مجمل نشاط الإنسان، في سبيل توفير الخدمة في كافة المجالات، وتقديمها بالصورة المناسبة للمجتمع، من أجل أن يتماهى مع ذلك التطور، ويتمكن من استخدامها بما يتناسب واحتياجاته الخاصة.
إلا أنّ هذه العملية تعترضها عقبات عدّة، تزداد اتساعا وتنوعا باتساع الهوة بين الخدمة المقدّمة، وبعد الإدراك المعرفي والثقافي للمُستقِبل لها، ولقيمتها.
لذلك لا بد من القائمين في هذا المجال من اتخاذ الخطوات الجريئة، لتسهيل عملية تداول المحتوى الثقافي، وجعله في متناول يد الجميع، وتجربة الكتاب الصوتي تعتبر تجربة رائدة في هذا المضمار، إذ أخذت (شركة الكتاب الصوتي) التي تأسست في عام 2016 على عاتقها القيام بدور كبير في نشر الأعمال الثقافية والأدبية على نطاق واسع، وعلى كافة الأصعدة، وبلغت مراحل متقدمة جداً في هذا الموضوع، من خلال التعاقد مع الكتّاب والمثقفين، والتمكّـــن من الحصول على الكثير من الكتب والمخطوطات، وطبعها (صوتياً وورقيّاً).

ما زال بعض الكتّاب لا يعلنون عن كتابهم المنشور صوتيّاً من قبل الشركة، كما يفعلون في مجال الكتاب الورقي.

ولكن ما يميّز تجربة الكتاب الصوتي – أو إن صح التعبير (الطباعة الصوتية)- اتساع حقل تداولها، نشرها وتسويقها، في كافة الوسائل المتاحة من منصات إلكترونية، وتطبيقات الهواتف الجوّالة، وبعض خطوط الطيران، وهذا بحد ذاته خطوة تحسب للقائمين على المشروع، لأن التسويق بهذا الشكل يختلف كثيرا عنه في تسويق الكتاب الورقي ونشره، الذي لا يبلغ شريحة واسعة من أبناء المجتمع، ويتسبب بمعضلة كبيرة للكاتب نفسه، الذي يقف عاجزاً أحياناً عن القيام بذلك. وعلى الرغم من أن الشركة وجدت في البداية صعوبة في لفت انتباه الكتّاب، وجعلهم يقدمون على التعاقد معها، تمكّنت من تجاوز هذه العقبة، وإثبات قيمة هذه التجربة، بعد أن نشرت مجموعة من الكتب بشكل صوتي، وضمت إليها شركات أخرى ساهمت في إنجاز المشروع الذي يحفظ حقوق الكتّاب، وجعل الشركة (دار نشر) تتمتع وتمتلك كل المواصفات التي تؤهّلها لذلك.
ولكن للأسف! ما زال بعض الكتّاب لا يعلنون عن كتابهم المنشور صوتيّاً من قبل الشركة، كما يفعلون في مجال الكتاب الورقي، في المحافل التي تقام لأجل ذلك في المعارض والمقابلات التلفزيونية والصحافية، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، وربما يعتريهم الخجل أحياناً في ذلك، على الرغم من أنهم يبرمون عقوداً رسمية مع الشركة الصوتية، ويلاقي كتابهم رواجاً أكثر من نسخته الورقية، ويحقق لهم نسبة أعلى من المستمعين لنتائج الطباعة الصوتية، ومتابعة أكبر، إضافة إلى أنه – الكاتب- يجد صعوبة في القدرة على تداول الكتاب ورقيّاً لأسباب كثيرة منها: صعوبة التداول في الكثير من الدول، والرقابة المفروضة على بعض الكتب والكتّاب، وارتفاع ثمن شراء الكتب المطبوعة ورقياً، مقارنة مع المطبوعة صوتياً. ولكن ولهذه العوامل، والنجاح الذي حققته شركة الكتاب الصوتي، أدرك الكاتب ضرورة التعاقد مع الشركة، خاصة بعدما وجد الحاجة ملحّة إلى سرعة انتشار الكتاب، وتوسّع الشريحة والفئة المستهدفة، وأن شركة الكتاب الصوتي تحفل بجناح خاص في المعارض والمهرجانات العربية والعالمية التي تقام لأجل الكتاب، وستأخذ على عاتقها في المرحلة المقبلة ترجمة بعض الأعمال إلى لغات إنسانية أخرى.
بالطبع كل ذلك يعود إلى أن الشركة وفّرت كل الإمكانات التي تمتلكها من استديوهات فنية دقيقة، وعناصر وخبرات متمكنة في القراءة، من حيث التسجيل، والنطق السليم لمخارج الحروف، وتسجيلها الكتاب بصورة دقيقة، أن تكسب ثقة الكتّاب، وتدفعهم إلى التعاقد معها، لما لهذا المشروع من ضرورة في عالم الثقافة والنشر، وتميّزه باللاخطية والمرونة والتفاعلية.

٭ كاتب سوري

((القدس العربي))