الباحث والمُفكر المَغربي اشتغلَ في آخر ما صدر له “التداوي بالفلسفة” على تحويل الفلسفة إلى مادة وثيقة الصلة بصميم الواقع.

 العودة إلى الفلسفة ترتبطُ بمرحلة جديدة مفسراً مرتبطة بسياق عالم ما بعد الأديان
 المهمة الأساسية للفلسفة هي إصلاح الكينونة في كل أبعادها الثقافية

حاوره: كه يلان مُحَمَد

إرتبط تطور الحضارة والخروج من القصور العقلي بالحراك الفلسفي الذي يحثُ على إعمال العقل وطرح الأسئلة بشأن ما يهمُ الإنسانُ ومصيره، وعدم الركون إلى المتواضع عليه ثقافيا ولاهوتياً وإجتماعياً. إضافة إلى أنَّ الوظيفة الأساسية للفلسفة هي تخلص الإنسان من التوتر والإنفعالات السلبية وهذا ما يجعلها حاجةً مُلحة بالنسبة للإنسان المُعاصر الذي يعيشُ بعالمٍ ضاج بصراعات مُضنية ناهيك عن ظاهرة تصاعد الشعبوية.
حول رهانات الفلسفة في ظل هذه التحديات وجدل الفلسفة والدين وتأثير ضمور التيار العقلاني على انحطاط المشروع الحضاري كان لنا حوارُ مع الباحث والمُفكر المَغربي سعيد ناشيد الذي اشتغلَ في آخر ما صدر له “التداوي بالفلسفة” على تحويل الفلسفة إلى مادة وثيقة الصلة بصميم الواقع.
يذكر أن هناك مؤلفات مهمة في رصيد سعيد ناشيد منها “القرآن والحداثة”، “دليل التدين العاقل”، “قلق في العقيدة”، “الإختيار العلماني وأسطورة النموذج”.
حول علاقة نكوص المشروع الحضاري بضمور التيار الفلسفي قال سعيد ناشيد: بلا شك، فإن غروب الفلسفة في العالم الإسلامي قد انطلق من المغرب الأقصى في القرن الثاني عشر، وفيه تزامنت سيرورة الهجوم الكاسح على الفلسفة من طرف تحالف الفقهاء والغوغاء والسلطة، مع سيرورة سقوط الأندلس، وبداية الانغلاق اللاهوتي الذي دخل إليه العالم الإسلامي منذ وفاة ابن رشد، ولم يخرج منه إلى غاية اليوم. ظاهرة تكفير الفلسفة التي انتشرت لأسباب شعبوية وأخرى تسلطية، معناه تكفير التفكير، معناه تعطيل النظر العقلي، معناه انتفاء الجرأة على طرح السؤال والمساءلة، وممارسة الشك والإبداع، معناه دخول العقل في سبات طويل الأمد. وبالتأكيد عندما يرقد العقل تستيقظ الغرائز البدائية، والانفعالات السلبية، فتضمر الطاقة الحيوية في الإنسان، وتشرع الحضارة في الانحطاط.

الظاهرة الدينية تضرب بجذورها في أعماق اللاشعور الجمعي وتعود إلى الأزمنة البدائية، لكل ذلك نحتاج من جهة أولى إلى الفلسفة باعتبارها نوعا من العزاء

يرى مؤلف “دليل التدين العاقل” بأن العودة إلى الفلسفة ترتبطُ بمرحلة جديدة مفسراً هذه الحالة بسياق عالم ما بعد الأديان، حيث بدأت الإجابات الدينية تفقد بريقها، لا سيما بعد أن اتخذت الأديان طابعا كهنوتيا تسلطيا لا يناسب روح العصر، مُعولةً في ذلك على مفاهيم الوازع، والبراء، والوعيد، والقصاص، وما إلى ذلك من مفاهيم لا تناسب إنسان العالم الجديد. في هذا السياق يناط بالفلسفة أن تمارس دورها في المقاومة، وتستعيد وظائفها الأكثر أصالة والتي تخلت عليها لفائدة رجال الدين.
لنأخذ مثلا مفهوم الأتراكسيا، والذي يعني باليونانية السكينة الروحية، أو طمأنينة النفس، وأحب أن أترجمها ببساطة هكذا، الطمأنينة. يتعلق الأمر بإحدى الوظائف الأساسية للفلسفة وفق التقاليد الأبيقورية والرواقية. عموما، ليست الفلسفة رحلة بحث عن الحقيقة وفق التصور الشائع لدى عموم الناس، وإنما دورها بالأساس تحسين قدرتنا على الحياة حيثما نحن، في مختلف الظروف، وحتى في أسوأ الظروف.
ويرى سعيد ناشيد أن خلاصة تاريخ الفلسفة برمته، منذ الأبيقورية والرواقية مروراً بمونتين وسبينوزا ونيتشه وبرغسون، وغيرهم، أن الإنسان يمتلك إرادة للنمو، وعليه أن يحقق نموه الخاص. بل بوسعنا القول إن النمو لهو الحاجة الروحية الأكثر جذرية بالنسبة للإنسان. لأجل ذلك على الإنسان ألا يستنزف طاقته الحيوية في الانفعالات السلبية، من قبيل الحزن، والخوف، والأسى، والندم، والذنب، والضغينة، وغير ذلك.
ولكي لا يستنزف طاقته الحيوية التي يحتاجها للنمو عليه أن يكون قادرا أيضا على مسايرة ضربات القدر. كم هي بليغة تلك الصورة التي يذكرها كثير من الرواقيين حول الكلب المربوط بحبل إلى عربة بحيث لا يستطيع الانفكاك، فإن هو عاند اتجاه سير العربة فلا محالة سيستنزف طاقته قبل أن يجد نفسه مجروراً بذل وهوان، ويبقى الخيار الحكيم أمامه أن يسار اتجاه العربة لكي يحافظ على طاقته الحيوية التي يحتاجها لكي يحافظ على نموه الخاص في كل الظروف. أما إن كانت العربة ستجره إلى الموت المحقق فإن مسايرة الاتجاه ستضمن له التقليص من دائرة الألم والشقاء حتى ولو في الثواني الأخيرة. إن ثوان قليلة من الحياة تسمى الحياة.

سعيد ناشيد
الثوابت سرعان ما تتحول إلى عائق أمام النمو الطبيعي والحر للذات

ويؤكد ناشيد أن الشك ليس نقيضا للطمأنينة. بل من وجهة نظر فلسفية أصيلة وأصلية يكون الشك هو المدخل الضروري إلى الطمأنينة. وأن الإيمان بالثوابت المطلقة، أو التمسك بها، أو البحث عنها، هو أساس الشعور بالتوتر والاضطراب، طالما أن الثوابت سرعان ما تتحول إلى عائق أمام النمو الطبيعي والحر للذات. لذلك نجد أن مصطلح الأتاراكسيا (الطمأنينة) لم يستعمله فقط الأبيقوريون والرواقيون، وإنما استعمله أيضا التيار الفلسفي اليوناني الذي كان يحمل اسم الشكاكين.
كان الشكاكون يعتقدون بأن أساس الطمأنينة هو إزالة أحكام القيمة حول الأشياء. ليس المرض هو ما يجعلنا متوترين لكن حكمنا على المرض بأنه سيء هو الذي يدفعنا إلى التوتر. كل الأحكام قابلة للتشكيك والتنسيب. وكذلك هو الحال في تجارب الطلاق والإعفاء والاستقالة والتقاعد والشيخوخة والموت، والتي لا تمنحنا الشعور بالشقاء إلا لأننا نحكم عليها بأنها أفعال سيئة.
سعيد ناشيد لا يعول على العلم لوحده، بل يعول على العلم والفن والشعر والموسيقى والفلسفة، يعول على الإنسان، يعول على ما هو إنساني في الإنسان، يعول على النمو المتكامل للإنسان سواء في مستوى الذات الفردية، وفي مستوى النوع البشري. وقال: فعلا، يفتح العلم أمام البشرية آمالا كبيرة يجب أن نسايرها بلا خوف ولا تردد، لكنه على نفس القدر يطرح المزيد من التحديات أمام مصائر النوع البشري، سواء فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، أو الهندسة الوراثية، أو تقنيات النانو، أو استيطان الفضاء، أو نحو ذلك من التحديات العلمية الذي سيطرحها القرن الواحد والعشرون، لكني أعتقد أن التحدي الأكبر يتعلق بـ: كيف نجعل العلم في خدمة نمو الإنسان في كل أبعاده الجسدية والعقلية والروحية؟ يجب على الفلسفة أن تطرح هذا السؤال حتى لا نجد أنفسنا في وضع يتقدم فيه العلم ويتخلف الإنسان.
إن الفلسفة لن تلغي الدين. فلا يمكن لساحة سقراط، أو أكاديمية أفلاطون، أو رواق زينون، على سبيل المثال، أن يحلوا محل دور العبادة. وفي كل الأحوال يبقى الخروج من الدين سيرورة طويلة الأمد، قد لا تكتمل بالضرورة.
تصدق على العلمانية نفس العبارة التي قالها هابرماس عن الحداثة، “الحداثة مشروع لا يكتمل”. على نفس المنوال يمكننا أن نقول، العلمانية مشروع لا يكتمل. ذلك أن ما يسمى بالدين ليس سوى القشرة الخارجية لما يمكننا أن نصطلح عليه باسم الظاهرة الدينية، والتي تضرب بجذورها في أعماق اللاوعي الجمعي، وهو ما يفسر كيف أن العلمانية تصبح في بعض التجارب مجرد علمنة لبعض المظاهر الدينية، على منوال “عبادة الزعيم”، و”الولاء الحزبي”، وغير ذلك. لكن ثمة تحد من نوع آخر، في العالم القديم كان مركز الثقل هو الآخرة، أي عالم ما بعد الموت. كان معنى الحياة مرتبطا بعالم ما بعد الموت.
إن المعطى الذي كان يمنح للحياة معنى هو اعتبارها مجرد قنطرة للعبور إلى عالم الخلود. أما في العالم الجديد فلم تعد فكرة الخلود تحتل حيزا كبيرا من خيال الناس. وهذا ما يصدق حتى على المتدينين أنفسهم. الأمر الذي يمثل نوعا من الخسارة التي يصعب تعويضها. هل نحتاج إلى وهم جديد، حلم بديل، عزاء ممكن؟ في كل الأحوال قد لا يكون الخروج من الدين آمنا بالنظر إلى أن قرونا طويلة من العزاء الأخروي قد تركت أثرها على لاوعي الشعوب، وبالنظر أيضا إلى أن الظاهرة الدينية تضرب بجذورها في أعماق اللاشعور الجمعي وتعود إلى الأزمنة البدائية، لكل ذلك نحتاج من جهة أولى إلى الفلسفة باعتبارها نوعا من العزاء، ونحتاج إليها ثانيا باعتبارها منهجا عقلانيا لتحقيق الأمن الروحي والطمأنينة، ونحتاج إليها ثالثا، لأجل تدبير آمن للعلمنة باعتبارها سيرورة غير مكتملة، وطويلة الأمد.
إذا كنت أعتبر الإصلاح الديني مهمة الفلسفة، فلأن المهمة الأساسية للفلسفة هي إصلاح الكينونة في كل أبعادها الثقافية. وهنا يكون للفلسفة ثلاثة محاور أساسية: أولا، إصلاح الجهاز المفاهيمي لكل الحقول المعرفية والاجتماعية، بما فيها الحقل الديني. ثانيا، إصلاح منظومة القيم المرجعية داخل كل المجالات والفضاءات بما فيها الدين. ثالثا، إصلاح الغرائز، بمعنى تغيير أهداف كل أنظمة الخطاب لأجل دعم ما يسميه نيتشه بغرائز السمو بدل غرائز الانحطاط، وما يسميه سبينوزا بالانفعالات المبهجة بدل الانفعالات الحزينة، وذلك لأجل إصلاح الكينونة، ومن ثم إصلاح الحضارة، ومن ثم المساهمة في نمو النوع البشري، حتى لا نبقى مجرد عالة عليه.
middle-east-online.com