أصدقاء لغتنا: مع يولاندة غواردي
 (يولاندة غواردي)
ميلانو ــ العربي الجديد

23 نوفمبر 2018

تقف هذه الزاوية عند مترجمي الأدب العربي إلى اللغات العالمية المختلفة، ما هي مشاغلهم وأسئلتهم وحكاية صداقتهم مع اللغة العربية. “اللغة العربية محيط مترامي الأطراف ولا تكفي حياة واحدة للإبحاطة بها”، تقول الباحثة والمترجمة الإيطالية لـ”العربي الجديد”.
■ متى وكيف بدأت علاقتك باللغة العربية؟
– علاقتي بالعربية بدأت منذ كنت طالبة بقسم اللغات في جامعة ميلانو، حيث درست عدّة لغات أوروبية مثل الإنكليزية والفرنسية والإسبانية والروسية، وتخرّجت من جامعة ميلانو في اللغة والأدب الألماني. ولكي أوسّع معرفتي اللغوية أكثر، درستُ اللغة العربيةوتخرّجت أيضاً من جامعة تورينو في اللغة والأدب العربي. أمّا السبب الثاني لاختياري دراستها فهو عمّي الذي كان يتقن العربية وشجّعني كثيراً على ذلك.

منذ البداية، أحببت دراسة اللغة العربية، ومع أنني كنت قد درست عدّة لغات أوروبية شعرت بأن العربية ستكون لغةَ حياتي. وفعلاً، بقيت علاقتي مستمرّة بـاللغة والثقافة العربيّتَين عموماً وترجمة نصوص مختلفة منها الرواية والقصة والشعر، إلى جانب مجالات معرفية أخرى. بعض هذه النصوص يمكن الاطلاع عليها في مدوّنتي على شبكة الإنترنت.
■ ما أول كتاب ترجمتِه وكيف جرى تلقّيه؟
– كانت رواية “غداً يوم جديد” للكاتب الجزائري عبد الحميد بن هدّوڨة أوّلَ عمل أدبي ترجمتُه من العربية إلى الإيطالية سنة 1995، وكان ذلك العمل جزءاً من أطروحة تخرُّجي في اللغة والأدب العربي. لم يكن عملاً سهلاً ولكن كان يستحق كل التضحيات، حيث حظيت هذه الترجمة بالإعجاب والتشجيع من الكثير من المختصّين في دراسة اللغة والثقافة العربيّتَين، سواءً في إيطاليا أو في بعض البلدان العربية. فكانت بداية موفّقة وشجعتني على مواصلة الترجمة ودراسة اللغة والثقافة العربيّتَين والتعريف بهما في إيطاليا.
■ ما آخر إصداراتك المترجمة من العربية وما هو إصدارك القادم؟
– بعد نجاح العمل الأول، قمتُ بترجمة أعمال أخرى؛ منها روايات وقصص ومجموعات شعرية لمؤلّفين من عدّة بلدان عربية، وكذلك نصوص علمية. من بين الأعمال الأخيرة التي قمتُ بها، مشاركتي في مشروع ترجمة مخطوطة “كتاب الأسرار في نتائج الأفكار” للمهندس العربي أحمد بن خلف المرادي الذي عاش في الأندلس في القرن الحادي عشر الميلادي.

أمّا حالياً، فأعمل كمديرة للسلسلة الأدبية “برزخ” للترجمات من العربية إلى الإيطالية التي تصدرها “دار يوفونس للنشر” (Jouvence) في ميلانو، وهذا يعني أني حالياً لا أقوم بالترجمة ولكن أقرأ الكثير وأتابع نشاط الأدب العربي كي أختار الأعمال المناسبة للترجمة، وبعد ذلك أهتم بمراجعتها. فمن خلال ترجمات سلسلة “برزخ” نودّ تقديم مؤلّفات ومؤلّفين عرب معاصرين للقرّاء الإيطاليّين. والرؤية المعتمدة في هذه السلسلة هي العقلانية والتدقيق، سواءً في طريقة الترجمة والنشر أو في طريقة اختيار الأعمال المميّزة التي أنتجتها الثقافة العربية المعاصرة ونالت إعجاب الجمهور المحلّي وخضعت لتقييم النقّاد المحليّين، وبالتالي تقديم صورة بعيدة عن تدجين النص لا شك في أنها ستفاجئ القارئ الإيطالي وستزعزع قناعاته وتعيد له تلك الصورة التي افتقدها عن العالم العربي المتّسمة بالحركية الثقافية والحداثة والجدل الثقافي. من بين الترجمات التي صدرت عن هذه السلسلة، أذكر رواية “المشرط” لكمال الرياحي، ورواية “الإقلاع عكس الزمان” لإيميلي نصر الله، والمجموعة الشعرية “أحد عشر كوكباً” لمحمود درويش. وهناك أعمال أخرى تحت الترجمة ستصدر قريباً.
■ ما العقبات التي تواجهك كمترجمة من اللغة العربية؟
– العقبة الأساسية هي أن اللغة العربية محيط مترامي الأطراف ولا تكفي حياة واحدة لمعرفتها بالكامل، ولكن في الوقت نفسه هذه العقبة هي التي تبعث في نفسي روح التحدّي والاستمرار وتجذبني أكثر إلى العربية.
■ نلاحظ أن الاهتمام يقتصر على ترجمة الأدب العربي وفق نظرة واهتمام معينين، ولا يشمل الفكر وبقية الإنتاج المعرفي العربي، كيف تنظرين إلى هذا الأمر، وما هو السبيل لتجاوز هذه الحالة؟
– أعتقد أن الاهتمام بالعالم العربي في إيطاليا ينحصر في ما يحدث في الميدان السياسي وبترجمة الإنتاج الأدبي المرتبط به. لذا فمن يريد أن يترجم وينشر الإنتاج المعرفي العربي على وجه خاص في إيطاليا عليه أن يقوم بكثير من الاجتهاد وكثير من الجهد المادي والمعنوي كي يحقّق ذلك. لا شك في أن كل مثقّف واعٍ يعرف تماماً أنه لا يمكن أن توجد حضارة من دون إنتاج فكري شامل يتضمّن الإنتاج الأدبي بمجالاته المختلفة وكذلك الفلسفة والفن والتكنولوجيا وكل ما من شأنه أن يبني الحضارة. ولتحقيق ترجمة الإنتاج المعرفي العربي في إيطاليا، لابد أن يكون هناك تعاون وتشجيع عقلاني وهادف من طرف المعنيين بالأمر، وأقصد هنا الذين يهمهم نشر الانتاج الفكري العربي عموماً، سواءً كانوا من إيطاليا أو من البلدان العربية.
■ هل هناك تعاون بينك وبين مؤسسات في العالم العربي أو بين أفراد وما شكل التعاون الذي تتطلعين إليه؟
– طبعاً، لولا التعاون المتبادل مع بعض المؤلّفين العرب لما كان ممكناً تحقيق الترجمات التي تمكّنتُ من نشرها حتى الآن. وبحكم عملي الحالي – مديرة سلسلة “برزخ” للترجمات من الأدب العربي – ركّزت اهتمامي على الأدب العربي المعاصر، لذلك فالعلاقات مع المؤسّسات والأفراد بالنسبة إليّ أمر مهمّ جدّاً وخاصة في مجال الترجمة؛ فالتواصل مع المؤلّف أمر أساسي لفهم أعماله الإبداعية. وكذلك العلاقات مع المؤسّسات مهمّة جدّاً لمعرفة الجديد مما تنشر من جهة، ومن جهة أخرى لتذليل العقبات المختلفة، سواءً المادية أو المعنوية التي تعيق إنجاز ونشر الكتب المختارة للترجمة.
■ ما هي المزايا الأساسية للأدب العربي ولماذا من المهم أن يصل إلى العالم؟
– برأيي، وهنا أتكلّم عن الأدب العربي المعاصر، ميزته أنه خرج من النطاق الضيق للعالم العربي وبدأ يتكلّم مع الإنسان عموماً، وهذا يعني أنه صار أدباً عالمياً. وإن كانت مواضيعه مرتبطة بالحالة الاجتماعية أو السياسية الخاصة ببلد ما، فرسالته رسالة عالمية. إضافة إلى ذلك، فالإنسان يبني صورة الآخر من خلال قراءة الأدب، وأنا على يقين أن الأدب وسيلة لمعرفة الآخر، فالمعرفة سلاح قوي جدّاً للمقاومة والقضاء على كل الظواهر السلبية التي تنتج عن جهل الإنسان بالآخر.
بطاقة
نالت المستعربة الإيطالية يولاندة غواردي دكتوراه في الأدب العربي من “جامعة تاراغونا” الإسبانية، قبل أن تدرّس اللغة والثقافة العربيّتَين في عددٍ من معاهد وجامعات بلدها؛ آخرها “جامعة ماتشيراتا” الإيطالية، حيث تعمل حالياً، إلى جانب إدارتها سلسلة “برزخ” للترجمات من العربية إلى الإيطالية، ومشروع “إلى” لـ شهادة الكفاءة في العربية لغير الناطقين بها. أصدرت كتباً عديدة عن الحضارة والثقافة العربية الإسلامية، وترجمت أعمالاً روائية وشعرية لكتّاب عرب؛ منهم: عبد الحميد بن هدّوڤة، وجلالي خلّاص، والطاهر وطّار، وأحمد منور، وثريا إقبال وعبد الإله صالحي.

https://www.alaraby.co.uk/culture/2018/11/23/