سبق لدرويش في قصيدة مشهورة أن تذكر السيّاب، ومما قاله ” أتذكُرُ السيّاب… إنّ الشعر يولد في العراق، فكن عراقيا لتصبح شاعرا يا صاحبي”، كانت هذه صرخة محمود درويش مستعيدا صورة الشاعر بدر شاكر السيّاب، رافعا إياه إلى مرتبة عظمى في مستوى النظم الشعري. هذه الشهادة التاريخية المأثورة من شاعر كبير في حقّ صاحب “أنشودة المطر” تجعلنا فعلا نتساءل عن هذه القيمة التي حظي بها ابن “جيكور” وما زال، ماذا توفر في التجربة الشعرية السيّابية، علما أنه لم يعش إلا حياة قصيرة الأمد مقارنة بشعراء آخرين؟ لماذا هذه العودة الدائمة لكي لا أقول الأبدية لشعر السيّاب؟

لا أريد الحديث عن خصائص القصيدة الشعرية الحديثة عند السيّاب، و لا حتى بلورة تصور يتتبع منعرجات تجربته الشعرية والمراحل التاريخية التي شهدتها، ما أريد الاقتراب منه قدر الإمكان هو الإشارة إلى بعض العناصر التي جعلت من بدر شاكر السيّاب، وتجربته الشعرية لحظة مهمة في الثقافة العربية، وتستعاد كل مرة أرادنا فيها التأريخ لبداية مغامرة الشعر الحديث.

المؤكد أن تجربة الشاعر الحديث عموما تأثرت بالأحداث الكبرى التي شهدها الواقع العربي، ابتداء من نكبة 1948 إلى نكسة 1967، فالشاعر وجد نفسه يعيش في واقع مأزوم ومتخلّف، واقع دخل مند زمن بعيد في جدلية مع الآخر القوي والمتفوق، الآخر الذي امتلك التقنية وأدوات السيطرة على الطبيعة وعلى كلّ من تخلّف على ركب التطوّر والنموذج الذي وضعه منذ القرن السابع عشر مع “ديكارت، و فرنسيس بيكون…”. هذه الوضعية جعلت ذات الشاعر ممزقة ومتشظية، فتُراثه يقول بأنه يعيش في خير أمة أخرجت للناس، لكن واقعه يقول العكس تماما. هذه المفارقة الثقافية والاجتماعية ستعكسها القصيدة الحديثة فيما بعد، حيث ستنتقل هذه الازدواجية من مستوى الوجود الاجتماعي إلى مستوى الوعي الاجتماعي الذي نعني به هنا الشعر طبعا. هذا الواقع الذي وجد فيه الشاعر نفسه ضائعا لم يعد باستطاعة الموشحات الأندلسية ولا الشعر الكلاسيكي عامة  التعبير عنه، كان لا بدّ من الثورة إذن، كان لا بدّ من تغيير شيء ما، فأشكال التعبير القديمة لم تعد قادرة على حمل الهزيمة والقهر والاستبداد…كان من الضروري الانفصال  من أجل اتصال آخر جديد، فقطع الحبل مع ما هو كلاسيكي هو مثل قطع السرة، لا يعني انفصالا مطلقا، وإنما هو العملية التي يتم عن طريقها ربط المولود بأمّه من جديد[1]، الشاعر الحديث يريد ارتباطا جديدا مع واقعه الذي تغير، ولم يعد هو واقع “المتنبي” في العصر العباسي، ولا هو واقع “أبو البقاء الرندي” الأندلسي .

السيّاب وسؤال البداية:

في كتاب مشهور معنون بـ”بداية الفلسفة” يناقش  الفيلسوف الألماني المعاصر “هانز جورج غادامير” في مستهله معنى البداية، فيشير إلى أن البداية هي أن “يعرف المرء بداية شيء ما  يعني أن يعرفه في نشأته الأولى…فالشاب ينطلق من اللايقين ولكنه في الوقت نفسه يشعر بالإثارة من الإمكانيات التي تكمن في المستقبل “[2] كان السيّاب هذا الشاعر القلق الذي بدأ من اللايقين ولكن أمله الكبير كان في مستقبل هذه القصيدة الوليدة، لذلك انخرط ابن بلاد الرافدين “السيّاب” في  سياق قلق، فيه مخاض وصراع  من أجل  تجديد الوعي واستيعاب صدمة التخلف ومحاولة  تجاوزها. إن المجتمع العربي المثقل بالخيبات والذي يسعى لدخول مرحلة جديدة من تاريخه كحتمية تاريخية لا مناص منها، فهي مفروضة من الآخر الغربي القوي، سيكون عليه أولا، محاولة استقبال قصيدة حديثة مختلفة تماما على ما اعتاد عليه منذ المعلقات، هذه البداية، هذا الفتح الأول هو ما تجسده قصيدة السيّاب، و هو ما شكل قضيته.

نتذكر السيّاب لأنه كان ممثل هذا الاستهلال، يعترض البعض على هذا الطرح ، ويقول بأن قصيدة الكوليرا لـ”نازك الملائكة” المشهورة ، هي التي قصت حبل بداية مرحلة جديدة من الشعر العربي، إننا لا نريد أن نزكي هذا الطرح عن ذاك، ولكن  ما يهمنا هو أن هذا النقاش يذكرنا بنقاشات أخرى مشابهة في الفكر الإنساني، فالفلسفة كأعلى مستوى للوعي البشري  يعتبرها البعض حكمة يونانية خالصة، في حين يؤكد البعض الآخر أن الفلسفة اليونانية ما كان لها أن تزدهر لولا استفادتها بل استنساخها للحكمة المشرقية، الهندية والفارسية…،  كما يذكرنا هذا النقاش حول بداية الشعر الحديث ببداية علم الاجتماع أيضا، فالكثير من المفكرين العرب يعتقدون أن “ابن خلدون” هو مؤسس علم الاجتماع، الوقت الذي يرد عليهم البعض بأن علم الاجتماع “السوسيولوجيا ” هو وليد سياق القرن التاسع عشر مع “أوغست كونت”، هذه نقاشات معروفة تتشابه إلى حد كبير مع قضية بداية الشعر الحديث، ولعل القاسم المشترك بينها هو سؤال البداية. “السيّاب” بقصيدته “هل كان حبا” انخرط في جدل البداية، لذلك سيتم تذكره باستمرار، لأن الإنسان ببساطة مهووس بجدل البدايات.

السيّاب وتجربة الألم:

عبر التاريخ كانت دائما هناك علاقة بين الألم والإبداع، ولكن لا يمكن اعتبار الأمر قاعدة، فليس كل من عانى أصبح فنانا أو شاعرا، اشترك “السيّاب” مع كل الشعراء المحدثين تقريبا في تجربة الألم، الألم الموضوعي الذي يجمعهم، الواقع المزري الذي يشهد هزيمة وراء أخرى، هذا الألم الذي أدى بـ”خليل حاوي” إلى وضع حد لحياته ببيروت حينما لم يعد متحملا للهزائم أمام العدو الإسرائيلي القويّ. الأكيد أن هذا الألم كان وقودا للإبداع عند الشاعر الحديث، لأن الشعر هو مجال الحرية مجال الحلم، الشعر هو الملاذ الذي به يهرب الشاعر من وضعه القلق، منفتحا في ذلك طبعا على تجربة الآخر، منفتحا مثلا على تجربة الشاعر الإسباني “لوركا”، والفلسفة الوجودية مع” سارتر” التي تعد رمزا للحرية والقدرة على تحديد نمط الوجود.

ينفرد “بدر شاكر السيّاب” بألم إضافي، فقد توفي بالمستشفى الأميري بالدولة الجارة للعراق الكويت، عن عمر لا يتجاوز ثمانية وثلاثين سنة، إثر معاناة طويلة مع المرض. هذا المرض الذي هد جسده شكل منعطفا أساسيا في تجربته الشعرية، إذ أصبح الشعر ترياقا بالنسبة له، وبدأ الحنين إلى القرية الأم” جيكور” التي تغنى بها السيّاب باستمرار وهي مسقط رأسه. هذا العمر القصير لم يمنع السيّاب من أن يكون واحد من ألمع الشعراء العرب في القرن العشرين.

نتذكر السيّاب لأن تجربة الألم ملازمة للوجود الإنساني، نتذكره لأننا واعون بأن الجروح والندوب ليست كلها قبيحة، بل قد تخلق إمكانية أخرى للحياة. إن “فريدريك نيتشه” يذكرنا  بأن البعض من الناس يولدون حين يموتون[3]، هذه الشذرة النيتشوية تنبأ بها بتجربته الفلسفية، حيث يقصد أن فلسفته وعظمته بشكل عام ستكتشف عندما يموت، وهو ما كان فعلا، إنها تجربة موت من أجل الحياة، كذلك الأمر بالنسبة “للسياب”، فتجربته الشعرية تظل رمزا نعود إليه كل مرة قصد فهم ألامنا و تمزق ذواتنا. قد ننسى السيّاب، ولكن محال أن ننسى “أنشودة المطر”.

*****

  1.  عبد السلام بنعبد العالي، ” الفلسفة أداة للحوار“، دار توبقال، الطبعة الأولى 2011، ص 16.
  2.  هانز جورج غادمير” بداية الفلسفة“، دار الكتاب الجديد المتحدة، الطبعة الثانية  2013، ص 27.28.
  3.  فريدرك نيتشه، “هذا الإنسان“، دار التنوير للطباعة والنشر، الطبعة الثانية 2013، ص 63.

(الأوان)