ثمة محاولات قليلة يمكن رصدها تتوخى تفسير الظاهرة الجنسية ومحركاتها لدى البشر، إذ يتم التعامل مع مسألة الجنس في الثقافة العربية خصوصًا بشيء من الحذر وكثير من القيود التي تفرضها النظم الأخلاقية والاجتماعية والدينية في هذه المجتمعات. من هنا تأتي أهمية صدور الترجمة العربية لكتاب “النساء: الوقوف على الدوافع الجنسية من الثأر إلى المغامرة” تأليف الباحثان في علم النفس: ديفيد أم باس وسيندي أم ميستون، والذي قام بترجمته أحمد الناصح، وصدر مؤخرًا عن دار المعقدين للنشر والتوزيع في العراق.

يُركّز الكاتبان في مؤلَفهما على تحليل دوافع السلوك الجنسي عند البشر لا سيما عند النساء؛ فثمة شبكة من الدوافع لدى النساء أكثر تداخلًا وتعقيدًا مما هو عليه الحال مع الرجال، ويرجع ذلك إلى مجموعة من العوامل بعضها تتعلق بأسباب فسيولوجية وأخرى طبية وثالثة اجتماعية، ومن ثم فالكتاب رغم أنه لا يهدف بشكل رئيسي للوقوف على تأثير العوامل الثقافية على تحديد الدوافع الجنسية لدى النساء إلا أنه يتبينها في تحليله لعدد من الدوافع.

اعتمد الكاتبان على تحليل التجارب الجنسية التي أدلت بها النساء لهما في هذا البحث، مُستفيدان من نظريات عدة: دراسة الدافعيات من المنظور التطوري، المنظور الفسيولوجي بما يتضمنه من تأثير للهرمونات والخواص التشريحية على جنسانية النساء، والمنظور الثالث هو الطبي السريري ويشمل الصعوبات التي تواجه النساء في ما يتعلق بالرغبة والاستثارة الجنسية، أما الرابع فهو المنظور النفسي ويشمل تأثير الحالات الذهنية المختلفة على جنسانية النساء وتأثير التجارب الجنسية على الحالة الذهنية للمرأة.

من خلال عمليات إحصائية اعتمدها الكاتبان تم تصنيف الدوافع في تجميعات طبيعية، وفيها وصف مفصل للعلاقات الجنسية للنساء ودوافع ممارستهم للجنس مُحددين 237 سببًا لممارسة النساء الجنس وطلبا من النساء اختيار أحدها. ومن خلال “السيكسولوجيا” تفرّعت الدراسة نحو علم النفس، علم الأناسة، علم الاجتماع، البيولوجيا التطورية والطب. وركزت على فهم السلوكيات والعلاقات الجنسية وتأثير العوامل البيولوجية وظروف الحياة على الرغبات والهويات الجنسية وتأثير الجنسانية على العلاقات الاجتماعية.

فصّل الباحثان أهم الدوافع في أبواب منفصلة إلا أنهما أشارا في نهاية بحثهما إلى أن الدوافع الجنسية للمرأة في الكثير من الأحيان قد تتناقض؛ فأحيانا ترغب في الجنس في الموعد الأول لكنها ترغب بتأجيله كي لا تظهر سهلة جدا، قد تتقاذفها الرغبات بين رغبة ممارسة الجنس مع عاشق جديد ورغبتها في الحفاظ على إخلاصها لزوجها وتعيش صراعًا بين رغباتها المتضادة كما أن ممارسة المرأة للجنس غالبا ما تكون معقدة ومتنوعة ومتراكبة.

نقاط الجذب

يبحث الكتاب في فصله الأول في سؤال “ما الذي يثير النساء جنسيًا؟” محاولًا الوقوف على أبرز الصفات الشكليّة والخارجيّة التي تُمثل عوامل جذب بالنسبة للمرأة. قد يكون “جمال الشخص تزكية له تفوق أي رسالة تعريف يكتبها عن نفسه” كما يقول أرسطو، فبعض نقاط الجذب بالنسبة للنساء تعود جذورها إلى الماضي بينما نشأت دوافع أخرى بسبب الكيفية التي نعيش بها. ووفق الدراسة، قد تنجذب النساء في الرجل إلى عطره المميز والقوي، ملامح وجهه ووسامته، قوة بنيانه الجسدي وبنيته العضلية، طول قامته، صوته، طريقة حركته، حس الدعابة، إلا أن جاذبية الشكل وحدها قد لا تكون كافية أو قد لا تكون بنفس تأثير جاذبية “الشهرة والمكانة والسلطة” لدى بعض النساء. فالدافعيات وراء جعل بعض الصفات جذابة جنسيا للنساء مجهولة جزئيا وخارج الإدراك الواعي.

ورغم أنه قد شاع لعقود مقولة إن الرجال يمارسون الجنس من أجل اللذة وأن النساء يمارسنه من أجل الحب إلا أن الكاتبين يؤكدان أنه من بين الثلاثة أسباب الأكثر تقديما من قبل النساء كدافع لممارسة الجنس هو تجريب اللذة الجنسية، وبالتالي الرجال ليسوا أكثر بحثا عن اللذة في ممارستهم للجنس من النساء؛ إذ عبّرت نساء على أنهن يحصلن على اللذة الجنسية من التغيرات الفسيولوجية والنفسية أثناء الإثارة الجنسية والنشوة، كما أن اهتمام الرجل باللذة الجنسية للمرأة يعد مؤشرًا بالنسبة للنساء على لا أنانيته وصلاحيته كشريك طويل الأمد وأب جيد.

مثلث الحب

كتاب

يعد الحب من أكثر الأسباب شيوعًا لممارسة الجنس، من خلال الدراسة وجد الباحثان أن السعي وراء الحب والتعلق العاطفي قاد الكثيرات إلى الدخول في علاقات جنسية، كان الحب والقرب العاطفي من الأسباب الأولى الدافعة لممارسة النساء للجنس. يقول الباحثان: “الحب الرومانسي شيء قوي إلى درجة أن السياسيين والسلطات الدسنسة حاولوا عبر التاريخ ومختلف الثقافات التحكم به خوفا من أن يزعزع النظام الاجتماعي والسياسي والديني”. يستند الباحثان في تحليلهما للحب كدافع جنسي إلى نظرية “مثلث الحب” لعالم النفس روبرت ستيرنبرغ الذي يوضح أن الحب يتألف من ثلاثة مكونات هي: الحميمية، الولع، الالتزام. الحميمية تمثل الترابط والقرب مع شخص آخر والرغبة في مشاركة التجارب الخاصة معه. الولع والشغف مشاعر رومانسية حادة ورغية جنسية تجاه شخص آخر ولهفة للتوحد معه. الالتزام كمكون أساسي للحب هو رغبة في الحفاظ على العلاقة:

عبرت العديد من النساء عن أن “الحب” كان دافعًا لهم لممارسة الجنس. أحياناً كان هذا الحب يتوقف عند الحميمية أو الشغف وأحيانًا كان متضمنًا لأضلاع المثلث الثلاثة. بعض النساء كان الجنس بالنسبة إليهن رغبة في حمل الشريك على الالتزام بالعلاقة. يعتقد علماء النفس التطوريون أن العواطف شكل من أشكال الالتزام في علاقة طويلة الأمد لأن اختيار الشريك بناء على معايير عقلية كحيازة الموارد قد يدفع الشريك للتخلي عن شريكه لصالح منافس آخر حائز على أكثر مما لديه من الصفات المرغوبة.

قد لا يكون الحب دافعًا بالنسبة لبعض النساء، وهنا يحلل الباحثان ذلك بالقول: “بعض النساء يمارسن الجنس رغم وجود قدر قليل من الحب أو الارتباط العاطفي وهن عادة يكن ذوات شخصية انبساطية ومنفتحتات أكثر على التجارب الجديدة من كل الأنواع، ورغم أن العديد من النساء لا يتطلبن الحب أو يبحثن عنه للإقدام على ممارسة الجنس، فإن النساء أكثر من الرجال يعتقدن أن الجنس لابد أن يكون مصحوبا بالحب، فالنساء غالبا ما يرين الحب كأحد الشروط المطلوبة للجنس بينما الرجال يرون الجنس أحد ملامح الحب.

التنافس الجنسي

أجرى مختبر باس مقابلات مع النساء لمعرفة أي التكتيكات أكثر شيوعا وفعالية يستخدمنها للفوز بالقرين وتبيّن أن الكثير منها يتمحور حول المظهر الجسمي للنساء وطرق العناية بأنفسهن. وأوضح الباحثان أن هناك دراسات عدة تؤكد أن النساء في طور الإباضة يزدن من شهوانية مظهرهن من أجل النجاح في التنافس الاقتراني. قد يكون هذا الدافع مدخلًا لدافع آخر وسببًا له، فالتفاخر والتباهي بعلاقة جنسية قد يكون دافعا للمرأة للثأر من منافسة جنسية لها، فممارسة الحب مع حبيب سابق لامرأة أخرى يمنحها إحساسا بالانتصار والثأر في آن واحد.

تشير الدراسة إلى أنه في المجتمعات التي تمارس تعدد الزوجات يجد الرجال الأكثر مرغوبية غالبا أكثر من زوجة، فالكثيرات من النساء يفضلن أن تكون الزوجة الثانية أو الثالثة لرجل ذي مكانة مرموقة على أن تكون الزوجة الوحيدة لرجل منخفض المكانة، وفي المجتمعات أحادية الزواج فالنساء يجدن أن الرجال الأكثر مرغوبية مقترنون بالفعل وتجعل العادات والتقاليد الثقافية والقواعد الدينية هؤلاء الرجال الجيدين خارج اللعبة، ما قد يدفع النساء لتبني استراتيجية إغواء القرين وسلبه من قرينته الحالية والرجال أيضا يمارسون نفس الاستراتيجية.

في دراسة أجراها عالم النفس التطوري ديفيد شمت شملت 16964 فردا في 53 بلدا وجد أن نسب إغواء القرين تختلف عبر الثقافات. إذ تميل لأن ترتفع في بلدان الشرق الأوسط وتنخفض في بلدان آسيا ولكن في جميع البلدان أقر عدد كبير من الأفراد أنهم حاولوا يوما غواية قرين مرتبط. ففي العديد من بلدان الشرق الأوسط وفي ظل تقييد جنسانية النساء بالعادات والتقاليد العربية والشريعة الإسلامية فإن ما يقارب 64 بالمئة من الرجال و54 بالمئة من النساء أقروا بأنهم تم إغراؤهم رغم ارتباطهم بشريك فعلي.

الغيرة الجنسية

ينوه الباحثان بأن الغيرة وردود الأفعال إزاءها تكاد تتماثل في جميع الثقافات مع وجود استثناءات طفيفة، فالدراسات عبر الثقافية للغيرة أظهرت أن التعاطي مع الخيانة بوصفها تهديدا يكون أكثر حدوثا تحت ظروف معينة منها: إذا كان الزواج لابد منه، إذا كان من المتعذر ممارسة الجنس خارج الزواج، إذا كانت الملكية فردية، إذا كان امتلاك أطفال مهماً.

يشير الكتاب إلى أن الشعور بالغيرة كان دافعًا ومحركًا لقرارات عدة على مدار التاريخ، ففي القرون الوسطى ونتيجة محاولة التحكم بسلوك الحبيب بسبب الغيرة، كان النبلاء يقومون بإلباس زوجاتهم أحزمة العفة لضمان إخلاصهن، أيضا فكرة ممارسة ختان الإناث الشائعة في العديد من الثقافات هي نتاج الغيرة، إذ يقدر الخبراء أن 80: 120 مليون امرأة عبر العالم قد أخضعت لشكل من أشكال بتر العضو التناسلي الخارجي بهدف خفي هو تقليل النشاط الجنسي للمرأة بالخصوص خارج الزواج.

في الدراسة، صرّحت النساء أكثر من الرجال بتعمدهن إثارة غيرة الشريك لتحقيق ثلاث وظائف: الرفع من مرغوبيتها في عين شريكها، ردة فعله على الاستفزاز تعد اختبارًا لمدى التزامه بالعلاقة، احتمالية ارتفاع التزام الرجال مع المرأة المرغوبة من قبل الآخرين تزداد بشكل كبير. كما تشير الدراسة إلى أن ممارسة الجنس كان محركه لدى بعض النساء الرغبة في الشعور بالجاذبية وتعزيز الثقة بالذات، فهناك ارتباط نفسي بين نجاح الحياة الجنسية والانطباع الذي نكونه عن أنفسنا.

اختلافات ثقافية

رغم ما تمتلكه النساء في بعض المجتمعات من رقعة حرية أكثر اتساعًا خصوصًا في ما يتعلق بأوضاع المرأة إلا أن الكتاب يشير إلى أن التقاليد تفرض أوضاعًا تكاد تتشابه ما بين الثقافات المختلفة، ومنها مسألة إفصاح النساء عن غرائزهم الجنسية؛ إذ يظل الرجال أكثر إفصاحًا عن غرائز أقوى، وهو ما تبرره الدراسة بأسباب تتعلق بطبيعة الهرمونات المختلفة عند الرجال والفروق التشريحية للأعضاء التناسلية لدى كل من الرجل والمرأة، لكنه في الوقت ذاته ثمة تقاليد تفترض ضرورة اتخاذ الرجل لخطوة المبادرة في العلاقة. ضعف الرغبة الجنسية لدى النساء ترجعه الدراسة إلى أسباب ظرفية أحيانًا تتعلق بالإرهاق وتراكم المسؤوليات والمهام على عاتق المرأة، وفي بعض الأحيان تنخفض الرغبة بسبب عوامل أطول تأثيرًا كالحمل، التقلبات الهرمونية، العلاجات الطبية، الملل الجنسي، النزاع مع الشريك.

كتاب

من الأسباب التي شخصتها الدراسة لممارسة بعض النساء الجنس: زيادة المرتب، الحصول على فرصة عمل، الحصول على ترقية، جني المال. إذ أوضحت الدراسة أن مقايضة الجنس لا تقتصر على الأميركان؛ فمبادلة العطايا بالجنس موجودة في جميع الثقافات. درس عالم الأنثروبولوجيا دونالد سيمونز الظاهرة من منظور عبر ثقافي وصنّف العطايا التي استُلِمت في سياقات المغازلة، التودد، الاغواء، ووجد أن 79 بالمئة من المجتمعات المدروسة يمنح فيها الرجال فقط العطايا.

قيمة العُذرية

ثمة تقديس في المجتمعات العربية لعذرية المرأة ممثلة في الحفاظ على غشاء البكارة حتى الزواج، ورغم ما أثبتته البحوث العلمية من وهن الفكرة وتخلفها، إلا أنها لا تزال قائمة ولا تزال مقياسًا يمكن من خلاله الحكم أخلاقيًا على المرأة. تلفت الدراسة إلى أنه تاريخيا لم يكن ينظر إلى امتلاك الخبرة الجنسية والإقدام على المغامرات كصفات ايجابية للمرأة، النساء اللواتي يمارسن الجنس قبل الزواج يعتبرن ملوثات وفي المقابل النساء اللواتي يبقين عفيفات حتى الزواج يعتبرن محترمات؛ إذ اعتبرت العذرية قيمة ثمينة في المرأة اجتماعيا وروحيا وحتى سياسيا.

يقول الباحثان: تغيرت أهمية الحفاظ على العذرية على الأقل في العالم الغربي. الكثير من النساء في الدراسة ضحين بعذريتهن وكان دافعهن لممارسة الجنس الرغبة في اكتشاف جنسانيتهن، بعضهن قالت إنهن أردن اكتساب خبرة وتحسين مهاراتهن الجنسية أو اختبار الأداء الجنسي لمن يردن الارتباط به.

الجنس الإجباري

يؤكد السجل التاريخي للبشر وجود الاغتصاب في جميع الثقافات وعبر كل العصور، وتظهر المدونات التاريخية شيوعه خصوصا في الحرب. بعض الأنثروبولوجيين يُنظِّرون بأن الاستحواذ الجنسي على النساء بالقوة كان السبب الرئيسي لشن الحروب حتى أن الغازي جنكيز خان اعتبر الاغتصاب من فوائد الحروب.

تُبين الدراسة أن أعدادا كبيرة من النساء يمارسن الجنس لأن الرجال يكرِهونهن ويجبرونهن بالقوة ويدخل الاغتصاب الزوجي ضمن هذه الفئة. أدرج الباحثان الاغتصاب كواحد من الدوافع لتأثيراته على جنسانية المرأة؛ إذ يمكن لتجربة الجنس الإجباري أن تنحت جنسانية المرأة لمدة طويلة بعد وقوع الأمر، والخوف من الجنس الإجباري قد يؤثر بشكل دائم على إحساس المرأة بالأمان، حسبما فصّلت هذه الدراسة.