حسن داوود

■ ذاك الطفل الذي وجده داني بوودمان، وهو رجل زنجي من فيلادلفيا، موضوعا في علبة على حافة البيانو، كان قد ولد، بحسب التقدير، قبل عشرة أيام. كانت العلبة موضوعة على حافة البيانو في صالة الطبقة الأولى من السفينة. وهذا مفاجئ طالما أن من يتخلّون عن مواليدهم، بظنّ أنهم سيعيشون حياة أفضل مع من يجدونهم، هم من المهاجرين الذين يزدحمون على السطح. وقد سُرّ البحار بوودمان بما أتاه، إذ راح لتوّه يشعر بمشاعر الأب. وهو أعطى الطفل اسمه الشخصي: داني بوودمان. ولاعتقاده أن الحرفين اللذين كتبا على العلبة موجهان له شخصيا، وهما « T.D»، فكر أن تارك الطفل كان يقصده هو، إذ إن الحرفين يصيران، إن استُكْملا، Thanks Dani. وما تلى هذين الحرفين على العلبة كانت كلمة «ليمون»، فأضافها البحّار إلى إسم الطفل فصار «داني بوودمان ت. د. ليمون..». وهذا اسم فخم بحسبه، خصوصا مع وجود ذينك الحرفين، بدليل أن المحامين يعمدون إلى إضافة الحروف إلى أسمائهم حين يسعون إلى تفخيمها، بل إنه يعرف واحدا منهم أضاف إلى اسمه ثلاثة حروف تتالت واحدا بعد الآخر. ثم، ولكي يكون الاسم مكتمل الفخامة، قرّر البحار الزنجي أن يضيف إليه 1900 طالما أنه عثر على المولود في اليوم الأول من ذلك القرن.
هو إذن «داني بوودمان ت. د. ليمون 1900»، لكن لتفادي الإطالة جرى اختصار الاسم إلى 1900 فقط وذلك في جميع المرات التي ورد فيها ذكره في الرواية، أي أن الفقرة الطويلة التي تألف فيها الاسم، على نحو ما قرأنا، كانت بلا طائل، وسوف تبقى لذلك حيث هي في مكانها ولا حاجة للعودة إليها.
وهذا ما يجريه الروائي باريكّو على كل ما يورده في نصّه: أي أنه يجعل لكل تفصيل قصتّه، مستطردا فيه ثم راجعا من بعده إلى ما سبق أَن تسلسل من أحداث. ربما كانت هذه سمة الرواية العابثة الساخرة، أن يذهب الكاتب إلى ما تستجرّه الفكاهة إليه فلا تكفيه خاطرته الفكاهية الأولى. كما إنه يبدو لاهيا متسلّيا بما يكتبه، أو بما يعجبه أن يكتبه. فها هو يُجري على لسان السيد سميث، قبطان السفينة، كلمات ترحيب بنزلائها فيقول القبطان: «ماذا تفعلون هنا، هربتم من الدائنين الذين يتبعونكم خطوة فخطوة؟ وصلتم متأخرين ثلاثين عاما عن سباق البحث عن الذهب؟ ماذا تفعلون هنا على بعد ثلاثمئة ميل من أي يابسة لعينة، على بعد دقيقتين من نوبة التقيّوء التالية؟».

لكي يكون الاسم مكتمل الفخامة، قرّر البحار الزنجي أن يضيف إليه 1900 طالما أنه عثر على المولود في اليوم الأول من ذلك القرن.

ونحن لا نعرف على أي شيء يتكلّم حين يعرّض بطله 1900، عازف البيانو الأهم في العالم إلى تلك المباراة مع مَن جرى تطويبه، على اليابسة، على أنه عازف البيانو الأهم. تلك المباراة في العزف اختلطت بها مشاهد من السينما الأمريكية بمشاهد من مهرجي السيرك وأخرى من الصور المتحركة، وكل ذلك في السياق المدهش والأكثر جدّية عن رهافة الموسيقى وفتنتها. وفي كتابه الذي أسماه أيضا «1900»، نراه يُبدع مقاطع قد لا تكون متصّلة بسياق ما يروي. ففي الصفحتين أو الثلاث الأول منه نقرأ ما يشبه مقدّمة للكتاب عن علاقة خاصة تربط رجل ما بأمريكا، لكن لنخلص في ما بعد إلى أن لا صلة لبطلنا 1900 بهذا البلد، فهو عاش كل حياته على متن السفينة التي وُلد فيها، وهذه دائمة التنقّل بين أوروبا وأمريكا، ذهابا وإيابا، وبطلنا لم ينزل مرة إلى المرفأ، لا هناك ولا هنا. مرة واحدة خطر له النزول، وذلك حين أراد أن يرى البحر من هناك، من الجهة الأخرى كما قال، قاصدا اليابسة عموما وليس بلدا معيّنا من بلدانها.
لكنه عاد وعزف عن ذلك. ترّدد كثيرا وهو ينزل على الدرجات فظلّ يقدّم رِجلا ويؤخّر أخرى حتى قرّر العودة أخيرا إلى غرفته. قال لسائله عازف البوق الذي، مثله تقريبا، عاش ستّة أعوام وخمسة أشهر على متن الباخرة لم يغادرها: «كيف بوسعكم أن تختاروا (هناك) امرأة واحدة فقط/ وبيتا واحدا/ وأرضا واحدة/ ومنظرا واحدا تشرفون عليه/ وطريقة واحدة للموت؟»، طالما العالم متسع ومتنوّع إلى ذاك الحدّ غير المعقول.
لن يستطيع 1900 العيش هناك، على الأرض التي ليست على مقاس العيش كما يعرفه. لكن تلك الرغبة المحبطة بالنزول، التي أربكت وجوده كله. أغرقته بالأسئلة عن معنى الحياة هناك، بل عن معنى الحياة هنا على السفينة، فلم يعد يطيق وجوده. أما ما انتهى إليه تأمله الفلسفي فلا يبتعد عن ذلك الاختلاط والتداخل بين كل أنواع المشاعر المتنافر بعضها عن بعض، فنراه يقعي على برميل البارود المقبل على الانفجار، غير آبه للدعوات التي راحت تدعوه إلى الخروج.
هي رواية، على قصرها، جامعة لكل ما انضوت تحته روايات العالم الكثيرة. مزيج من رواية فلسفية ورواية تأملية وثالثة أدبية وأخرى كوميدية ورواية تراجيديا وكل ذلك في عمل واحد تثير الدهشة قدرته على جمع كل ذلك معا. ودائما هناك السخرية الشاملة التي لا تستنكف حتى عن الهزء ببنائها الخاص.
*رواية ألِسّاندرو باريكّو المبدعة، لا يزيد عدد صفحاتها، مع التعليق التعريفي بالكاتب، عن الستين صفحة. هي في الأصل مونولوج كتبه باريكّو ليخرجه غابريللِّه فاشيس عملا مسرحيا. وبعد أن لقي ثناءً من الجمهور والنقاد صدر كتابا مطبوعا ترجم إلى لغات عدة، ثم قام المخرج الإيطالي جوزيبِّه تورناتّوره بنقله إلى فيلم سينمائي بعنوان « أسطورة 1900/عازف البيانو في المحيط». دار المتوسط أصدرت الكتاب بترجمة معاوية عبد المجيد هذه السنة 2018.

٭ روائي لبناني

((القدس العربي))