أحد أبرز شعراء جيل السبعينات في مصر، خاض معارك ثقافية شرسة عدة، سواء مع أبناء جيله أو مع النقاد، وساهم مع بعض زملائه في إصدار مجلة «إضاءة 77»، ثم أصدر بمفرده مجلة «كتابات» التي ظهر على صفحاتها، لأول مرة، مصطلح «جيل السبعينات»، إضافة إلى داووين شعرية كثيرة، وله عدد من الكتب المهمة في مجال الترجمة آخرها «الأعمال الكاملة لبودلير» التي تصدر قريباً عن «دار الشروق» القاهرية.

إنه المترجم والشاعر رفعت سلام الذي يتحدث لـ{الجريدة» عن تجربته في الشعر والترجمة.

لماذا اخترت الشاعر الفرنسي بودلير لإنجاز أول ترجمة عربية كاملة لأعماله؟

بودلير، كما يعرف كثر، مؤسس الحداثة الشعرية الفرنسية خصوصاً والأوروبية عموماً. انطلاقاً منه تأسست مدارس شعرية، وتأثر بتجربته كبار الشعراء الأوروبيين في اللغات المختلفة، ومن بينهم إليوت وسوينبرن، وغابرييل دانونزو، وستيفان جورج. فقيمته الشعرية، ومكانته على خارطة شعر العالم الحداثي، لا جدال فيها.

كان غريبًا أن تظل المكتبة العربية خاليةً من ترجمة لأعماله الشعرية الكاملة، بعد قرن ونصف القرن من صدور «أزهار الشر»، ديوانه الشهير، رغم أن لدينا، في مصر والبلدان العربية، أساطين ممن يملكون اللغة الفرنسية، منذ رفاعة الطهطاوي إلى الآن. لم يكن ممكناً أن يستمر هذا الوضع، فعكفت مدة خمس سنوات على هذا المشروع، الذي سيصدر قريباً عن دار «الشروق».

هل يقتصر كتابك على الأعمال الكاملة؟

لا يتضمن الكتاب «الأعمال الشعرية الكاملة» لبودلير فحسب، بل يحتوي على ثلاث مقدمات، اثنتان لي ومقال مهم لبول فاليري عن بودلير. أما النصوص الشعرية، فتضم كل ما كتبه بودلير شعراً، لأول مرة في اللغة العربية. ويعقب النصوص عدد من الملاحق المهمة التي تسلط الضوء على تجربة بودلير الشعرية: مشروعات مقدمة «أزهار الشر»، مشروعات خاتمة «أزهار الشر»، وثائق محاكمة بودلير على ديوان «أزهار الشر»، مسودات ديوان «سأم باريس»، وشهادات الشعراء والنقاد الفرنسيين حول تجربة بودلير الشعرية ومكانتها في الشعر الفرنسي، والهوامش المرتبطة بالقصائد (تتضمن التغييرات التي كان يقوم بها بودلير على النصوص من طبعة إلى أخرى)، ليختتم الكتاب بقاموس الأعلام والمصطلحات النقدية المتعلقة بزمن بودلير.

هل لبودلير تأثير في الشعر المصري؟

صلاح عبد الصبور أشهر مثال على ذلك، وهذا ما يتجلَّى في ديوانيه «أقول لكم» و{أحلام الفارس القديم».

«الترجمة خيانة» هكذا يقول المثل الإيطالي السائد، ما رأيكِ؟

ثمة أيضاً من يقول (بورخيس، مثلاً) إن النص الأصلي خيانةٌ للترجمة! وعلى من يتحدث عن «الخيانة» أن يطالب بالكف عنها، ومقاومتها، بل وسن القوانين في مواجهتها، أي «منع الترجمة»! فهذه الجملة التي تطارد المترجمين العرب ليست سوى مزحة «إيطالية» تمثل «جناسًا» لغويًّا، لا أكثر. لكننا نأخذ «الهزل» بجدية مبالغ فيها، ونأخذ «الجد» بهزلية مبالغ فيها. فقد أطلقها الإيطاليون بمزاح، ونسوها؛ أما نحن فنطارد بها المترجمين، بجدية هزلية.

الترجمة شأن أية قراءة جدية متمعنة في النص الشعري هي «تأويل» له. ومن الطبيعي أن تختلف التأويلات باختلاف أصحابها، طالما أنه لا يتوافر مستوى واحد، ودلالة واحدة، وقراءة واحدة للنص الشعري الأصلي. وإذا ما كان المترجم شاعرًا، يملك قدرات الشاعر فضلاً عن قدرات المترجم، يقدم لنا «التأويل الإبداعي»، الذي يتخطَّى ظاهر النص.

الترجمة في هذه الحالة تصبح نتاج شاعرين من لغتين وثقافتين مختلفتين، فيما الأصل لم يعمل عليه سوى شاعر واحد ينتمي إلى ثقافة واحدة. ذلك ما قد يجعل النص المترجم بمثابة «نص شعري فريد» يقف بموازاة النص الأصلي في التراث الإنساني.

عند ترجمة النص الأصلي تخرج صور عدة لكل كلمة؛ ما هي الأسس التي تختار بها صيغة واحدة من بين هذه الصور؟

نعم، لكل صورة شعرية «أصلية» احتمالات عدة في الصياغة العربية، وكل احتمال له مشروعيته كتأويل للصورة الأصلية. وهي احتمالات تبدو متقاربةً، متشابهةً، إلى حد عدم التمييز بينها أحياناً. لكن استبدال حرف جر أو عطف في الجملة، عند التأمل، قد ينتج صورةً أو إيحاءات أو ظلالاً مغايرة تماماً. ولا قاعدة عامة للاختيار بين هذه الصور المنبثقة من الصورة الأصلية، لأن الاختيار بالغ الذاتية، يقوم على الإحساس الذاتي المستند إلى مدى الإحاطة بتجربة الشاعر، وكيفيات بنائه الصورة الشعرية وحساسيته اللغوية وأسلوبه الشعري ومعجمه الشعري وأسرار رؤيته للعالم، إلخ.

هل أفادت هذه الترجمات تجربتك الشعرية؟

كل ترجمة شعرية أعيش مع شاعرها سنوات، وصولاً إلى لملمة تفاصيل قد لا تبدو مهمة. أعير نفسي له، أمنحه نفسي لأمتلكه. ذلك ما يجعل الصُّوَر الشعرية تتصاعد بكثافة من كل جملة شعرية «أجنبية». وحينما أختار صياغة معينة للجملة، لا تتلاشى الصياغات الأخرى، بل تسكنني بدلاً من الورق.

هكذا، أغتني، مع كل ترجمة شعرية، بآلاف الصُّور الشعرية «المحذوفة»، التي لا تجد سبيلها إلى الورق. وهكذا تتسع آفاق خيالي ووعيي أضعافًا مضاعفة عما قبل الترجمة. فأنا المستفيد الأول، شعريًّا، من كل ترجمة أقوم بها.

كيف تقيم واقع قصيدة النثر راهناً؟

قصيدة النثر وقعَت خلال العشر سنوات الأخيرة في أسر «النمطية» السكونية، بدلاً من فتح آفاق جديدة فكانت، في جذرها الأصلي، استجابةً للبحث عن حرية شعرية «مطلقة»، بلا أسلاك شائكة، لأجل اكتشاف العصي على الاكتشاف، والسير في طرق لم يطأها قلمٌ أو خيالٌ سابقاً. ذلك ما أنتج «سأم باريس» بودلير، ثم «فصل في الجحيم» و{إشراقات» رامبو، و{أناشيد مالدرور» لوتريامون، وغيرها، بلا أدنى تشابه بينها أو تقليد أو نمطية. فالإنجاز الشعري الاستثنائي الشاهق هنا يليق بالحرية التي اكتسبها الشعراء، ويبررها.

أما نحن، فما إن اكتشف أحدهم قصيدةً جديدة، تقوم على التفاصيل اليومية، وبنية المشهد السردي، ومركزية الذات الشخصية، حتى هرول الجميع وراءه، حتى من الأجيال السابقة التي كانت لا تزال تكتب قصيدة التفعيلة. تنكروا ببساطة لدواوينهم السابقة (كأنها كانت عبئًا باهظًا، أو مأزقًا)، وقفزوا، بلا عناء، إلى ارتكاب الموضة الجديدة! فالشعر، بالنسبة إليهم، ليس إبداعًا ذاتيًّا، واكتشافًا للمجهول، على ما كان يقول رامبو، بل أقرب إلى ممارسة استهلاكية، روتينية، تم خلالها اعتساف الشعر في نمط سكوني، محدد الأبعاد مسبقًا، من دون قدرة على كسره وتجاوزه، ولا يمكن أن يستمر هذا الوضع النمطي أكثر من ذلك. ونحن في انتظار «الفَرَج» الشعري.

فى مجمل تجربتك الشعرية نلحظ تعدد الأصوات وعناية فائقة باللغة؟

سؤال «تعدد الأصوات» أحد أهم الأسئلة الشعرية في حياتي وتجربتي. وهو مطروح في كل عمل شعري سابق، بما يجعل من كل عمل محاولة لإجابة محتمَلَة، أو اقتراحًا بإجابة. فالعالم لا ينطق صوتًا، بل أصوات كثيرة فوق الحصر. أصوات متشابكة، متقاطعة، من جغرافيات وأزمنة مختلفة، منذ «الفلاح الفصيح» ونبوءات إيبور، إلى طرفة بن العبد، إلى تأبط شرًّا، إلى لاو تسي، فبوشكين وريتسوس ونيرودا، إلى بائع الجرائد في مدينة مصرية، إلى صخب مترو مصر الجديدة، إلخ. أصوات تختزن أزمنةً وتواريخ وطبقات من آلام ومباهج صغيرة وعناء.

ولأن هذه الأصوات تتحقق في شكل شعري، فلا بد من الاهتمام باللغة الاهتمام الأقصى الممكن (فضلاً عن غرامي الشخصي باللغة). ولا يمكن أن تكون اللغة، في هذه الحالة، ذات مستوى واحد. فمستويات اللغة في أعمالي الشعرية تتضمن مزيجًا من مستويات متعددة، من المستوى اللغوي القديم في الشعر الجاهلي حتى مستوى الفصحى الصحافي الراهن، مرورًا بالمستويات الوسيطة.

http://www.aljarida.com/articles/14