إبراهيم نصر الله

ذات يوم من أيام شهر أيار/مايو من عام 1979 التقيته في دمشق، كانت تلك هي المرة الأولى التي نلتقي فيها، أما المناسبة فلم تكن شعرية، بل كانت مسرحية، وأعني هنا مهرجان دمشق المسرحي، كان ثمة أشياء مختلفة، اندفاع مختلف، انصهار عجيب للمُشاهد في العمل الذي يراه، كان أسعد فضة يقدم مسرحية (الملك هو الملك)، وروجيه عسّاف يقدم مسرحية من حكايات الجنوب، فتصفق القاعة ربع ساعة، ويرفض الجمهور مغادرة المسرح، رغم أن الممثلين والمخرج راحوا يلوّحون له مودعين، ويختفون خلف الستارة مرة بعد أخرى، لكن الجمهور يرفض المغادرة.
كان ممدوح عدوان في ريعان شبابه، مندفعاً يملأ العالم من حوله حيوية، وصلباً، مستعداً لأن يقاتل حتى الهواء.
بعد ذلك اللقاء بيومين، أهداني ديوانه (أمي تطارد قاتلها) وهو واحد من دواوينه الجميلة التي لا تنسى. وبعدها أصبحنا نلتقي كل عام تقريباً، في هذا المهرجان أو ذاك، وقد ساعد قرب دمشق من عمان أن يكون باستمرار في عمان، حتى بات لفرط نشاطه من خلال العدد الكبير من أمسياته كأنه واحد من شعراء الساحة.
لقد تطور شعر ممدوح عدوان كثيراً بعد الثمانينيات، وكانت قصيدته الكبرى (قصيدة ينقصها شهيد) من أجمل قصائد تلك المرحلة وأعظمها حتى اليوم. كانت قصيدة الفجيعة، قصيدة حصار بيروت، قصيدة الخروج، قصيدة شاعر يفتش في بلده عن شهيد. في زمن لم تعد فيه أي عاصمة تجرؤ على تقديم الشهداء باستثناء بيروت.
ماذا يمكن أن نقول لممدوح الآن، لو سألنا كم شهيداً ينقص عواصمنا العربية هذه الأيام؟!
تلك القصيدة كانت تقف بجلال إلى جانب قصيدة محمود درويش (مديح الظل العالي) وتفوقها جرأة، لأنها قصيدةٌ ضدٌ بامتياز.
لكن ممدوح عدوان كان يدرك أن ثمة شيئاً كبيراً يتغير، ورغم حيويته التي لم تتأثر خارجياً بشيء، كما لو أن فيه روحاً من زوربا اليوناني، حسب وصف أحد الأصدقاء، إلا أن قصائده راحت تمضي في اتجاه آخر منذ قصيدته عن (دونكيشوت)؛ لقد أدرك أن زمن الهزيمة قد جاء، ولذلك لم يعد هناك أكثر نبالة من مواصلة المثقف لدوره، حتى لو اضطر لمقاتلة طواحين الهواء. رغم أنه لم يتوقف عن قتال ما وراء هذه الطواحين.
لم تكشف بيروت قوة الجيش الإسرائيلي الذي حاصرها، في ذلك الزمان، ولكنها كشفت هشاشة العالم العربي بصورة فاجعة، وقد ظلت هذه الهشاشة تتفاقم إلى أن تحولت إلى هذا الهلام الذي نراه اليوم.
راحت قصيدة ممدوح عدوان بعد ذلك تتنوع، تزداد حزناً، وتزداد جرأة، وهي تتجه إلى الهمس أكثر فأكثر. ومن يَنس قصائد مثل: بردى، أوتوستراد، ورثائياته العميقة بعد ذلك للبشر.
يفتتح ممدوح كتابه (دفاعاً عن الجنون) بقول لميشيل فوكو (ينبغي أن أفترض أن خطابي هذا لا يؤمن لي طول البقاء، وأنني إذ أتكلم لا أتحاشى موتي وإنما أؤسسه) كان ذلك في عام 1985، أي قبل ثلاثة وثلاثين عاماً.
ولكن ممدوح عدوان لم يتوقف لحظة عن الكتابة، ولا عن الحياة، وفي الوقت الذي كان يؤسس بالحزن موته، فإنه كان يؤسس حياة لا يتسعها أي قبر. وهكذا كان دائماً أغزر الكتاب العرب إنتاجاً وأكثرهم تنوعاً في خوض تجارب إبداعية تمتد من الشعر حتى السرد، ومن المقالة حتى الدراسة، ومن المسرح حتى التلفزيون، ومن القصة حتى الرواية، وصولاً إلى الترجمة.
ولعل وصوله للسرد وللدراما التلفزيونية ليس مصادفة، فقد كتب في بواكيره القصة، وكانت قصيدته دائمة محتشدة بالدراما، ولعلها تبقى هي أمُّ كل ما كتبَ، وأم كل ما عاشَ.
٭ ٭ ٭
لكن المحزن في الذاكرة الشخصية هنا أن القصيدة الأولى في ديوانه الذي جمعني به صديقاً (أمي تطارد قاتلها) كان عنوانها (الجنازة)، وفي المرة الأخيرة التي قابلته فيها، وكانت في عمان قبل أشهر قليلة من رحيله، خلال أمسية له، كانت قصائده كلها مشغولة بالموت، إلى ذلك الحد الذي دفع زوجته ممازحة لأن تطلب منه قليلاً من القصائد عن الحياة.
كانت أمسية حزينة رغم كل شيء، رغم هذا الثبات العظيم والشجاعة الكبرى التي أبداها ممدوح حين قرر أن حياته يجب أن تسير كما كانت دائماً: أمسيات في غير بلد عربي، حوارات في التلفزيون والصحافة، كتابات متنوعة، وفي خروجه المستمر لملاقاة الناس كان يريد أن يقول إن هذا الجسد الذي ترونه يذبل وتقضمه جرعات العلاج الكيماوي في داخله روح تأبى الاستسلام.
ولم يستسلم، لكن الموت لم يكن كائناً رحيماً في أي يوم من الأيام. ولذلك كان الجو العام لتلك الأمسية مجللاً بحضور الموت وانتصاره علينا، وهو يرينا ما الذي يمكن أن يفعله؛ فالشاعر المُهر الذي لم يتأخر ذات يوم كان عليه أن يتأخر ذلك المساء كي يرى الطبيب رغماً عنه، وكان عليه أن يصعد المنصة ببطء لم نعرفه.
قرأ ممدوح قصائد كثيرة عن الموت فعلاً، لكنها لم تكن قصائد موت، بل قصائد عن بشر عاشوا الحياة. ومن بينها قصيدته الرائعة التي كتبها لأبيه:
كفاك ترتعشان يا أبتي
وصوتك قد تهدج.. وارتعد
بدأت خيانات الجسد
ما عاد صوتك زعقة النسر
المطل على الحمائم كالغضب
مضى ممدوح عدوان الذي عاش حياته كلها يحتفي بالحياة لا بالموت، وكان تعلقه بالحياة وبكرامة الأحياء شيئاً يفوق الوصف. فقد أدرك ممدوح عدوان دائماً أن الشعر الحقيقي لا يكتبه شاعر يقبل بأن يحني جبينه، ولذلك كان كل ما كتبه هو (لا) كبيرة ضد سحق البشر وطحنهم، ولكنه عاش حتى رأى كيف تمت صياغة وتوطين (حيونة الإنسان) في هذا الوطن العربي الممتد بين ماءين وأكثر من صحراء.
ورغم ذلك ظل يصر على «أن الشعر هو (لا)، هو ذلك الشيء الإيجابي العظيم. هو ما يؤكد لنا أننا نبكي لأننا لم نتعود الذل، بعد، ولم نقبله، إنه يذكرنا أننا بشر». ولعل قصيدته الشهيرة عن دونكيشوت التي أشرنا إليها جزء أصيل من هذا العناد، وهو يشير في نهايتها على لسان بطلها أنه لم يقطع وعداً بالنصر في واقع مهزوم، ولكنه يقطع وعداً بألا تتوقف الحرب ضد كل أشكال الظلم.
في مثل هذه الأيام من عام 2004 رحل ممدوح عدوان، ولكنه إلينا.. كل يوم يعود.

((القدس العربي))