سركون بولص: وجها الشعر والنثر

 حسن داوود

بين عامي 1964 و1968 نشر سركون بولص معظم القصص التي تحتويها مجموعة «عاصمة الأنفاس الأخيرة» الصادرة حديثا. واحدة فقط من بين القصص الثلاث عشرة تشذ عن ذلك التاريخ (هي تلك التي أعطت عنوانها للكتاب) حيث نشرت في 1992 تاركة مسافة أربعة عشر عاما بينها وبين آخر سابقاتها. وهذا ما يدفع إلى التساؤل إن كانت هناك قصص تعود إلى ذلك الزمن الفاصل لم يضمّها الكتاب، أو أن سركون توقّف طيلة تلك الفترة عن كتابة القصص منصرفا إلى الشعر ودراسته وترجمته.
كان زمن الستينيات ذاك زمن الشعر، ولهذا ربما مال كاتبنا إليه، على الرغم من موهبة القص الكبيرة التي تحملها قصص الكتاب. لا يظهر سركون بولص هنا شاعرا التفت إلى القصة مجرّبا قلمه فيها، بل هي قصص رائدة ذهبت في لغتها وتقنيّتها إلى ما يتعدى ما كانت عليه فنية ذلك الزمن وبنائيته. ولا يعني ذلك أن كاتبنا في نثره، هو غيره في شعره، ذاك أن ما احتوته مجموعة القصص هذه حافل بالشعر. أقصد الروح الشعرية التي تتخلّل السرد العادي وتقاطِعُه، بأن تُدخل إليه ما قد يبدو، لغير العارفين بالأمداء الواسعة المتاحة لفنون السرد، تلهّيا واستطرادا وخروجا على السياق. في أحيان نفاجأ هنا بالقوّة المبالِغة لدى اختتام قصة ما، وأذكر هنا على سبيل المثال قصة «غرفة مهجورة» حيث يقبض بطلها يوسف على العين الصناعية المستعارة لمعشوقته ويحتفظ بها في كفه تاركا مكانها فارغا في ذلك الوجه. في السطور السابقة من تلك القصة ذاتها لم نُهيّأ لذلك التشوّه. فاجأنا الكاتب، وهو دأب على مفاجأتنا في القصص كلها، مُدخلا ما هو غير منتظَر إلى ما كنا حسبنا أننا زُوّدنا بالبروفايل الكامل للقصة. كأنه، فيما هو يكتب، يحس بأن الجريان الطبيعي، السردي المحض، للقصّ هو ذواء وموت. لتفادي ذلك يجد أن عليه الانتقال بقوة إلى المقطع التالي، كأنه يضع بداية لعمل آخر جديد.

سركون بولص يخاف الموات، الذي يراه متمثّلا في أن يصدر عنه شيء لا يبهر. كل كلمة تكتب حريّ بها أن تضيء. وكذلك هو الحال في ما يتعلّق بالجملة، أو بمعنى الجملة، وكذلك بالمقطع ومعناه. تلك هي خصائص الشعر حسب الاعتقاد الجاري. السرد الشعري عند بولص نجده أيضا في توزيع غرائب طيوره وحيواناته على القصص، الصفحة الأولى من الكتاب، تلك التي تبدأ قصة «عاصمة الأنفاس الأخيرة»، جعلها سركون لوصف حصان العربة التي تجرهما هو ووالده، بل وصف الحصان تخصيصا، أو وجه الحصان، بما يناسب بداية رواية في ما لا تزيد عدد صفحات القصة عن العشرين.
أما طيوره فتحضر بغرابة البشر. مع هذه القصص تتشبه الطيور بنا، نحن البشر، أو أنها تعاني الضيق الذي نعانيه، وإن باستقلال كامل عنا. طائر الخطاف مثلا، كما في واحدة من القصص، لم يظهر مرّة أخرى في المقهى، لكنه، في تلك اللحظة، لحظة تذكّر بطله له، ذكّر الكاتب بخطاف آخر بنى لعائلته عشّا في مرحاض. ثم ذلك الطائر الضخم، الطائر الآخر، الذي حطّ بساقين حمراوين طويلتين قرب جثة القطة وجعل «يتشمم بمنقار كئيب جثة الحيوان المتقرّن». ثم ذلك الوطواط، ذلك الأعمى، الذي جعل يضرب بجناحيه الجلديين جدران الغرفة التي دخل إليها بالخطأ. ثم الضفدعة، ثم الفأر الذي تمسكه من ذنبه يد طفل في تلك العربة الغريبة التي تسكنها عائلة غجرية غريبة. تلك العربة التي هي بيت تقيم فيه المرأة الغجرية مع ابنها وفأره وزوجها الميّت لكن الدائم الإقامة هنا، حيث هو. وهنا، لكي ينهي القصة بما يتلاءم مع غرابة شخصياتها، أو غرابة مخلوقاتها، جعل المرأة تسأل زائرها إن كان يريدها، ذاهبا بغرابة العَربة إلى أبعد، كأن يضيف إليها كونها غرفة للدعارة.
عالم سركون بولص هو في قفز دائم نحو الغرابة، لكنها الغرابة الطالعة من عالم طبيعي وحقيقي. ليس محض توليف قصصي أن تكون تلك المرأة القبيحة البشعة موضع الشهوة العنيفة، فهذا مما لا يخالف إلا ذلك الربط الساذج بين الجمال والرغبة، كما بين النفور والقبح. هو عالم طبيعي، مدينة ذات أسماء وبشر عائدون إليها من هروب أو متهيّئون لركوب القطارات ذهابا، أو واجدون أن ما يعيشونه هو تلك الأنفاس الأخيرة.
«عاصمة الأنفاس الأخيرة» مجموعة قصصية أعادت منشورات الجمل إصدارها للشاعر والكاتب سركون بولص من ضمن مشروع لإعادة طبع أعماله الأخرى- 207 صفحات- 2018.

٭ روائي لبناني

((القدس العربي))