الأدب الهندي المعاصر… أدب العودة والشتات

 عثمان بوطسان

مثل أي أدب، فالأدب الهندي المعاصر منسوج من الحياة اليومية للفرد وحول العلاقة التي تجمع هذا الأخير بالعالم. من هنا، فإنه عادة ما تصور لنا الرواية الهندية شخصيات عادية مستوحاة من الحياة العادية المتكررة للهنود في مدينتها، وسط عائلتها، وفي رحلة البحث عن فضح المشاكل الاجتماعية التي تعاني منها. يقدم الأدب الهندي الصور النمطية للشتات، العلاقات الثقافية بين الشرق والغرب، الملاحم العائلية، والقصص التاريخية. لكن الأهم في الأدب الهندي، هو وجود أصوات متنوعة مروية بالعنف وغارقة في الظلام، تتأرجح بين الفكاهة والجفاف والشعر الغنائي.
للأسف الشديد فالعالم العربي لا يهتم كثيرا بهذا الأدب، نظرا لتركيزه على الآداب الغربية والعربية بحكم سياقات اجتماعية وسياسية مشتركة. فجل المهتمين بالأدب الهندي من العرب، اعتادوا على قراءة الأدب الهندي من خلال السينما الهندية التي انتشرت بشكل لافت للنظر في الأوساط العربية خلال الآونة الأخيرة. لكن السينما لا تعكس ما يعكسه الأدب عن الهند. في نهاية المطاف لن يكتشف المتتبع للسينما الهندية سوى سطح هذه البركة ولن يصل أبدا إلى اكتشاف أسماكها وضفادعها وطحالبها ولا حتى الطيور الميتة. بمعنى أن الهند أشبه بالبركة، يخفي الكثير من الأسرار والعوالم التي يحاول الكتاب الهنود الكشف عنها، كل بطريقته الخاصة وأسلوبه الفريد.

لن يكتشف المتتبع للسينما الهندية سوى سطح هذه البركة ولن يصل أبدا إلى اكتشاف أسماكها وضفادعها وطحالبها ولا حتى الطيور الميتة.

من المؤكد أن الأدب الهندي تفاعل كثيرا مع الحداثة الغربية، ولكن حافظ بشكل أكبر على دوام التقاليد الهندية، حتى لو كان ذلك في بعض الأحيان ظاهريا. تعد الهند من أقدم الحضارات في التاريخ الإنساني، تعود أقدم آثار الإنسان الموجودة في جنوب آسيا إلى هذه المنطقة. اقترضت الهند أقدم التقاليد الأدبية بشكل أساسي عن طريق الخطاب الشفهي. فالثقافة الأدبية الهندية المكتوبة تحولت منذ زمن طويل إلى أدب المقدسات الهندوسية المكتوبة باللغة السنسكريتية. لغة التاميل والسنسكريتية، كانت ولا تزال تستخدم فقط من قبل عدد قليل من الأفراد. منذ القرن العاشر، تطورت الأدبيات في اللغات المحلية مثل البنغالية أو الهندية، ولكن كانت مكرسة دائما للنصوص الدينية أو الملاحم القديمة.
أما الكتاب الهنود المعاصرون والحداثيون، فهم متأثرون بالاستعمار البريطاني، ويكتبون باللغة الإنكليزية. إن البنغالي رابندرانات طاغور، على سبيل المثال، واحد من الكتاب الهنود الذين يكتبون بالإنكليزية، ويعتبر الأب الروحي للأدب الهندي المعاصر، وسيلعب دورا كبيرا من خلال التأثير في جيل من الكتاب والشعراء والممثلين. مع بداية القرن العشرين، اتجه الكتاب الهنود المعاصرون إلى تجاوز السرد الكلاسيكي وكسر الرابط مع أسلافهم من الأدباء، خاصة التيار الأدبي الذي تزعمه سلمان رشدي وفيكرام سيث وديساي واميتاب غوش. يعيش هؤلاء الكتاب في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية. تحمل أعمالهم بصمة تيار ما بعد الاستعمار، حيث أسئلة الهوية والوطنية والتاريخ والتفكير في القمع الاستعماري، ومشكلة الهوية الفردية، المتركزة على صعوبة العيش بين التقاليد والحداثة، والمتأرجحة بين صراع الثقافات والتأثيرات الخارجية التي تنهك وعي الكاتب الهندي. تم اعتماد اللغة الإنكليزية، لغة المستعمر، من خلال خلق لغة جديدة داخلها وإعادة تخصيصها، الأمر الذي برهن على رغبة الأدباء الهنود في خلق لغة جمالية نظيفة، وبالتالي التعبير عن أنفسهم بلغة جديدة تعكس هواجسهم وتتجاوز الإحساس باستعمال لغة المستعمر، بغرض تجاوز صعوبة التطرق إلى الهوية الأصلية عن طريق لغة الآخر، على حد تعبير الكاتب الهندي نرايان.
ستعرف الحركة الأدبية ما بعد الاستعمار انتشارا واسع النطاق والتي ستؤثر على كل من الجنوب والجنوب الغربي من خلال الشروع في الانفصال عن الأشكال النخبوية، لذلك، سيسعى كتاب المسرحيات وشعراء الداليت أو «الرجال المكسورة» في الماراثى، وهذا الاسم يطلق على الأفراد من الطوائف المنبوذة للطعن في وضعيتهم نتيجة وضعهم الهرمي في المجتمع الهندوسي. ونتيجة لهذا الصراع، سيتم تجاوز الأشكال الأدبية الكلاسيكية عن طريق استخدام أشكال جديدة ولغة جديدة لوصف حالة الظلم التي يعيشونها، وبالتالي المساهمة في تجديد مواضيع وأشكال الأدب الوطني.

تم اعتماد اللغة الإنكليزية، لغة المستعمر، من خلال خلق لغة جديدة داخلها وإعادة تخصيصها، الأمر الذي برهن على رغبة الأدباء الهنود في خلق لغة جمالية نظيفة.

مع الأدب الهندي الحديث، سيغذي موضوع العودة إلى الوطن العديد من روايات الكتاب الذين عادوا للعيش في الهند، أو كانت لهم الرغبة في ذلك (خاصة بفضل تطور الجانب الاجتماعي والاقتصادي)، لكن يبدو أن مؤلفي الشتات وجدوا أنفسهم في السنوات الأخيرة أكثر أو أقل استجواباً من قبل الكتاب الناشئين في الهند، الذين لا يكتبون كثيرا باللغة الإنكليزية ولكن باللغة المحلية، والذين يرفضون رؤيتهم أكثر أو أقل مثالية في هذا البلد. تطور الإنتاج الأدبي الهندي بشكل كبير بفضل اللغات العامية، لكن تتم ترجمة جزء صغير منه فقط إلى الفرنسية. يجد الناشرون صعوبة في العثور على المترجمين، خاصة مشكل اللغات العامية الهندية، وكيفية منح قيمة عادلة لجودة هذه الأعمال، لذلك لا تشكل الكتابة مصدر دخل بالنسبة للكاتب الهندي المحلي، ونادر جدا هم الكتاب الذين يعيشون من خلال أقلامهم. إن المشكل يرجع إلى وجود جزء كبير من السكان أميون ولا يستطيعون شراء الكتب، ذلك أن غالبية الأعمال الهندية التي تنشر في فرنسا لم تعد تمر عبر إنكلترا. فالناشرون الفرنسيون يتفاوضون اليوم مباشرة مع الناشرين الهنود. أصول المؤلفين الهنديين متنوعة، نجد العديد من النساء، على سبيل المثال، وكذلك المؤلفين من خلفيات ثقافية أو اجتماعية مختلفة. فالطبقة الوسطى تتطور وتتخذ لنفسها اليوم مكانا لدى القارئ الهندي، الذي أصبح يعترف بمكانتها في الأدب الهندي المعاصر والحديث، وعلى هذا النحو، فليس من السهل تعريف «الأدب الهندي».

يظل سلمان رشدي نموذجاً لهذا الإنتاج المهم الذي يملكه الكاتب المنفي الذي تمكن من تحويل وطنه إلى «وطن خيالي» رائع. كما أن الروائيين الآخرين اختاروا أيضا الهجرة، مؤقتا أو النهائية.

يكتب هذا الأدب في حوالي اثنين وعشرين لغة، أي محاولة للتعميم ستكون حماقة، لذلك دعونا نركز على الأدب الهندي باللغة الإنكليزية. في الأدب العالمي، هناك عدد قليل من هذه التطورات الرائعة مع ظهور جيل جديد من الكتاب الهنود الناطقين بالإنكليزية. قاد أطفال سلمان رشدي هذا التيار بداية من سنة 1981، ساهم هذا الجيل في تطور الأدب الهندي وإحياء التراث الأدبي الوطني، بالإضافة إلى إثراء اللغة وإيقاعات اللغة الإنكليزية من الأساطير القديمة والانفتاح على الحضارات الأخرى. فالكتّاب الهنود الجدد يشربون من الذاكرة ويختبرون أي شيء ليس له علاقة بغيرهم من الروائيين باللغة الإنكليزية.
تجدر الإشارة هنا، إلى أن الحداثة الأدبية في الهند هي ثمرة اللقاء مع أوروبا. شهدت تقدما بطيئا في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وأكدت نفسها بخطى ثابتة بعد يوم من ثورة السيباي (Cipaye ) وهي كلمة أخذتها اللغة البرتغالية عن إحدى اللغات الهندية، ودخلت عن طريق البرتغالية إلى الفرنسية، وتعني: الجندي من سكان الهند الأصليين). بداية من كلكتا، ثم عاصمة الإمبراطورية الهند الشرقية البريطانية، حيث كانت بداية تبلور الثقافة الأنكلوهندية. من خلال تأسيس كلية فورت ويليام في 1800 من اللورد ويلسلي، الأرستقراطي المتعجرف الذي أراد محاصرة انتشار المثل العليا للثورة الفرنسية بين المديرين التنفيذيين البريطانيين في الهند. في عام 1817، ولدت الكلية الهندوسية لتعليم النخبة الهندية في كلكتا، ثم جاء دور كلية كوينز في بيناريس. كما أعلن ماكاولي في الوقت نفسه، أن البريطانيين يهدفون إلى تدريب فئة من شأنها أن تكون بمثابة مترجمين بينهم وبين ملايين الناس الذين يحكمونهم، فئة من الأفراد الهنود بالدم ولون البشرة ولكنهم إنكليزيو الأذواق والآراء والأخلاق والفكر. في سنة 1818، سيتم فتح أول مكتبة عامة في كلكتا، الأولى في شبه القارة الهندية. تحتوي هذه المكتبة على أغنى المؤلفات الشرقية في ذلك الوقت، مع أكثر من أحد عشر ألف مجلد ومخطوطات. وتدريجيا شكلت النخبة الهندية التي كانت تعرف آيات تشوسر عن ظهر قلب، والتي ستقرأ لميلتون، شكسبير، ديكنز، ثاكيراي، توماس هاردي، ولكن أيضا لتولستوي ولاحقا لغوركي… كانت هذه النخبة أمل البريطانيين في اعتناقها للمسيحية، لكنها عكس ما سعى له البريطانيون، سوف تتجه نحو إعادة الاتصال مع التقليد الروحي للمرء، لتعميقه ولتجديده.
منذ استقلال الهند، عمل الروائيون الهنود الناطقون باللغة الإنكليزية على خلق تيار أدبي يتماشى مع تطور القارة. ويظل سلمان رشدي نموذجاً لهذا الإنتاج المهم الذي يملكه الكاتب المنفي الذي تمكن من تحويل وطنه إلى «وطن خيالي» رائع. كما أن الروائيين الآخرين اختاروا أيضا الهجرة، مؤقتا أو النهائية. من تورنتو أو أكسفورد، هؤلاء الملقبون بأطفال «رشدي» يستخدمون جميعهم الوسائل الكلاسيكية للتعبير في الرواية الحديثة (الواقعية الاجتماعية عند روينتون مستري أو الحيوية الساخرة عند أبامنيو خاطرجي)، ولكن أيضا ابتكارات ما بعد الخطاب الحداثي، خاصة مع فيكرام شاندرا، شاشي ثارور واميتاب غوش. بعض الكتاب، من ناحية أخرى، كتبوا لصالح نهج أكثر حميمية للهوية الهندية مثل ر. ك. نارايان، أميت تشودوري أو أنيتا ديساي، يخلقون ببراعة نصوصا ذات كثافة نفسية كبيرة. لذلك فنصوص الجيل الجديد، تتميز بالشجاعة من خلال التطرق إلى السياق النفسي والاجتماعي، الذي يعيق حياة الفرد الهندي. فكتاب «إله اللاشي» لأرونداتي روي يقدم مثالا صارخا على هذا العالم بصيغة المؤنث.

٭ باحث وكاتب مغرب

((القدس العربي))