القصيدة كانت تبدو خلال قرون طويلة الأقرب إلى كرسي السلطة، سواء لكونها تختار الانتصار فقط للقضايا العادلة، أو لكونها تختار أن تكون في خدمة الكراسي أو أن تستقر، على الأقل، جنبها.
الاستثناء الكندي يفتح الباب أمام وضع متميّز للقصيدة

قبل شهور، كان البرلمان الكندي على موعد مع حدث استثنائي، اعتاد أن يخرجه، مرة كل سنتين، من رتابة النقاشات المحتدمة حول قضايا السياسة وما جاورها. ولم يكن الحدث غير تنصيب الشاعر الرسمي للبرلمان. أما الإجماع فقد وقع هذه المرة، في سابقة من نوعها، على شاعرة تنتمي إلى السكان الأصليين لكندا، وهي الشاعرة جورج إليون.

ويبدو أن الكنديين وبرلمانهم قد حققوا الاستثناء بخلق هذا المنصب، مع إقرار قانون خاص بتدبيره. أما مهمة الشاعر المعيّن في هذه الحالة فتكمن في كتابة قصائد بمناسبة الاحتفالات الرسمية، وتقديم الاستشارة لمحافظ مكتبة البرلمان بخصوص تنمية الرصيد الوثائقي الشعري الخاص بالمكتبة.

وإذا كان هذا الاستثناء الكندي يفتح الباب أمام وضع متميّز للقصيدة داخل صرح سياسي كبير، فإنه في نفس الوقت يضعها أمام مأزق، خصوصا حينما تُكتب، بفعل القانون، تحت طلب وزير أو برلماني ما. وإن كان عدد من شعراء البرلمان يحتفظون بهامشهم النقدي، الذي تقتضيه القصيدة وحريتها، كما هو الحال بالنسبة إلى الشاعرة جورج إليوت، التي عُرف عنها دخولها على خط المواضيع الشائكة التي تطبع المشهد السياسي للبلد، ومن ذلك النقاش الحاد الذي همّ فضيحة الجنات الضريبية، التي وصل لهيبها إلى عدد من رجال السياسة والاقتصاد بكندا.

وإذا كان البرلمانيون يتمتعون بالحصانة، فلا حصانة للقصيدة وللشعراء. ولذلك يبدو طريفا أن تنفضح بيسر حالة السرقة التي تورط فيها أحد شعراء البرلمان الكندي، وهو الشاعر الراحل بيير ديسرويسو، الذي لم يشفع له في ذلك منصبه “السامي” ولا التراكم الذي حققه على مستوى الإصدارات والتي تجاوزت الستين عنوانا. وإن كان أحد أصدقائه من النقاد يبرر الأمر بإصابة الشاعر بمرض على مستوى المخ، بشكل لم يكن قادرا معه على التمييز بين ما يكتبه وبين ما يكتبه الآخرون.

في كندا نفسها وفي سياق مختلف، كنت قد تعرفت إلى الشاعر الأفغاني لطيف بدرام. وكانت إدارة المهرجان العالمي للشعر بمدينة تروا رفيير قد منحته فرصة توجيه كلمة إلى الشعراء، تحدّث فيها عن تجربته كمحافظ لمكتبة ناصر خسرو، التي أقدمت طالبان على إحراقها وقتل موظفي المكتبة ورمي جثثهم في النهر.

بعد مدّة على لقائنا، قرّر بدرام العودة إلى كابول للتقدّم إلى الانتخابات الرئاسية ببرنامج علماني يسعى إلى تحديث البلد. ويبدو أن بدرام صدّق حينها حكاية التغيير التي لوّح بها العهد العالمي الجديد، غير أن منصب الرئاسة سيؤول إلى حميد كرزاي، بينما احتل بدرام الصف الثالث.

ولعل الصورتين تعبّران عن جانب من وضع الشعر إزاء السلطة، إذ أن القصيدة كانت تبدو خلال قرون طويلة الأقرب إلى كرسي السلطة، سواء لكونها تختار الانتصار فقط للقضايا العادلة، أو لكونها تختار أن تكون في خدمة الكراسي أو أن تستقر، على الأقل، جنبها.