ناجح المعموري

كان لحظة الاطلاع على هذا الشاعر مثيرة للمفاجأة والدهشة . وقراءة المجموعة الكاملة للشاعر السويدي الفذ توماس ترنسترومر لم تمنحني استراحة ولو مؤقتة . حتى صرت مهووساً به ، اقرأه يومياً وباستغراب شديد ، وما زلت حتى الآن معتقداً بأنه الشاعر الوحيد بعد ـ ريتسوس ـ أعود إليه ليمنحني ما أبحث عنه من متروكات وزوائل ، هذا الشاعر جعلني أتعرف عليه أكثر واقترب من الشعر الحقيقي الخفي الساكن في مناطق غير مؤهولة إلا بالدهشة ، هو الذي همس لي عبر أحدى قصائده الكبرى ” أدخلي يا ليلة الربيع الى غرفتنا ، متخفية في زي دقات القلب ” وأنا واثق بأن هذا المقطع هو امتداد لنص شعري ، كتبه بعد مرضه ، والنص كاشف عن ذلك ، يعلن به ومن خلاله تحدياً لمرضه ، فما زال الربيع موجوداً أو حاضراً وما عليه إلا أن يرسل له الدعوة ليدخل غرفته وليفعل ما يحلو له الشاعر فعله . وكأنه يسجل ما هو جديد وغير معيش من علاقة ثنائية مع زوجته . وتدنو منهما الأسطورة الغائبة ـ الشعر صعب وعصى ـ هذا ما قاله ترانسترومر في سيرته ” ذكريات تراني ” والمعيش . في كل لحظة هو الموت / والحياة ، لكن الموت كالهواء يتنفسه ، ويتحداه بصيد الشعر ، مثلما كان يفعل عند صيد العصافير والطيور ، مثل هذه الصور سكنت ذاكرته المتعبة ، لكنه نجح باستثمار كل تفاصيلها . لأن الأشياء كلها حاضرة أمامه وغائبة عنه ، لكنه يراها ويتحاور معها ويستعيدها عبر شعره .
ادخلي يا ليلة الربيع الى غرفتنا ، متخفية في زي ” دقات القلب ” هذا اعتراف توسلي ، لأن الحياة يقظة وقد استعادت كل التفاصيل التي عرفتها قصائد ترنسترومر ومنها ما هو يحلم به ، ويريد حضوره دوماً ، حتى يظل حياً إنه القلب النابض ، الراجف ، من أجل أن تتحول دقات القلب الذي لا يعرف غير الشعر إلا ستاراً ، لإخفاء ليلة الربيع ، التي سيزاول فيها الشاعر اكتشاف شعرية جسد الأنثى / زوجته ، وعلى ليلة الربيع التستر بدقات القلب ، ليس قلبها بل قلب الشاعر . المتعايش مع الحضور اللحظي للشعر ، المانح له معنى الحياة . التي لا قيمة لها بعيداً عن الشعر ، وبلا رائحة لامرأة .
شاعر يزاول الكشط للذي رآه طفلاً وتعايش معه في مدارسه المختلفة التي استحضرها وهو يبتكر طريقة جديدة لمعاينة الزائل بصور مغايره ، حافظت على الجمال فيها وتنكرت للأشياء الأخرى .
الأشجار ، الماء ، الغابة ، هي مكان الأزل الذي لم يتغير ويفقد دهشته ، هذا كلام له ، قاله مرات عديدة في حواراته الصحفية التي لم تفقد الأنا أو تخسر الذات من حضورها البهى . غابته الحارسة لأحلامه ، هي الوحيدة رمزياً في ذاكراته القادرة ، على حماية حياته وإجلالها والتغني بها واستمرار رقصته مع إيقاع الشعر ، كي تراه كل أشجار الغابة . هذا هو الشاعر الكبير توماس ترنسترومر . والعودة لمجموعته الشعرية بعد قراءة سيرته ” ذكريات تراني ” سيجد نصوصه المهمة ذات حضور في ذاكرته وسردياته لأنها مصاغة من أحلام له ، عندما كان طفلاً وفتياً وشاباً هي بمعنى قصيدته الأزلية التي لن تموت .
كشفت سيرته الذاتية القصيرة أسراره الصغيرة ، لكنها عندما تقرأ وسط فضاء نصوصه الشعرية تبدو معالم كبرى في الحياة ، حياته هو وعلاقته مع الغابة ، بأسرارها ومخفياتها وما تعنيه ـ الغابة ـ في شبكات الأساطير الإغريقية والرومانية وسيادة الإلهة ارتميس فيها وحضورها المستمر عليها من خلال التفاصيل وهو الذي قال في أحدى قصائده :
ورثت غابة معتمة لكني اذهب اليوم الى
غابة أخرى
الغابة المنيرة ، كل شيء حي يغني
يتلوى ، يلوح ، ويزحف ، إنه الربيع
والهواء شديد القوة ، ويداي خاليتان كمثل
قميص على الحبل
سيرته القصيرة المزدحمة بطفولة ، كشفت عن كائن مختلف ، وربما كان هدوءه ونبوغه بعلوم الحياة والمتاحف هو الملمح الأكبر ، كل ذلك ، كان يتستر على شاعر فذ وفريد وهو الذي قال كما ذكر ” روبن فلتون ” الذي كتب مقدمة السيرة :
قبل أربعين عاماً تقريباً ، كتب توماس ترنسترومر قصيدة تدعى ” طيور صباحية ” لخص فيها فكرته عن القصيدة وهي تكبر وتتشكل ، في الوقت الذي ينكمش فيه الشاعر ويتضاءل : يقول ترنسترومر:
إنها تنمو ، تحتل مكاني …
تدفعني جانباً
تقذف بي خارج العش ….
القصيدة الآن جاهزة !

((المدى العراقية))