لطفية الدليمي

مؤلّف الكتاب
رونالد دي سوسا Ronald de Sousa : وُلِد في سويسرا عام 1940 ، ويعمل أستاذاً متميّزاً Emeritus في قسم الفلسفة بجامعة تورونتو الكندية التي إنضمّ إلى هيئتها التدريسية منذ عام 1966 . يُعرفُ عن البروفسور دي سوسا أعماله الذائعة الصيت في ميدان فلسفة العواطف الإنسانية إلى جانب فلسفة العقل والفلسفة البيولوجية بعامّة ، وقد أنتُخِب زميلاً في الجمعية الملكية الكندية عام 2005 .
نال البروفسور دي سوسا تعليمه في كلّ من سويسرا و بريطانيا – إذ هو يحمل الجنسيّتيْن السويسريّة والبريطانية معاً – ، وكان حصل على شهادة البكالوريوس في الآداب من جامعة أكسفورد البريطانية عام 1962 ثم أعقبها بشهادة الدكتوراه من جامعة برينستون الأميركية عام 1966 . يعدُّ البروفسور دي سوسا من المساهمين النشطاء في موسوعة ستانفورد الفلسفية Stanford Encyclopaedia of Philosophy وغالباً مايظهر إسمه فيها .
أدناه أهمّ الكتب التي ألّفها البروفسور دي سوسا :
* عقلانيّة العاطفة ، 1987 .
* لماذا نفكّر ؟ التطوّر والذهن العقلانيّ ، 2007 .
* الحقيقة العاطفية ، 2011 .
إضافة إلى كتابه هذا ( الحب – مقدمة قصيرة جدا ) والذي صدر عن جامعة أكسفورد عام 2015 ضمن سلسلتها المعروفة ( مقدمات قصيرة جداً ) في شتى الفروع المعرفية ، وقد دأبت الجامعة على نشر هذه السلسلة منذ عام 1995 .

الحبّ في وجوهه الستة
يتوزّع الكتاب على فصول ستة يمثل كلّ منها وجهاً من أوجه الحبّ المؤثرة في حياة الكائن البشري ، وهذه الفصول الستة هي على الترتيب : أحجيات الحب ، وجهات نظر بشأن الحب ، الرغبة في الحب ، أسباب الحب ، العلم والحب ، اليوتوبيا والحب .
يمكن مناقشة موضوعة الحب من مقاربات مختلفة : علمية أو تأريخية أو سوسيولوجية أو سايكولوجية ؛ لكنّ قارئ هذا الكتاب سيلحظ أنّ المؤلف يوظّف توليفة من كلّ هذه المقاربات وإن كانت المعالجة الفلسفية هي الطاغية على الكتاب بفعل التدريب الفلسفي الأكاديمي والمهني للمؤلف الذي جعل لغته الفلسفية سلسة متناغمة بعيدة عن الجفاف الفلسفي المعهود في المصنفات الفلسفية المعتادة.
ثمة في نهاية الكتاب قائمة جيدة بقراءات إضافية تثري مادة الكتاب وتفتح افاقاً جديدة أمام القارئ الشغوف الذي يطمح في الإستزادة بشأن موضوعة الحب ومفاعيلها العظيمة في الحياة البشرية .

عن الحبّ الرومانسي :
موقفان من الحب

يظلّ الحب ( وهنا أعني الحب الرومانسيّ ) واحداً من أكثر الموضوعات إستحواذاً على عصرنا هذا ، وربما قد يجادل البعض أنّ هذا الإستحواذ ذاته نتاجٌ لحقيقةِ أنّنا لطالما سُحِرْنا بفتنة الحب إلى حدّ غدونا معه نعذِّبُ أنفسنا ، كما خلقنا حاجة موهومة يشوبها الإرباك للحب نعجز ربّما عن إدراك كنهها أو الإيفاء بمتطلّباتها . إنّ بعضاً من أعاظم الكتّاب الذين كتبوا بشأن موضوعة ( الحبّ ) جعلوا من الحبّ صنواً للمحنة المُعيقة ، أو نوعاً من جنونٍ ما ، وربّما حتى مرضاً مميتاً لاشفاء يرتجى له ، ولكن برغم كلّ هذا فإن الحب أمرٌ حقيقيّ حتماً : هو أمرٌ ثمين يمكن بلوغه وحيازته في الوقت ذاته ، ومتى ماعرفنا أن نشقّ طريقنا وسط التيه الضبابي الميتافيزيقي فإن الأساطير المضلِّلة والإستعارات الخطيرة – التي جعلت الحب أمراً مخادعاً – ستنقلب حتماً وستغدو الرومانسية حينها موضوعاً قابلاً للفهم والإستيعاب ومتناغماً تماماً مع حياة عاقلة هادئة وسعيدة معاً . ينبغي التنويه هنا – ومن غير إزاحة أيّ من العواطف الشغوفة العظمى حول الحب والرومانسية – إلى ضرورة الإنتباه إلى المديات العالية التي رفعنا إليها هذه العاطفة بذاتها فوق أية عاطفة أخرى يحتويها جهاز إستشعارنا العاطفيّ .
يبقى الكثير ممّا كتِب بشأن الحب ، وبرغم كلّ شيء ، متماهياً مع ماكتِب عن الحب طوال الثلاثة آلاف سنة التي شهدْنا فيها رسائل الحب والمقالات المطوّلة عنه إلى جانب الشعر الرومانسي ، وإتخذت كلها واحداً من موقفيْن : إمّا موقف غير ناقد ومفعمٌ بحسّ الإحراج من تناول مادة الحب أو موقف ساخرٌ طافحٌ بالمرارة يدافع عن مصالح المرء الشخصية فيما يجترحه من قرار . نحن مُرغَمون في نهاية الأمر على الإختيار بين طائفتي ( المُعسّرون ) و ( المُيسّرون ) في الحبّ : إن نظريات هؤلاء تمتدّ على مدىً واسع يبتدئ بالتجريدات الضبابيّة ويمرّ عبر التفاصيل العملية الفضفاضة ثمّ ينتهي بالتفاصيل العملية الإجرائية المفرطة التي تستحيل في نهاية الأمر مايشبه دروس الحصص المدرسية ، ورغم أنّ تلك النصائح المبثوثة في الكتب والأدبيات المنشورة ثمينة بلا شكّ ولكنّها قلّما أزاحت النقاب عمّا تعنيه طبيعة الحبّ وفائدته لنا . ثمة أحجيات خبيئة دوماً في الحب !! .

اكتشاف الحب بين الميتافيزيقا والأساطير
كيف يمكن لنا أن ” نجد ” الحب ، أم أن الحب أمرٌ نخلقه نحن ؟ لِمَ نجد الأمر مكتنفاً بالصعوبة أحياناً عندما نحبُّ ، أو عندما نبوحُ بحبّنا ، أو عندما نبتغي التعبير عن حبّنا بطريقة مقبولة وكافية ؟ لِمَ يمضي الحبّ أحياناً في المسار الخاطئ ، ولِمَ نختار أحياناً الشركاء غير المناسبين لنا ؟ . يُعامَلُ الحبّ غالباً على أنّه لايعدو جائحة حماسةٍ جنسية مرافقة لطور البلوغ ؛ ولكنّ هذه الخرافة الأسطورية – إلى جانب عدد آخر من نظيراتها المدمّرة – كفيلة بجعل الحب الناضج أمراً يستعصي بلوغه بسبب سوء إدراك طبيعته .
بعد أن نتبيّن وقع خطانا وسط الضباب الميتافيزيقيّ والأساطير المُضلّلة والاستعارات الخطيرة التي جعلت الحبّ يبدو أمراً مُخادعاً ومناوراً عنيداً ، لابدّ من التأكيد هنا على أنّ الحبّ الرومانسي يمكن إدراكه وبلوغه ، وهو أمرٌ متوافقٌ مع حياة عاقلة وسعيدة . الحبّ أمرٌ ” طبيعيّ ” بالطبع وهو مايعني القول إنه يتبع بيولوجيّتنا ( تركيبتنا الأحيائيّة ) ولكنّه ينطوي على بُنية إجتماعيّة ومسؤولية فردية في الوقت ذاته . إنّ الأطروحة الأساسية قبل كلّ شيء آخر هي أنّ الحبّ ينبغي إكتشافه ، وأن يُعادَ إكتشافه من قبل كلّ جيل وكلّ ثنائيّ متحابّ .

الحبّ والشعور بالإكتمال
يشعر أغلبنا بعدم ” إكتماله ” من غير الحب ، وليس المقصود بهذا القول محض الشعور بضرورة وجود ثمّة من يحبّنا بل وجود ماهو أعظم أهميّة للروح وهو أن نُحِبّ نحن حقّاً : هذه موضوعة تغور بعيداً في الأزمنة القديمة ، ومثالها الأكثر شهرة هو التسليم الذي أذعن إليه أفلاطون إزاء أريستوفانيس Aristophanes في حلقة أفلاطون الدراسية الذائعة الصيت حيث لم يعُد يُفهَم الحبّ بأقلّ من كونه ( إكتمالاً ) لنِصفَيْ روح ماكان في مقدورهما الإكتمال بغير الحبّ .
يسعى كتاب البروفسور (دي سوسا) إلى إستكشاف تلك المواضعة الفاتنة – التي تشكّل مصدراً جاذباً لنا – والمؤسّسة على الإحساس الذي نحاول بواسطته ، وبإعتبارنا أفراداً مستقلين نتمتّع بذاتيّتنا الخالصة ، السعي نحو ( إكمال ) أنفسِنا ، أو لنقل الأمر بطريقة أكثر حرفيّة ودقّة : السعي لإعادة تعريف أنفسِنا مع – ومن خلال – شخصٍ آخر ، وفي الوقت الذي نعيدُ فيه تعريف أنفسِنا فإنّنا نعمل أيضاً على إعادة تعريف الحبّ ذاته ، ومع الحبّ نعيد النظر في كيفية فهمنا لمفاهيم أساسية وحاسمة مثل : الحميمية ، الإخلاص ، الإنجذاب الجنسيّ ، الرضا والشعور بالإرتواء .

بعض أحجيات الحبّ
” … الحبّ في حقيقة الأمر موضوعٌ عادي للغاية ، وهو أدنى من أن يكون أمراً كونياً ، كما أنّه ليس جواباً لكل معضلات الحياة ، ولكنه قد يكون أحياناً أمراً فاجعاً وكارثيّاً …. ” – بهذه العبارة التمهيدية المنسوبة للفيلسوف روبرت سولومون يفتتح المؤلف الفصل الأول من الكتاب ، ثمّ – ومن غير تمهيد – يشير المؤلف إلى جملة حقائق صادمة إختبرها الكائن البشري بشأن الحب منذ بواكير حياته الأولى :
” دُفِع بعض الناس دفعاً إلى الجنون بسبب الحب ، ومات البعض الآخر منهم في سبيله ، في حين تسبّب الحب في دفع آخرين إلى إرتكاب جريمة القتل ……… وفي العادة فإن كلاً منّا يتوقع هذا الأمر عندما يشاهد أو يسمع شيئاً يختص بموضوعة الحبّ التي تبدو دوماً كمأساة طاغية ونبدو معها نحن وكأننا قد فهمناها على هذا النحو ، ويبدو من قبيل الأمور المؤكّدة أن شيئاً من هذا قد حصل لكلً منّا : أنت نفسك ، عزيزي القارئ ، ربّما تكون قد دُفِعتَ لحافة الجنون يوماً مرّة أو مرّتين وشعرتَ حينها بطغيان الإنفعال المصاحب لتجربة التشارك في الحب أو ربّما تكون شعرتَ بالكرب المرير المقترن بالإحساس الباطني غير المعلن للحب غير المتبادل . لطالما إستمدّ الشعراء والموسيقيون والفنانون والفلاسفة إلهامهم من ذلك الشعور المنعش بالحب ولطالما حفّزهم ذلك الشعور عميقاً في إخراج أفضل مايختزنونه إلى العلن (وربّما الأسوأ أحياناً !) ، وقد تنافس هؤلاء كثيراً في الإعلان عن كثافة الشعور بالحياة والتي يؤججها الحب ؛ ولكن على الرغم من كل هذا فإن أغلبنا عندما يحاول وصف الحب أو الحديث عنه فإنّه ( أي الحب ) سرعان ماينزلق في تفاهة تخلو من أية سمة من سمات الحياة المنعشة المفترضة … ” .

ماهو هذا الشيء الذي يدعى ” الحبّ ” ؟
هكذا يتساءل المؤلف وهو يشير إلى كلمات الأغنية الشهيرة التي ذاع صيتها ، ويكتب في هذا الشأن قائلاً :
” … لن أنغمس في هذا الموضع بفرز قائمة لكل المرادفات الممكنة لمفردة ” الحب ” ، وبوسع أي قاموس للمفردات أن يفرد على الفور مايقارب أربع دزيناتٍ من المفردات المرادفة لكلمة الحب وسيكون بين بعض تلك المفردات فارق بسيط لايكاد يُلاحظ في حين سيكون لبعض تلك المفردات معانٍ متباعدة عن بعضها الآخر … ” .
في محاولة الإجابة على هذا التساؤل يمضي المؤلف في رحلته الشائقة مع الحب ابتداءً من الحضارة الإغريقية وحتى يومنا هذا الذي باتت توظّفُ فيه أرقى التقنيات العلمية ومباحث السايكولوجيا المعرفية ودراسات الفسيولوجيا الدماغية في تناول موضوعة الحبّ التي يبدو أنها ستظلّ أحجية بين أحجيات كثيرة تكتنف وجودنا البشري .
Ronald de Sousa
Love :A Very Short introduction
Oxford University Press , 2015
152 Pages

((المدى))